في يوم فرحة ل زيزى خالد
في يوم فرحه، مليونير شاف حبيبته القديمة في موقف أتوبيس ومعاها توأم نسخة منه، فأمر السواق يوقف العربية فوراً
قبل فرح ياسين المنياوي ب 43 دقيقة، فيه طفلة عندها 6 سنين واقفة في موقف أتوبيس بصت له وقالت بوضوح ماما، الراجل ده عنده نفس عينيا.
الكلمات وصلتله من شباك العربية الليموزين اللي كان مفتوح.
ياسين حس إن نفسه اتقطع.
بره، كان فيه مطرة باردة مغطية شوارع القاهرة، والدنيا تِغرق والناس بتستخبى تحت المظلات. الزحمة كانت خانقة والعربيات بتتحرك بالعافية.
بس ياسين ماكنش شايف غير تلاتة.
حنان كانت واقفة تحت شمسية الموقف، لابسة بلطو كحلي، وماسكة شنطة سفر متهالكة في إيد، وبإيدها التانية ماسكة إيد بنتين لابسين جزم مطر صفرا وشنط مدرسة موف.
توأم.
واحدة فيهم كانت واخدة شعر حنان الكيرلي البني، والتانية كانت عاملة شعرها ضفرتين.
والاتنين كان عندهم عينين ياسين الملونة رمادي في أخضر.
والاتنين كان عندهم غمازة في الخد الشمال، العلامة المميزة لكل عيلة المنياوي.
والاتنين كان شكلهم بالظبط عندهم 6 سنين.
كمل سواقة يا أسطى، قالت دينا اللي كانت قاعدة جنبه في العربية.
ماكانتش بتزعق.. مش لسه.
ياسين كان في عالم تاني. العربية اتحركت 3 متر.
وقف العربية، قالها ياسين.
السواق بص في المراية باستغراب يا فندم؟
بقولك وقف العربية دي حالاً!
الفرامل مسكت جامد لدرجة إن طرحة دينا الحرير وقعت من على كتفها.
ياسين فتح الباب ونزل قبل ما العربية تقف تماماً. المطر نزل على وشه، بوظ البدلة، وغرق جزمته وهو بيعدي بين العربيات اللي بتكلكس.
حنان شافته وهو جاي.
كل الدفا اللي في وشها اختفى.
يا بنات، قالت بسرعة، اقفوا ورايا.
البنات سمعوا الكلام، بس اللي بضفاير طلعت راسها من ورا بلطو مامتها.
ياسين وقف على بعد متر منها.
7 سنين اختفوا في لحظة.
شاف البنت اللي كان عندها 26 سنة، اللي كانت بتقعد معاه على الأرض تاكل إندومي، البنت اللي فضلت سهرانة معاه عشان تساعده يجهز للمقابلات، البنت اللي آمنت بيه قبل ما البنوك حتى ترد على مكالماته.
وفي نفس الوقت، سمع آخر كلمة قالها لها
إنتي إنسانة زي الفل يا حنان، بس إنتي مش جزء من المستقبل اللي أنا ببنيه.
قالها وهو محضر شنطتين السفر قدام الباب.
دلوقتي، هي واقفة قدامه، أكبر، أقوى، وأجمل، ومخبية وراها طفلتين وجودهم هَد كل اللي كان فاكره عن حياته.
حنان..
ارجع عربيتك يا ياسين.
عينه اتنقلت للبنات. الطفلة الكيرلي كانت بتبص له بتركيز، والتانية اللي بضفاير نظرتها كانت مليانة حذر وشك.
عندهم كام سنة؟
حنان جزت على سنانها بلاش.
عندهم كام سنة؟
إنت هتتجوز دلوقتي.
ده مش رد على سؤالي.
ده الرد الوحيد اللي هتاخده في موقف أتوبيس.
البنت الكيرلي شدتها من كمها ماما، إنتي تعرفي الراجل ده؟
حنان مابصتش لتحت كنت أعرفه.
ياسين حس ب دينا وهي بتقرب منه. كانت لابسة فوق فستان الفرح بتاعها بلطو أبيض، عيونها ما سابتش تفصيلة.
دينا ذكية كفاية عشان تعمل الحسبة في ثواني.
ياسين،
موقع أيام نيوز
قالت بهدوء، الناس مستنيانا في القصر.
ماقدرش يتحرك.
دول ولادي؟ سأل.
وش حنان اتجمد.
أتوبيس عام قرب، ورش مية من العجل بتاعه. حنان شالت الشنطة وشدت البنات.
يلا يا ليلى، يا سلمى.. الأتوبيس بتاعنا جه.
ياسين وقف في طريقها أرجوكِ.
الكلمة دي طلعت من مكان أعمق بكتير من كبريائه.
حنان بصت على بدلته، الليموزين، والعروسة اللي واقفة وراه بفستان الفرح.
وبعدين بصت في عينيه.
النهارده مش اليوم اللي تطلب مني فيه أي حاجة.
ركبت البنات الأتوبيس. البنت اللي بضفاير ليلى بصت وراها من الشباك المليان مطر، كان في عينيها نفس النظرة الجدية اللي شافها في صور طفولته هو.
الباب قفل. الأتوبيس مشي.
ياسين فضل واقف في الشارع فترة طويلة بعد ما الأتوبيس اختفى.
دينا رجعت الليموزين من غير كلمة.
وهو دخل بعدها بدقائق، غرقان وبيرتعش.
السواق قفل الحاجز اللي بينه وبينهم.
دينا قلعت البلطو المبلول بهدوء، فستان الفرح كان لسه زي ما هو، دانتيل متطرز يدوي وعقد الماس على رقبتها، هدية من أم ياسين.
دينا كانت زي عرايس المجلات.
وياسين كان حاسس إنه رايح يتعدم.
مين دي؟ سألت دينا.
حنان..
حنان مين؟ حنان بتاع شركة الاستشارات؟
بصلها باستغراب.
ضحكت ضحكة باهتة شركتها مسكت إعادة هيكلة شركات أبويا السنة اللي فاتت، بابا كان بيقول عليها أشطر واحدة قابلها في المجال ده من 20 سنة.
ياسين بص للمطر بره. لما كان يعرفها، كانت لسه موظفة صغيرة يا دوب بتعرف تدفع إيجارها. دلوقتي بقت تملك واحدة من أكبر شركات الاستشارات في البلد.
كانت حبيبتي.
كنت فاهمة كدة.
كنا عايشين مع بعض.
بقالكوا قد إيه؟
أربع سنين تقريباً.
وسبتها؟
غمض عينيه جاتلي فرصة شغل في حتة تانية وسافرت.
ده من 7 سنين.
أيوه.
دينا بصت من الشباك لورا، رغم إن الأتوبيس كان اختفى من زمان.
البنات عندهم 6 سنين.
ممكن يكونوا لأي حد تاني.
عندهم عينيك يا ياسين.
ناس كتير عنيهم خضراء.
واحدة فيهم عندها نفس غمازتك.
ياسين اتنفض. دينا ملامحها اتغيرت وبان الۏجع في صوتها ما تهنيش ذكائي وتقولي إننا مش شايفين اللي شايفينه.
الليموزين دخل بوابة قصر المنياوي.
مئات الورود البيضا على الطريق، والمعازيم متجمعين تحت خيم متدفية في الجنينة. ده مكنش مجرد فرح، ده كان صفقة دمج بين شركات ياسين وشركات دينا، إنهاء ل 3 سنين من المفاوضات. أبو دينا هو اللي أنقذ شركات ياسين من الإفلاس، والمقابل كان نسبة كبيرة في الأسهم ومكان في مجلس الإدارة.
مفيش عقد بيقول صراحة لازم تتجوز دينا، بس مكنش حد محتاج يكتبها.
دينا، بدأ يتكلم.
رفعت إيدها بإشارة تسكُت مش هنا.. مش في العربية.
نزلوا من أبواب مختلفة.
أخته رشا قابلته عند المكتب إنت غرقان مية! إيه اللي حصل؟
رشا كانت بتمسح المطر عن كتف أخوها وهي بتهمس پخوف ياسين، الناس بدأت تهمس، التأخير مش في صالحك، وأبو دينا عينه مش سايباك.
ياسين كان بيحاول يستجمع شتات نفسه، لكن صورة ليلى وهي بتبص له من شباك الأتوبيس محفورة في ذاكرته كأنها سهم أصابه في
مقټل. دخل القاعة الكبرى، الأنوار كانت ساطعة، الموسيقى هادية، والوجوه اللي حواليه كانت مجرد أقنعة لرجال أعمال وشركاء. لكنه كان حاسس إنه عريان، كأن حنان سحبت منه ستر الغرور اللي بناه في السنين اللي فاتت.
الفصل الثاني خلف قناع الزجاج
حفل الزفاف كان أسطورياً. في كل زاوية، ريحة زهور الليلي البيضاء، أصوات الملاعق بتخبط في الكريستالات، وضحكات دينا اللي كانت بتلعب دور العروس المثالية بإتقان مرعب.
ياسين كان قاعد على الكوشة جنب دينا، لكن عقله كان في مكان تاني خالص. كان بيفكر في الحسابات لو البنات عندهم 6 سنين، يعني حنان كانت حامل وقت ما سابها؟ يعني هي شالت الحمل ده كله لوحدها؟ شالت الۏجع، التعب، والولادة، وكمان نجحت في إنها تبني إمبراطورية استشارات؟
دينا، أنا لازم أخرج شوية، الجو جوه خانق.
دينا بصتله، عيونها كانت باردة كأنها بتشوف حقيقته لأول مرة لو خرجت دلوقتي يا ياسين، الصفقة دي هتتفركش قبل ما تبدأ، وأبويا مش من النوع اللي بيسامح في إهانة زي دي.
ياسين حس بالقفص بيضيق عليه مش قادر يا دينا. البنتين دول… هما لحمي ودمي.
دينا مالت عليه وهمست في ودنه لحمك ودمك هما اللي هنا، في الورق اللي وقعته، وفي الشركة اللي لولايا كانت زمانها في ملفات المحاكم. حنان ماضٍ، وأنا الحاضر والمستقبل.
الفصل الثالث الحقيقة المرة
بعد أسبوع من الفرح، ياسين ماكنش قادر يركز في أي صفقة. كان بيقضي وقته في مكتبه، بيحاول يوصل لأي معلومة عن حنان. استغل علاقاته، بعت حد يراقب الشركة بتاعتها، واكتشف إن حنان مش بس ناجحة، دي بقت أيقونة في مجالها.
في يوم، قرر يكسر كل الحواجز. راح لمقر شركتها أفق للاستشارات. دخل المكاتب الفخمة، الموظفين بيبصوا باستغراب للراجل اللي باين عليه الإرهاق. دخل مكتبها من غير استئذان.
حنان كانت قاعدة ورا مكتبها، لابسة بدلة رسمية سوداء، شعرها مرفوع بطريقة توحي بالثقة والجدية. لما رفع عينه وشافته، ما رمشتش.
ياسين؟ أمن المكتب فين؟
حنان، لازم نتكلم. البنتين… ليلى وسلمى. ليه ما قلتليش؟
حنان سابت القلم، قامت وقفت، وواجهته بكل قوة ليه؟ عشان تفتكر إنك ممكن تيجي في حياتهم لما حياتك تبقى مريحة؟ لما تبقى مليونير ومعاك كل حاجة؟ كنت فين لما كنت بشتغل 16 ساعة في اليوم وأنا حامل؟ كنت فين لما دخلت المستشفى عشان ولادة مبكرة بسبب الإجهاد ومحدش كان جنبي غير ممرضة شفتني بعيط؟
ياسين قرب منها، صوته كان بيترعش مكنتش أعرف! لو كنت أعرف…
قاطعته بسخرية لو كنت تعرف، كنت هتختار يا ياسين. كنت هتختار مستقبلك اللي بتبنيه بالفلوس، مش العيلة اللي بتبنيها بالحب. إنت اخترت، وطلعتني من حياتك. أنا وبناتي دلوقتي مالناش مكان في حساباتك.
الفصل الرابع الټضحية الكبرى
بدأت الأخبار تنتشر. صحافة البيزنس بدأت تلمح لوجود توأم لياسين المنياوي من سيدة
أعمال غامضة. أبو دينا، الراجل العجوز اللي بيدير كل حاجة من ورا الستار، بدأ يضغط على ياسين.
يا ياسين، الڤضيحة دي هتدمر أسهمنا. لازم ننهي الموضوع ده. البنتين دول… لازم نشتري صمتهم، أو ننهي الموضوع بأي طريقة.
ياسين حس إن فيه جبل على صدره. بص لدينا اللي بقت غريبة عنه تماماً، وبص لحياته اللي بقت عبارة عن سجن ذهبي. في اللحظة دي، عرف إن الحب اللي كان بيفتكر إنه خسارة وقت هو الحاجة الوحيدة الحقيقية اللي خسرها.
قرر ياسين إنه يتنازل عن كل شيء. عقد اجتماع لمجلس الإدارة، وأعلن استقالته من منصب المدير التنفيذي، وطلب فسخ عقود الدمج. كان عارف إن ده معناه الإفلاس أو العودة لنقطة الصفر، لكن ده كان التمن الوحيد عشان يشتري حريته.
الفصل الخامس البداية الجديدة بعد عام
سنة مرت. ياسين مابقاش المليونير صاحب الليموزين والبدل الغالية. دلوقتي بيشتغل مستشار مستقل، مكتبه صغير، لكنه هادي.
في يوم خريف، كان واقف قدام مدرسة ابتدائي. مستني الباب يفتح. البنات خرجوا، بيجروا وبيلعبوا. ليلى شافت ياسين، وقفت مكانها. سلمى اللي كانت بتضحك، بصت لأختها وبعدين بصت لياسين.
ياسين ما قربش منهم، بس وقف بابتسامة خفيفة. حنان ظهرت من وراهم، كانت بتبص له، نظرتها كانت لسه فيها حذر، لكن مابقاش فيها ڠضب.
قربت منه وقالت دينا طلقتك، وخسړت كل حاجة في الصفقة.
ياسين هز رأسه كسبت نفسي، وكسبت فرصة إني أكون أب حقيقي، حتى لو من بعيد.
حنان سكتت لحظة، وبصت لبناتها اللي كانوا واقفين يراقبوا الموقف.
سلمى عندها 7 سنين دلوقتي يا ياسين. وليلى بتحب الرسم زيك.
ياسين حس بدمعة خانته، مسحها بسرعة.
ممكن… ممكن أجي أقعد معاكم؟ مش ك ياسين المنياوي المليونير، بس ك بابا؟
حنان اتنهدت، نظرة اللين بدأت تظهر في عينيها. مشيت ناحية البنات، ندهت عليهم ليلى، سلمى، تعالوا.
البنات جم، ياسين نزل لمستواهم. ليلى مدت إيدها ولمست وجهه، زي ما عملت في الموقف.
إنت الراجل اللي عنده نفس عينينا؟ سألت ليلى ببراءة.
ياسين ابتسم ودموعه نزلت أنا الراجل اللي كان غبي كفاية عشان يضيع أجمل سنين عمره بعيد عنكم. أنا آسف.
حنان حطت إيدها على كتفه، إشارة صامتة للمسامحة، مش كاملة، بس كفاية لبداية جديدة.
المطر بدأ ينزل خفيف، بس المرة دي، ياسين ماحسش إنه غرقان. حس إنه أخيراً وصل للبيت.
النهاية
الحياة مش دايماً بتمشي زي ما بنخطط لها في مكاتبنا الفخمة. أحياناً، بنحتاج نخسر كل حاجة عشان نلاقي أي حاجة ليها قيمة بجد. ياسين اختار الټضحية ب البريق عشان يرجع الروح.