سر مريم حكايات زهرة الربيع الثاني
الضلمة كانت خانقة، ومريم اتعلقت في رقبتي زي اللي بتستنجد بآخر طوق نجاة، وسمعت صوت طارق الحقيقي وهو بيصرخ من برة، بس المرة دي صوته كان مليان رعب ووجع حقيقي: “سارة! اوعي تفتحي! دول مش إحنا! يا سارة ردي عليااا!”.
الخبط على باب الأوضة توقف فجأة، وحل محله صوت “تزييق” الباب وهو بيتحرك ببطء شديد تحت ضغط الدولاب اللي زقيناه. كان واضح إن فيه قوة غاشمة بتحاول تزق الدولاب من برة، صوت أنفاس مكتومة ورجالة بيتهمسوا بكلمات مش مفهومة خلت دمي يجمد في عروقي.
بصيت لمريم، لقيتها بتطلع من جيب “الجينز” بتاعها اللي كانت لسه غاسلاه، فلاشة صغيرة وقالت بصوت متهدج: “ماما.. دول مش عايزين بابا.. دول عايزين اللي على الفلاشة دي.. اللي سرقته من مكتبهم لما ودوني هناك.. ده اللي خلى بابا يطلقك.. كان خايف يدخلك في دوامة أكبر.. بابا كان بيحاول يمسح تاريخهم الأسود عشان يعيش حياة تانية بعيد عنهم!”.
فهمت كل حاجة في لحظة.. طارق مكنش هربان، طارق كان بيحارب لوحده عشان يبعد عننا الخطر، والطلاق كان درعه الوحيد.
فجأة، صوت تكسير الدولاب بقى أعلى، وبدأت خيالات سوداء تظهر من تحت فتحة الباب في ضوء القمر اللي كان داخل من الشباك. مريم بصتلي بعينين فيها شجاعة غريبة: “ماما، افتحي الشباك، المواسير اللي برة تقدر تنزلك للجنينة، أنا هفتح الباب وأشغلهم..”.
”مستحيل!” صرخت وأنا بشدها لحضني، “مش هسيبك، لا أنتِ ولا أبوكي!”.
في اللحظة دي، طارق كسر باب الشقة الرئيسي، وسمعنا صوت ضرب نار مكتوم، وصوت طارق بيصرخ: “يا سارة! اهربي! الفلاشة معاكي؟”.
بصيت للفلاشة في إيد مريم، وبصيت للباب اللي بيتهد، ولقيت نفسي قدام اختيار واحد.. إما نعيش في الرعب ده للأبد، أو ننهي اللعبة دي النهاردة، حتى لو كان التمن حياتنا.
جريت على الشباك، فتحته ولقيت الدنيا هادية والشارع فاضي، شديت مريم وخرجنا على المواسير، قلبي كان بيقرع زي الطبول، ونزلت أول خطوة وأنا سامعة صوت دخول الناس الأغرب للشقة، وفجأة، سمعت صوت انفجار صغير جوه البيت، ريحة دخان بدأت تطلع، وصوت طارق بيصرخ: “عارف مكانكم! مش هسيبكم توصلولهم!”.
وصلت الأرض، شديت مريم وجرينا من غير ما نبص ورانا، مش عارفين رايحين فين، بس الفلاشة اللي في إيدنا كانت المفتاح الوحيد لإنقاذ طارق، ولإنقاذ حياتنا اللي اتسرقت من سبع سنين.
جرينا في الشوارع الجانبية، ومريم بتعيط وبتقولي: “ماما، احنا كدة بنهبد في وش الخطر، ليه مروحناش للشرطة؟”.
بصيت لها بنظرة حازمة وقفتها عن العياط: “لو كان في حد نقدر نثق فيه، كان طارق عملها من زمان.. إحنا دلوقتي لوحدنا يا مريم.. وإحنا اللي هنحط النهاية للقصة دي”.
……….
إحنا بنجري في الشوارع الضيقة، ومريم بتنهج بصوت عالي، وأنا قلبي مش بس بيدق، ده بيحاول يخرج من ضلوعي. دخلنا في حارة سد، وقفت وبصيت حواليا، الظلام في الحواري كان ساترنا، بس إحساس إننا مراقبين كان زي خنجر في ظهري.
”مريم، الفلاشة دي فيها إيه بالظبط؟ انطقي، لازم أعرف أنا بحارب مين!”، سألتها وأنا بحاول ألملم شتات أعصابي.
مريم مسحت دموعها بكم قميصها المبلول، وبصتلي وعنيها بتلمع بشجاعة طفلة شافت وش الشر الحقيقي: “دي أسماء وشخصيات.. رؤوس كبيرة يا ماما، بيغسلوا فلوس، وبيديروا شبكات ابتزاز، وأكبر اسم فيها.. هو اللي كان بيجيلنا البيت زمان باسم ‘صديق بابا'”.
اتصدمت لدرجة إني اتسندت على الحيطة المليانة صدى. “صديق طارق؟ ده كان بيدخل بيتنا وياكل معانا! ده اللي كان بيجيب ليكي هدايا في عيد ميلادك!”.
هزت راسها بمرارة: “كان بيشتري ثقتنا عشان يمسك على بابا ذلة، ولما بابا رفض يكمل في طريقهم، هددوه بيا.. والطلاق كان طوق النجاة الوحيد لينا، بابا كان فاكر إنهم هينسوه لما يختفي من حياتنا”.
قبل ما أرد، سمعنا صوت فرامل عربية قوية في أول الحارة. الضوء العالي كشفنا، مريم صرخت وهي بتشد إيدي: “ماما! هما!”.
من غير تفكير، رميت طرحتي على وشي وشديت مريم ودخلنا في فتحة ضيقة بين بيتين مهدومين، المكان كان ريحتة تراب وقرف، بس كان طريقنا الوحيد. سمعنا صوت خطوات تقيلة وكشافات بتتحرك في الحارة، وصوت واحد من الرجالة بيقول: “مش هيعرفوا يهربوا، الدور كله عليهم”.
أنا كنت عارفة الحتة دي كويس، دي حواري “بولاق” القديمة اللي كنت بلعب فيها وأنا صغيرة. همست لمريم: “امسكي إيدي كويس وماتطلعيش صوت”. مشينا في الضلمة، لمست حيطة البيت القديم بتاع ستي الله يرحمها، اتسحبت وفتحت الباب الموارب بالراحة. المكان كان مهجور من سنين، بس كان الملاذ الوحيد.
دخلنا وقفلت الباب ورايا، سندت بظهري على الباب وبدأت أتنفس. مريم بصتلي بلهفة: “هنعمل إيه يا ماما؟ بابا لسه في البيت.. ممكن يكونوا…”
قاطعتها وأنا بطلع موبايلي من جيبي، كان لسه شغال بس البطارية بتودع. مسحت دموعي ولقيت عيوني بتلمع بغل: “مش هيجراله حاجة، طارق مش هيسمح لهم يلمسوه.. بس إحنا لازم نتحرك، الفلاشة دي مش هتروح للشرطة اللي ممكن يكونوا هما متحكمين فيها.. الفلاشة دي هتروح لأقوى وسيلة ضغط في البلد”.
فتحت الموبايل ودخلت على صفحة “شخصية عامة” وصحفية شجاعة كانت بتفتح ملفات الفساد في المنطقة، كتبت لها رسالة واحدة بس من غير تفاصيل: “معايا إثباتات فساد عصابة (فلان).. حياتنا في خطر، وده تليفوني”.
بمجرد ما دست ‘إرسال’، الموبايل هنج وبدأ يسخن.. في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط على باب البيت اللي إحنا مستخبيين فيه، وصوت طارق، صوت طارق الحقيقي، بس كان ضعيف ومتقطع: “سارة.. لو أنتي جوه.. افتحي.. أنا جبتهم ورايا.. لازم نهرب من السطح”.
بصيت لمريم، مريم بصتلي، كانت لحظة الحسم.. نفتح ونخاطر؟ ولا ده فخ تاني؟
……..
بصيت لمريم، عيونها كانت بتقولي “أنا خايفة”، بس قلبي كان بيقولي “ده صوته”. وقبل ما أتحرك خطوة، لقيت الموبايل اللي في إيدي بينور برسالة تانية، بس المرة دي كانت من رقم غريب، مكتوب فيها: “طارق وصل السطح، بس مش لوحده.. ألعابي لسه مخلصتش”.
رجعت لورا خطوة، الرعب بدأ ينهش في جسمي. التفتّ لمريم ووشوشتها بصوت يادوب مسموع: “مريم، لو حصل أي حاجة، اهربي من شباك المنور ده، انزلي لتحت وادخلي بيت الحاجة أم سعيد، فاهمة؟”.
مريم مسكت إيدي بقوة لدرجة إن ضوافره غرزت في جلدي: “مش هسيبك، قولتلك يا ماما، إحنا اللي هننهي اللعبة دي”.
قربت من الباب، حطيت عيني في العين السحرية القديمة اللي كانت مكسورة، شفت طارق.. كان واقف فعلاً، بس وشه كان عليه دم، وإيديه كانت مكلبشة لورا، ووراه اتنين لابسين أسود، بيشاوروا له يتحرك. طارق بص ناحية الباب، وكأنه عارف إني ببص، همس بكلمة واحدة، كنت قارية حركات شفايفه كويس: “اهربي”.
فتحت الباب ببطء شديد، ومع أول حركة للباب، مريم نطت من مكانها بذكاء طفلة شافت كتير، رمت الفلاشة اللي كانت مخبياها في جزمة الكوتشي بتاعتها تحت كومة خشب قديم في ركن الضلمة، ووقفت هي بكل هدوء.
الرجالة دخلوا، واحد منهم زق طارق جوه ووقعه على الأرض. الراجل اللي شكله “الريس” بتاعهم بص لي بابتسامة صفرا، وقال بصوت بارد: “أهلاً يا ست هانم، الحفلة بدأت، فين الفلاشة؟”.
بصيت لطارق اللي كان بيحاول يقوم، بصيت للراجل وقلت بكل ثبات انفعالي كدبته: “الفلاشة بعتها.. بعتها لمكان مش هتقدروا توصلوا له، وأي محاولة للمس شعرة مننا، هتخلي ملفاتكم دي في كل حتة على السوشيال ميديا قبل ما تنطقوا حرف”.
الراجل ضحك ضحكة قاسية، وقرب من مريم، مسك شعرها بعنف، طارق صرخ بوجع: “سيبهااا! يا حيوان سيب بنتي!”. الراجل بص لي وقال: “عندك دقيقة واحدة، يا الفلاشة يا حياة البنت”.
في اللحظة دي، سمعنا صوت صرينة بوليس بعيدة.. بس مش بوليس عادي، دي كانت عربيات مكافحة الفساد اللي الصحفية كانت بلغتهم بعد ما شافت رسالتي. الموقف اتغير في ثانية، الرجالة اتلخبطوا وبدأوا يبصوا لبعض برعب.
طارق، اللي كان عامل نفسه ضعيف، فجأة نط بكل قوته وضرب الراجل اللي كان ماسك مريم بدماغه، مريم جريت نحيتي، وأنا رميت نفسي على كومة الخشب، طلعت الفلاشة ورفعتها في وشهم زي السلاح: “دي نهايتكم!”.
الرجالة حاولوا يهجموا، بس صوت الرصاص في الجو خلى الكل يتجمد. عربيات البوليس حاصرت البيت، والضوء الأحمر والأزرق ملأ الأوضة الضلمة. الراجل اللي كان بيبتسم من شوية، وقع على ركبته وهو بيشوفهم بيدخلوا.
بعد دقايق من الفوضى، كنت حاضنة مريم وطارق اللي كان بينزف من جبهته، بصيت لطارق ولقيته بيبتسم لي ابتسامة تعب، قال بصوت واطي: “كنت عارف إنك أشجع واحدة في الدنيا.. كنت عارف إننا هنقدر نرجع لبعض، ولو حتى بالشكل ده”.
دموعي نزلت وأنا ماسكة إيدهم هما الاتنين، وبصيت للفلاشة اللي في إيدي، حسيت إن السبع سنين اللي فاتوا من خوفي وانعزالي مكنوش ضايعين، كانوا تدريب للحظة دي.. لحظة استرداد حياتنا من وسط الضلمة.
هل يا ترى نقدر نبدأ من جديد بعد كل اللي حصل ده؟ أم إن الماضي هيفضل يطاردنا حتى لو ورا القضبان؟
……….
الضجيج حوالينا كان زي حلم مزعج بيتبدد مع أول ضوء شمس بدأ يظهر في الأفق. سيارات الإسعاف والشرطة كانت مالية الحارة، والناس بدأت تتجمع وتتفرج من البلكونات. طارق كان قاعد على الأرض، والمسعفين بيحاولوا يوقفوا نزيف جبهته، ومريم في حضني، بتترعش بس عينيها فيها نظرة انتصار لأول مرة أشوفها من سنين.
ضابط كبير قرب مننا، وبص للفلاشة اللي في إيدي، مد إيده بتهذيب وقال: “يا مدام، دي دلوقتي أمانة في إيد الدولة، والمسؤولين عن الملف ده في طريقهم هنا، أنتم شهود في قضية هزت الرأي العام”.
بصيت لطارق، عينينا اتلاقت. السبع سنين اللي فاتوا من سوء التفاهم، القسوة، والهرب، والطلاق، اختزلوا في النظرة دي. هو مكنش هربان مني، هو كان بيحارب عشان يفضل فاكرنا بعيد عن النار، وأنا مكنتش قافلة على نفسي إلا عشان أحمي حتة مني ومنه.
طارق بص لي، وبنبرة كلها وجع بس فيها أمل، قال: “سارة.. أنا عارف إن السنين اللي فاتوا ميتعوضوش، وعارف إن التمن كان غالي أوي على مريم.. بس أنا كنت مستعد أموت كل يوم عشان يوم زي ده يجي، اليوم اللي أقدر أقف فيه قدامكم من غير ما أخاف حد يؤذيكم بسببي”.
مريم رفعت راسها من حضني، وبصت لأبوها بكسرة قلب وامتنان: “كنت بتوحشني يا بابا.. كل يوم.. بس كنت بفتكر إنك بعتنا”.
طارق مسح دموعه بيده المربوطة بالشاش، وقال: “محدش يسيب روحه يا مريم.. أنا كنت بموت برة، كنت عايش في جحيم عشان تبقوا أنتم في الجنة”.
الضابط استأذننا نركب العربية عشان نتمم الإجراءات. ركبنا سوا، أنا وهو ومريم في الخلف، كأننا عيلة تانية خالص، عيلة اتولدت من تحت الرماد. الطريق للمركز كان طويل، وهدوء الصبح كان بيدي فرصة لكل واحد فينا يفكر.
أنا كنت عارفة إن حياتنا مش هترجع زي ما كانت، الجراح لسه مفتوحة، والخوف لسه ساكن جوانا، بس لأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا اللي بتنفسه نضيف. مفيش أسرار، مفيش خبايا، ومفيش حد يهددني بفضايح طارق.
لما وصلنا، لقيت طارق ماسك إيدي بقوة، وكأنه بيوعدني بعهد جديد. بص لي وقال: “مش هطلب منك ترجعيلي دلوقتي، ولا هطلب منك تنسي السنين اللي فاتت.. أنا بس عايز فرصة، فرصة أكون أب بجد، وشريك يقدر يحميكم في الضور، مش في الضلمة”.
سكت لحظة، وبصيت لمريم اللي كانت ماسكة إيد أبوها بإيد، وإيدي بالتانية، حسيت إن الدائرة قفلت. الوجع اللي عشنا فيه كان جزء من رحلة طويلة، والنهارده، إحنا مش بس كشفنا الحقيقة، إحنا كشفنا نفسنا قدام بعض.
قلتله بصوت هادي ومستقر: “الماضي مبيتمسحش يا طارق، بس إحنا اللي بنكتب اللي جاي.. والنهاردة، الورقة دي بقت بيضاء، والقرار مش في إيدي لوحدي، القرار في إيدنا إحنا التلاتة”.
نزلت من العربية، ووقفت قدام باب القسم، شفت الشمس وهي بتطلع بالكامل، كأنها بتغسل شوارع القاهرة القديمة من كل سواد الليالي اللي فاتت. مشيت بخطوات ثابتة، ومعايا بنتي وأبوها، وفي قلبي إيمان إن مهما كانت العواصف اللي جاية، إحنا المرة دي.. مش هنكون لوحدنا.