بعد فراق سنوات بقلم منال عباس الثالث والاخير

بعد فراق سنوات بقلم منال عباس

الثالث والاخير

نظر الجميع إلى كريم في ذهول

أما هو فكان شاحب الوجه بشكل مخيف

قال حمدي بقلق

مين

نظر كريم إلى شاشة الهاتف ثم قال بصوت مرتجف

أبويا

تبادل الجميع النظرات

وقال الدكتور شريف

إزاي

أبوك متوفي من سنين

هز كريم رأسه بعنف

وقال

عشان كده أنا مش فاهم

أنا اللي دفنته بإيدي

والشهادة موجودة وكل حاجة

ظل الهاتف يرن

رنات متتالية جعلت التوتر يملأ الغرفة

وأخيرا ضغط كريم زر الرد

ووضع الهاتف على مكبر الصوت

خرج صوت رجل مسن وواضح

السلام عليكم يا كريم

شعر كريم أن أنفاسه توقفت

كان الصوت مطابقا تماما لصوت والده

همس بصعوبة

مين

جاءه الرد

عارف إنك مصدوم

بس لازم تشوفني

النهارده قبل بكرة

ارتجفت يد كريم

وقال

إنت مين

سكت الرجل لثوان

ثم قال

أنا الشخص اللي عاش باسم أبوك عشرين سنة

وأبوك الحقيقي لسه عايش

ساد الصمت

حتى عقارب الساعة بدت وكأنها توقفت

أما نادية فشعرت أن الأحداث أصبحت أكبر من أي شيء يمكن تصديقه

قال كريم بعصبية

إنت بتتكلم عن إيه

رد الرجل

لو عايز تعرف الحقيقة كلها تعالى لمزرعة قديمة على طريق الإسماعيلية

وهتفهم ليه اتبدلت حياة ناس كتير في ليلة واحدة

ثم أغلق الخط

نظر الجميع إلى بعضهم

وقال حمدي

إحنا لازم نروح

حاول الدكتور الاعتراض بسبب حالته الصحية

لكن حمدي أصر

وبعد ساعات قليلة كانوا في الطريق

كانت الشمس تميل إلى الغروب عندما وصلوا إلى المزرعة

مكان قديم مهجور تحيط به الأشجار من كل اتجاه

نزلوا من السيارة بحذر

وتقدموا نحو المنزل الموجود في منتصف الأرض

كان الباب مفتوحا

وحين دخلوا وجدوا رجلا مسنا يجلس على كرسي خشبي

رفع رأسه ببطء

وعندما وقعت عيناه على حمدي وكريم امتلأت عيناه بالدموع

وقال

سامحوني

انتظرت اللحظة دي عشرين سنة

اقترب كريم منه بغضب

وقال

مين إنت

أشار الرجل إلى صندوق حديدي قديم بجواره

وقال

قبل ما أجاوب

افتحوا الصندوق ده

فيه كل الأسرار

تقدم حمدي وفتح الصندوق

فوجد عشرات المستندات والصور القديمة

لكن شيئا واحدا لفت نظره فورا

صورة كبيرة تجمع طفلتين صغيرتين

حدق فيها للحظات

ثم تجمد مكانه

لأن إحدى الطفلتين كانت نادية

أما الطفلة الأخرى فكانت تشبهها بشكل يكاد يكون مستحيلا… وكأنها أختها التوأم تماما.بقلم منال عباس

تجمدت نادية في مكانها

واختفت الألوان من وجهها

خطفت الصورة من يد حمدي وهي تنظر إليها بذهول

كانت الطفلة الأولى هي بالفعل

لا شك في ذلك

أما الثانية فكانت نسخة منها تماما

نفس العينين

نفس الابتسامة

حتى الشامة الصغيرة بجوار الحاجب كانت في المكان نفسه

رفعت نادية رأسها نحو الرجل العجوز

وقالت بصوت مرتجف

مين البنت دي

أغمض الرجل عينيه للحظات

ثم قال

أختك

شعرت نادية أن الأرض تهتز تحتها

تراجعت خطوة إلى الخلف

وقالت

مستحيل

أنا معنديش إخوات

رد الرجل بحزن

ده اللي اتقالك طول عمرك

لكن الحقيقة غير كده

جلس الجميع في صمت ثقيل

ثم أخرج الرجل ملفا قديما من الصندوق

وقال

من أكتر من أربعين سنة كانت فيه شبكة كبيرة بتشتغل في تزوير الأوراق وتبديل الأطفال مقابل مبالغ ضخمة

وفي ليلة واحدة حصلت ثلاث جرائم

اتبدل حمدي عن أسرته الحقيقية

واتبدلت أخت نادية عن أختها التوأم

واختفى شخص كان المفروض يفضح كل اللي حصل

حدق الجميع فيه

وقال كريم

مين الشخص ده

رفع الرجل عينيه وقال

أنا

ساد الصمت

ثم أكمل

كنت شغال وقتها في المستشفى

وشوفت كل حاجة

لكنهم هددوني

وقالوا لو اتكلمت هيقتلوا أسرتي

فهربت وسكت سنين طويلة

نظرت نادية إلى الصورة مرة أخرى

وشعرت أن قلبها يتمزق

وقالت

يعني أختي عايشة

هز الرجل رأسه ببطء

وقال

آخر معلومة وصلتني إنها عايشة

لكن محدش يعرف مكانها دلوقتي

فجأة تقدم حمدي نحو الصندوق

وبدأ يقلب الأوراق بسرعة

ثم توقف عند ملف صغير

فتح الملف

وتغير وجهه فجأة

قالت نادية بقلق

في إيه

لم يجب

ظل ينظر إلى الورقة وكأنه لا يصدق

اقترب كريم منه

ثم اتسعت عيناه هو الآخر

خطفت نادية الورقة منهما

وحين قرأت ما فيها شعرت بصدمة جديدة

كانت استمارة قديمة تحمل اسم الشخص المسؤول عن كل ما حدث

الاسم كان واضحا جدا

والصورة مثبتة في أعلى الصفحة

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الاسم

بل في الوجه

لأن صاحب الصورة كان شخصا تعرفه نادية جيدا

شخصا رأته قبل أيام فقط

وكان يقف بجوارها في حفل زفافها

إنه عماد

أقرب أصدقاء حمدي وأكثر الناس وفاء له طوال سنوات عمره.
بقلم منال عباس
ظل الجميع ينظرون إلى الصورة غير مصدقين

قال حمدي بصوت منخفض

مستحيل

عماد صاحبي من أكتر من عشرين سنة

رفع الرجل العجوز رأسه وقال

الاسم اللي تعرفوه مش حقيقي

والصورة دي من ملف قديم

كان واحد من الناس اللي اشتغلوا مع العصابة

شعر حمدي وكأن ضربة قوية أصابته في صدره

تذكر كل المواقف التي وقف فيها عماد بجانبه

كل مرة ساعده فيها

كل مرة قال له إنه أخوه الذي لم تلده أمه

وقال بعصبية

أكيد فيه غلط

رد الرجل

أتمنى يكون فيه غلط

لكن الحقيقة أسوأ من اللي متخيلينه

فتح ملفا آخر وأخرج عدة صور حديثة

وضعها أمامهم

كانت الصور لعماد بالفعل

صور ملتقطة خلال الأشهر الأخيرة

في أماكن مختلفة

وأشخاص مجهولين يقفون معه

ثم أخرج ورقة أخيرة

وقال

الأسبوع اللي فات بس قابل شخص كان بيسأل عن نادية

شحب وجه نادية

وقالت

أنا

هز رأسه

وقال

كان بيتابع أخبارك من سنين

وبيسأل عن حياتك وتحركاتك

ثم أشار إلى الصورة

الشخص ده كان عماد

ساد الصمت

وأحست نادية بقشعريرة باردة تسري في جسدها

قال كريم

يعني إيه

إيه علاقته بنادية

تنهد الرجل وقال

لأن أختها التوأم عنده

قفزت نادية من مكانها

وقالت بصدمة

إيه

أعاد الرجل كلماته ببطء

أختك التوأم عايشة

لكنها تحت سيطرته من سنين طويلة

وشعر حمدي بأن رأسه يدور

أما نادية فامتلأت عيناها بالدموع

وقالت

فين

فين أختي

رد الرجل

معرفش مكانها بالضبط

لكن فيه عنوان واحد كان بيتردد في الأوراق

مد يده داخل الصندوق وأخرج قصاصة صغيرة

أعطاها لحمدي

فتحها بسرعة

وكان مكتوبا عليها عنوان في ضواحي القاهرة

لكن قبل أن ينطق أحد بكلمة

انطلق صوت رصاصة من خارج المنزل

وتحطم زجاج النافذة فجأة

وانخفض الجميع أرضا في لحظة واحدة

ثم سمعوا صوت سيارة تنطلق بسرعة كبيرة خارج المزرعة

ارتجف الرجل العجوز وقال بخوف

عرفوا إننا وصلنا للحقيقة

رفع حمدي رأسه بحذر

لكن الرجل العجوز كان ينظر إلى صدره بذهول

نظرت نادية نحوه

ثم صرخت

لأن بقعة دم كبيرة بدأت تنتشر فوق ملابسه…بقلم منال عباس
اندفعت نادية نحوه بسرعة وهي ترتجف

وركعت بجانبه

كان الرجل العجوز يتنفس بصعوبة شديدة

والدم يخرج من صدره بغزارة

صرخ كريم طالبا الإسعاف

بينما أمسك حمدي بيد الرجل

وقال

اتكلم

مين اللي ضرب النار

نظر الرجل إليه بعينين متعبتين

ثم همس

متضيعوش الوقت

دوروا على البنت

اقتربت نادية أكثر

وقالت وهي تبكي

أختي فين

حاول الرجل أن يرفع يده

وأشار نحو الصندوق

ثم قال بصوت يكاد لا يسمع

المفتاح

وراء الصورة

ثم أغمض عينيه للحظة

لكن حمدي هزه برفق

وقال

اصحى

كمل كلامك

فتح الرجل عينيه مرة أخرى بصعوبة

وقال

البيت القديم

النيل

المخزن

ثم انقطع صوته

أسرع كريم إلى الصندوق

وبدأ يبحث خلف الصور القديمة

وفجأة وجد مفتاحا صغيرا مربوطا بخيط أحمر

وفي نفس اللحظة عثر على ورقة مطوية

فتحها بسرعة

وكان مرسوما عليها مخطط لمكان مهجور بالقرب من النيل

وفي أسفل الورقة جملة واحدة

إذا وصلت هذه الورقة لأحد فاعلموا أن الحقيقة كلها موجودة تحت المخزن

تبادل الجميع النظرات

ثم حملوا الرجل العجوز إلى السيارة وانطلقوا نحو أقرب مستشفى

لكن قبل أن يصلوا بدقائق

أمسك الرجل بيد نادية للمرة الأخيرة

وفتح عينيه بصعوبة

وقال

أختك اسمها الحقيقي مريم

ثم خرج نفسه الأخير

عم الصمت داخل السيارة

وبكت نادية بحرقة

أما حمدي فكان ينظر إلى الورقة في يده

ويشعر أن كل الأسرار تقود إلى مكان واحد

المخزن المهجور

وفي المساء وصلوا إلى المنطقة المرسومة على الخريطة

كانت منطقة قديمة شبه خالية

وأمام النيل مباشرة وقف مخزن ضخم مهجور منذ سنوات

الباب الحديدي كان مغلقا بسلسلة صدئة

أخرج كريم المفتاح

وتقدم ببطء

ثم أدخله في القفل

دار المفتاح بسهولة وكأن أحدا كان ينتظرهم

انفتح الباب محدثا صريرا مخيفا

ودخلوا بحذر

كانت الأتربة تملأ المكان

لكن ما لفت انتباههم فورا أن هناك آثار أقدام حديثة على الأرض

أشخاص كانوا هنا منذ وقت قريب جدا

تبعوا الآثار حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة في آخر المخزن

وحين فتح حمدي الباب

تجمد في مكانه

لأن الغرفة لم تكن فارغة

كانت هناك امرأة تجلس على كرسي

مقيدة اليدين

رفعت رأسها ببطء

وحين وقعت عيناها على نادية

شهقت المرأة بقوة

أما نادية فوقفت عاجزة عن الحركة

لأنها كانت تنظر إلى وجهها هي نفسها تماما… وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة حية.بقلم منال عباس
تجمدت نادية في مكانها

وسقطت الدموع من عينيها دون أن تشعر

أما المرأة المقيدة فكانت تبكي هي الأخرى

وتردد بصوت مرتعش

نادية

شهقت نادية

وقالت

مريم

لم تعرف كيف قالت الاسم

لكن قلبها عرفها قبل عقلها

اندفعت نحوها بسرعة واحتضنتها بقوة

وبكتا معا سنوات من الفراق في دقائق قليلة

تقدم كريم وفك قيود مريم

بينما ظل حمدي يراقب المشهد وعيناه ممتلئتان بالدموع

قالت مريم بعد أن هدأت قليلا

عماد كان بيخاف الحقيقة تظهر

لما عرف إن فيه ناس بدأت تدور وراه خباني هنا

وكان ناوي يهرب الليلة

وفجأة دوى صوت من خلفهم

محدش هيمشي من هنا

استدار الجميع بسرعة

فوجدوا عماد واقفا عند الباب

وفي يده سلاح

كانت عيناه مليئتين بالغضب واليأس

قال حمدي بحزن

ليه يا عماد

ليه عملت كل ده

ضحك عماد بمرارة

وقال

أنا اتولدت جوه عالم كله كدب

أبويا كان من أفراد العصابة

ولما مات ورثت كل الأسرار

كنت فاكر إني أقدر أدفنها للأبد

تقدم كريم خطوة للأمام

وقال

انتهى كل شيء

هز عماد رأسه

لكن قبل أن ينطق بكلمة أخرى سمع الجميع أصوات سيارات الشرطة تقترب

نظر عماد حوله

وأدرك أن الهروب مستحيل

أسقط السلاح من يده ببطء

ثم جلس على الأرض مستسلما

بعد ساعات طويلة بدأت الحقيقة تظهر كاملة

تم القبض على كل من شارك في الجرائم القديمة

وعادت الأسماء إلى أصحابها

وعرفت مريم عائلتها الحقيقية

كما عرف حمدي حقيقة ماضيه بالكامل

أما المفاجأة الأكبر فكانت أن السلطات تكفلت بعلاج حمدي بعد كشف القضية

وتم توفير كل ما يحتاجه لإجراء العملية المعقدة

مرت أسابيع ثقيلة

وكانت نادية لا تتركه لحظة واحدة

وفي صباح العملية أمسكت يده وقالت

عارف إني اتجوزتك وأنا مش فاهمة قيمة اللي ربنا بعتهولي

بس النهارده عرفت

ابتسم حمدي وقال

وأنا كنت محظوظ من أول يوم شوفتك فيه

دخل غرفة العمليات وقلبها معه

وظلت تدعو الله ساعات طويلة

حتى خرج الطبيب أخيرا

وعلى وجهه ابتسامة واسعة

وقال

الحمد لله

العملية نجحت

انهمرت دموع نادية من الفرح

وركضت نحوه عندما أفاق

فوجدته يبتسم لها رغم التعب

مرت الشهور

وتعافى حمدي تدريجيا

وعادت مريم لتعيش قريبة من شقيقتها

واجتمع ما فرقته السنوات

وفي مساء هادئ على ضفاف النيل كانت نادية تجلس بجوار حمدي تراقب غروب الشمس

فأخرج من جيبه علبة صغيرة

ونظر إليها مبتسما

وقال

عايز أتجوزك مرة تانية

المرة دي عن حب

ضحكت وسط دموعها

وقالت

وأنا أوافق

كل مرة

وفي كل عمر

أمسك يدها وقبلها برفق

بينما كانت الشمس تختفي خلف النيل

لتبدأ حياة جديدة

حياة لم تبنها الشفقة ولا كلام الناس

بل بناها الحب الصادق الذي انتظر سنوات طويلة حتى يجد طريقه إلى قلبين كانا يستحقان السعادة.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *