ظهور أمه بعد وفاتها حكايات صافى هانى الثانى

أحستِ برعشة في كتفها. لم يكن الخوف من الماضي فحسب، بل من الحاضر الذي بدأ يتجسد أمامها. رفعت بصرها ببطء نحو النقطة التي أشارت إليها أمها بلهفة وخوف.

​كان رجلاً طويلاً، نحيفاً، يرتدي جلباباً داكناً وطاقية، ويقف على مسافة ليست ببعيدة، يراقبهم بعيون ضيقة وقلبٍ أسود. لم يكن شكله غريباً عليها، فقد رأته من قبل في أحلامها المزعجة، كشبحٍ يطاردها.

​همست أمها بخوف: «هو.. هو اللي كان بيهددنا.. هو اللي خلاني أموت في عينيك عشان تعيش أنت وأبوك بكرامة».

​شريف لم يستطع أن يحرك ساكناً. شعر وكأن الأرض تدور به. السر الذي أخفته أمه عنه طيلة هذه السنوات كان أفظع مما تخيل. هل كانت غلطتها؟ أم كانت غلطة الزمن الذي لم يرحمها؟

​وفجأة، اقترب الرجل منهما، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. «شريف.. يا ابن مصطفى.. كنت عارف إنك هتيجي في يوم من الأيام وتدور على الحقيقة.. بس الحقيقة مرة.. مرة أوي يا شريف».

​#حكايات_صافي_هاني

الرجل قرب أكتر، وخطواته كانت بتعمل صوت خروشة على أسفلت الساحة.. الصوت ده كان بيرن في وداني زي جرس إنذار. ملامحه كانت قاسية، وش الوشوش اللي الزمن مأثرش فيها غير إنه زودها لؤم وخباثة.

​أمي اتكمشت في نفسها لورا، وبقت بتترعش زي عصفور بلله المطر، لدرجة إنها خبت الصورة المبهوقة بتاعتي ورا ضهرها وكأنها بتخاف عليه يلمحها.

​وقف الراجل فوق راسنا، ضله غطى عليا وعلى أمي، وبصلي بنظرة كلها شماتة وقال بصوت الأجش:

— «سبحان الله.. فولة واتقسمت نصين، نفس الملامح ونفس العين الخضرا بتاعة زمان.. كبرت وبقيت راجل ببدلة وساعة وقيمة يا شريف.. عاش من شافك يا ابن مصطفى».

​وقفت على رجلي.. الدم كان بيغلي في عروقي، وعيني كانت بتطلع شرار. مسكت الراجل ده من ياقة جلبابه بعنف وعصبيتي عمتني:

— «أنت مين؟ وعايز إيه؟ وإيه علاقتك بأبويا وأمي؟ أنطق بدل ما أدفنك مكانك هنا في الساحة!»

​الراجل متهزش.. بالعكس، ضحك ضحكة صفرا خبيثة سمّعت الناس اللي حوالينا، وقام شادد إيدي من على جلبابه بالراحة وهو بيقول بثقة تترعب منها:

— «جرى إيه يا ستمية بيه؟ وسّع إيدك كده واهدى.. الغشم مش حلو، وأبوك الله يرحمه كان عاقل وبيفهم في الأصول، وعشان كده عاش مستور ومات مستور.. السيرة أطول من العمر يا ابن مصطفى، وإيدك دي لو اتمدت تاني، السر اللي أبوك دفع فيه دمه وعمره كله عشان يداريه.. هبقى أنا أول واحد هيبعثه في مكبرات الصوت بتاعة الحسين فجر النهاردة».

​أمي صرخت بصوت مكتوم وهي بتمسك رجلي:

— «بوس إيدك يا شريف سيبه.. سيبه ومشينا من هنا.. ده مبرحمش.. ده معندوش قلب!»

​بصيت للراجل وأنا لسه مشدود، والفضول والخوف بياكلوا في قلبي.. سألته بأسنان كازة على بعضها:

— «أبويا مات.. والفلوس اللي كانت بتجيلك كل شهر اقطعت.. عايز إيه تاني؟»

​قرب الراجل من ودني، وهمس بكلمات خلّت ركبي تخونني، والدنيا تسود تماماً في عيني:

— «عايز حق سكوتي الجديد يا شريف.. الفلوس اللي كان بيبعتها أبوك مكانتش عشان يداري على غلطة أمك زي ما هي مفهمتك ومفهمة أبوك.. أبوك كان بيبعت الفلوس دي عشان يداري على غلطته هو.. الغلطة اللي بدأت يوم ما أنت اتولدت!»

​#حكايات_صافي_هاني

 

الراجل بعد عن ودني وهو لسه مبتسم نفس الابتسامة اللي بتقبض القلب، ورجع خطوتين لورا وسند على عصايته وبصلي من فوق لتحت بنظرة كلها تحدي.

​الدنيا لفت بيا.. الساحة والناس والأنوار اللي حوالين المسجد كلها اتداخلت في بعضها. بصيت لأمي اللي كانت غرقانة في دموعها على الرصيف، وبقت بتبص للراجل بذهول وخوف، وكأنها هي كمان أول مرة تسمع الكلام ده. أمي زعقت بصوت مبحوح وهي بتترعش:

— «أنت بتقول إيه يا علوان؟ غلطة مصطفى إيه؟ مصطفى عاش طول عمره راجل شريف وميعرفش الحرام.. أنت هتبتلي عليه وهو في دار الحق؟»

​علوان ضحك بسخرية وقال وهو بيبص لأمي:

— «يا حبة عيني يا أم شريف.. طول عمرك نية وماشية ورا قلبك. مصطفى فهمك إنه شال شيلتك ودارى على سرك، وفهمك إن البعد هو الحل عشان ابنك يكبر نضيف.. بس الحقيقة إن مصطفى كان بيلعب بيكِ وبيّ وبالمكتوب كله عشان يداري على المصيبة الكبيرة اللي عملها هو.. المصيبة اللي لو الولد ده عرفها، هيهد كل اللي بناه في ثانية واحدة».

​أنا مكنتش قادر أستحمل أكتر من كده، الغموض كان بيموتني، والشك بدأ ينهش في صورة أبويا.. الراجل اللي كنت بشوفه أعظم راجل في الدنيا، السند والبطل اللي ضحى بشبابه عشاني. مسكت علوان من دراعه بكل قوتي وزعقت فيه وسط ذهول الناس اللي بدأت تلتفت لينا:

— «خلصنا وأنطق! أبويا عمل إيه؟ إيه الغلطة اللي بدأت يوم ما أنا اتولدت؟ قسماً بالله لو ما نطقت وحكيت كل حاجة حالا لأكون هادد الدنيا فوق دماغك!»

​علوان نفض إيدي من عليه ببرود، وعدل طاقيته، وقرب مني خطوة واحدة، وبص في عيني الخضرا قوي وقال بنبرة هادية ومرعبة:

— «أبوك مصطفى زمان مكانش بيخلف يا شريف.. واليوم اللي أمك ولدت فيه في المستشفى الحكومي القديم، ابنه الحقيقي مات بعد الولادة بساعة واحدة.. أبوك مكانش قادر يستحمل الصدمة ولا النظرة في عيون الناس، وفي نفس الليلة دي، كانت فيه ست غلبانة تانية بتولد في السرير اللي جمبهم.. ست ماتت وهي بتولد، وأبوك بفلوسه ونفوذه بدل النمرة، وخد الواد الصغير وكتبه باسمه وسجلّه في الصحة.. الواد ده اللي هو أنت يا شريف! أنت مش ابن مصطفى.. ولا حتى ابن الست الغلبانة اللي قاعدة تشحت تحت رجليك دي!»

​الكلمات نزلت عليا زي خنجر مسموم اتمكن من قلبي.. الصدمة شلت لساني، وأمي صرخت صرخة هزت الساحة كلها وهي بتقول: «لأ.. لأ يا علوان كدب!!».. وفي اللحظة دي، وأنا باصص لعلوان بذهول، لقيت راجل تاني لابس جلابية بيضا بيقرب مننا بسرعة ومن غير ما يتكلم، قام مطلع مطواة من جيبه وغرسها في بطن علوان وهو بيقول: «ده تمن السكوت يا علوان.. السر ده هيموت معاك النهاردة!»

​علوان وقع على الأرض والدم بدأ يغرق أسفلت الساحة، والناس بدأت تصرخ وتجري في كل مكان، وأنا واقف في النص مشلول، مش عارف أبص لعلوان اللي بيموت، ولا للراجل اللي ضربه وهرب وسط الزحمة، ولا لأمي اللي مش أمي!

​#حكايات_صافي_هاني

​يتبع في التعليقات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *