ميزانية كرامه حكايات منى السيد الثانى

صحيت الصبح قبل الشمس ما تطلع، كان النور يدوب بيبدأ يشق عتمة الأوضة من ورا الشيش الخشب. بصيت لمروان وهو نايم جمبي ومتقلّب بالعرض، إيده الصغيرة كانت لمساني كأنه خايف يصحى يلاقيني مشيت. شلت إيده براحة وبستها، وقمت من على السرير وجسمي كله مهدود، قلة النوم مع زعل بالليل بيخلوا العضم تقيل كأنه شايل حديد.
خرجت الصالة وكانت ضلمة وريحتها سجاير مقفولة تكتم النفس. إيهاب كان نايم على الكنبة الكبيرة بره بالبنطلون والفانلة، ورامي رجله فوق مسند الكنبة، والرماد مالى الطفاية اللي على التربيزة جمبه، وتليفونه لسه منور على الشاحن في الفيشة. بصيت له ببرود مكنتش أتخيل إنه فيا، مفيش أي عاطفة، ولا حتى غل؛ النظرة اللي بتبصيها لحاجة قديمة مكسورة في البيت وملهاش عازة بس مجبورة تسيبياها مكانها.
دخلت المطبخ مباشرة، ووقفت قدام الثلاجة. فتحتها وبدأت أبص للحاجة اللي فيها بنظرة تانية خالص، نظرة “السبعة آلاف جنيه”. طلعت كيس لبن، وتلت بيضات، وحتة جبنة بيضا ناشفة في علبة بلاستيك. حطيت الكِـنْكة على البوتاجاز وعملت ل مروان كوباية لبن ببرايز شاي واطي، وحضرت له سندوتشين. ومظبطة نفسي إني مش هعمل حساب إيهاب في أي لقمة، ولا حتى بوق مية يلاقيه جاهز في كباية.
على الساعة سبعة ونص، مروان صحي ودخل المطبخ وهو بيجر رجله في الأرض. قعدته على الكرسي وبدأت آكله وهو لسه مأنتخ وعينه بتقفل. في وسط ما أنا بمسح بقايا الجبنة من على بوقه، سمعت صوت حركة في الصالة، وبعدها إيهاب دخل المطبخ. كان وشه منفوخ من النوم وعينه حمرا، بيكح كحته بتاعة كل يوم الصبح بسبب السجاير. وقف وبص للتربيزة، شاف الفطار المحطوط يدوب على قد مروان.
فتح بوقه وقال بنبرة مخنوقة وناشفة: فين الفطار بتاعي يا إلهام؟ ورايا مشوار في الشركة الصبح وعايز أنزل.
مبصيتلوش أصلاً، كملت تعديل التيشرت ل مروان وقولت ببرود وبصوت واطي عشان الواد ميتخضش: أنا قولت كلمتي بالليل ومبرجعش فيها يا إيهاب. فطارك بره البيت، شقايا وتدبيري لابني وليا بس. إنت معاك ميزانيتك الخاصة، انزل افطر على القهوة ولا هاتلك سندوتشين فول وطعمية من الشارع، أنت حر في فلوسك وأنا حرة في شقايا.
إيهاب جز على سنانه وعروق جبهته برزت، وبص ل مروان اللي كان قاعد بيبص لنا وخايف، فراح لافف وواخد مفاتيحه ومحفظته وهبد باب الشقة وراه هبدة لدرجة إن نجفة الصالة قعدت تِتْهز وتِشَخْشَخْ. مروان اتخض وحط إيده على ودنه، أخدته في حضني وطبطبت عليه وقولتله: مفيش حاجة يا حبيبي، ده الهوا اللي رزع الباب، كمل أكل يلا عشان ننزل.
نزلت أنا ومروان ورحت بيه عند أختي منى، سبته معاها وقولتلها معلش يا منى شيليه معايا الكام ساعة دول لحد ما أخلص مشوار مهم. منى حسيت بيا وبوشي المخطوف وقالتلي: عيوني ليكي يا إلهام، بس مالك؟ في إيه؟ قولت لها: بعدين يا منى، لما أرجع هحكيلك، دعواتك بس.
خرجت من عندها وركبت ميكروباص ورحت على المدرسة بتاعة مروان. المدرسة دي تجريبي ومصاريفها مش زي الخاص بس بالنسبة للسبعة آلاف بتوعي تعتبر جبل. دخلت الحسابات، ووقفت قدام الموظف، وبدأت أتحايل وأطلب لو ينفع أدفع الربع دلوقتي والبل باقي يتأجل على قسطين. الراجل كان بيبصلي بنظرة روتينية باردة ويقولي: السيستم مقفول يا مدام، الدفع كامل عشان الكتب واليونيفورم ينزلوا. فضلت أتحايل وأشرح وظروفي، لحد ما قالي: طيب هعملك طلب استثناء لمدير المدرسة وتعاليلي بيه الأسبوع الجاي. خرجت من المدرسة وأنا حاسة بكسرة نفس، بس مسكت نفسي؛ لسه اليوم طويل ومفيش وقت للدموع.
طلعت من المدرسة على السوق. نزلت سوق الخضار والزحمة والناس بتزق، مكنتش ببص للفاكهة المترصصة ولا للحاجة الغالية، كنت بدور على بياعين الجملة اللي في آخر السوق، اللي بيبيعوا الطماطم بالقفص وبطاطس التخزين. وقفت وفاصلت في الربع جنيه والنص جنيه لحد ما ريقي نشف. اشتريت كمية خضار كويسة تكفيني الشهر كله تفريز، وشيلت الشيل التقيلة دي في إيدي والكياس كانت بتِعَلّم في صوابعي وتقطع جلدي من كتر التقل، بس كنت حاسة إن كل كيس بشيله هو خطوة في معركتي عشان أثبت لنفسي وإلهاب إني مش هقع.
رجعت البيت بعد الظهر، ضهري كان مكسور وإيدي منملة. دخلت المطبخ وبدأت أشتغل علطول؛ قمعت البامية، وسبكت الطماطم، وشيلت كل حاجة في الفريزر بعد ما قسمتهم أكلات صغيرة على قدنا بالظبط. البيت كان هادي، وصوت الشنيور بتاع الجيران اللي فوق رجع يزن تاني، بس المرة دي مكنش بيضايقني، كان عامل زي دقات ساعة بتفكرني إن الوقت بيجري ولازم أكون أقوى.
على الساعة خمسة، لقيت باب الشقة بيفتح، وإيهاب دخل. مكنش لوحده، كان معاه والدته، حماتي. حماتي ست شديدة ومن النوع اللي بيحب يتدخل في الكبيرة والصغيرة، وأول ما دخلت كانت لابطة وشها وبتبص في أركان الشقة كأنها مفتش جاي يراقب.
حماتي دخلت قعدت على الكنبة ورمت شنطتها وقالت بصوت عالي وناشف: إزيك يا إلهام. إيه يا بنتي، إيه اللي أنا سمعته من إيهاب ده؟ هو إنتي اتجننتي في عقلك؟ بقيتي بتردي على جوزك وتقوليله مش هطبخلك ومش هغسلك؟ ده إحنا مجوزينهولك ست عاقلة ومدبرة، مش واحدة تلوى دراع جوزها بقرشين بتوع شغلها!
أنا مسحت إيدي في الفوطة وخرجت من المطبخ ووقفت في الصالة. بصيت ل إيهاب لقيت مِداري ورا أمه وبيبصلي بنظرة انتصار لئيمة، كأنه جايبلي الحِما اللي ه تكسر دماغي.
وقفت بكل ثبات وقولت بصوت هادي ومسموع: منورة يا طنط. بس إيهاب مَقالِكِيش هو قال إيه بالليل؟ مَقالِكِيش إنه قرر يحتفظ بمرتبه كله لنفسه ولعربيته ولقعدته على القهوة ويساعد بيه بره، وسابلي السبعة آلاف جنيه بتوعي أدفع منهم تلاتة ونص قسط الشقة ويتبقالي تلاتة ونص أأكل بيهم ابنه وألبسه وأدخله المدرسة؟ إنتي يرضيكي يا طنط ابنك يتخلى عن مسؤوليته ويسيبني تحتاس في الغلاء ده؟
حماتي اتلجلجت لحظة، وبصت ل إيهاب، بس رجعت شخبت فيا وقالت: والراجل ماله؟ الراجل يشيل قرشه للأيام السودة وللزمن، وإنتي مادام بتشتغلي وبتكسبي يبقى تشيلي بيتك، وبعدين إيه يعني تلاتة ونص؟ ما البركة بتكفي! طول عمرنا كنا بنمشي بيوتنا بأقل من كده والرجالة بتشيل قرشها على جمب. إنتي اللي دلوعة وعايزة تعملي من الحبة قبة وتخربي بيتك بإيدك.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة وجع وقهر، وقولت: زمان غير دلوقتي يا طنط، والبركة مبتروحش تشتري يونيفورم مدرسة ولا بتدفع قسط شقة في البنك بيمضينا على وصولات أمانة. أنا مش هخرب بيتي، أنا قولتله إنت بره المصاريف يبقى بره الخدمات، وكل واحد يشيل شيلته. لو إنت شايف يا إيهاب إن أسلوبك ده صح، يبقى خلي طنط بقى تعملك أكلك وتغسلك هدومك، أو انزل عيش معاها هناك وهي توفرلك الخدمات دي بفلوسك اللي بتشيلها للزمن.
إيهاب اتنرفز وزعق: إلهام! اتململي في كلامك مع أمي ومتدخليهاش في النص! أنا قولتلك أكل وهدومي يتعملوا هنا، الشقة دي باسم أبوكي الله يرحمه أه بس أنا الراجل اللي عايش فيها، وبقولك هتعملي كل حاجة وغصب عنك، وإلا وربي في سماه هخلي أيامك كلها سودا!
حماتي قامت وقفت وقالت: سيبك منها يا إيهاب، دي واحدة راسها نشفت من قعدة الشغل، سيبهالي وأنا هعرف أربيها من جديد. التفتت ليا وقالت: لو ملميتيش نفسك يا إلهام ورجعتي لعقلك وعملتي لجوزك اعتباره وطبختيله وغسلتيله، أنا هخليه يتجوز عليكي ست ستها، تقعد هنا تخدمه وتروق عليه، وإنتي خليكي بسبعة آلاف بتوعك اصرفيهم على المحاكم!
الكلام ده نزل عليا زي الصاعقة، فكرة إنه يتجوز عليا ويجيب واحدة تقعد معايا في شقة أبويا الله يرحمه، الشقة اللي دمي عرق فيها. بصيت ل إيهاب عشان أشوف رد فعله، لقيت على وشه ابتسامة خبيثة كأنه عاجبه الكلام وموافق عليه.
في اللحظة دي، حسيت بنار بتِقيد في صدري، ومبقتش شايفة قدامي. قولت لهم وصوتي بيترعش من كتر الغضب: يتجوز؟ يوريني كده هيتجوز فين وبأنهي فلوس؟ الشقة دي شقتي وشقة ابني، والورق كله معايا، وأعلى ما في خيلكم اركبوه. إنتوا الاتنين بره بيتي حالا!
حماتي شهقت وحطت إيدها على صدرها وقالت: بتطرديني يا قليلة الأدب؟ بتطردي حماتك من بيت ابنها؟
قولت لها: ده مش بيت ابنك، ده بيت أبويا الله يرحمه، وابنك قاعد فيه بلقمته، ومادام مش عايز يدفع لقمته يبقى ملوش قعاد هنا. بره!
إيهاب جه عليا ورفع إيده وكان لسه هيضربني، بس أنا وقفت ومتهزتش، وبصيت في عينه وقولتله: اضرب يا إيهاب، اضرب عشان تكون دي آخر ليلة ليك في البيت ده وفي الدنيا برا السجن.
إيده وقفت في الهواء، وعينه كانت بتطلع شرار. حماتي شدته وقالتله: تعال يا ابني، سيبك من الأشكال دي، تعال معايا البيت وأنا هعرف أوريك هتاخد حقك منها إزاي وبالمستندات والمحاكم، خليها تقعد هنا لوحدها زي الكلبة لحد ما تندم وتجيلنا تبوس رجلينا عشان نرجع.
أخدته من إيده وخرجوا، ورزعوا الباب وراهم بكل غل. أول ما الباب اتقفل، أنا انهرت على الأرض. قعدت على الرخام بتاع الصالة، ولميت رجلي لصدرى، وقعدت أعيط بعياط مكتوم وهستيري. كنت بترعش من كتر الخوف والضغط، التهديد بالجواز، والبهدلة في المحاكم، ومستقبل مروان… كل ده كان جبل فوق كتافي.
قعدت على الحال ده لحد ما الدنيا ضلمت تماماً. قمت بتجر رجلي، غسلت وشي بمية ساقعة، ورحت جبت مروان من عند أختي. مروان أول ما دخل الشقة وبص في عنيا، قالي: ماما، إنتي عيطتي تاني؟ بابا جه هنا؟
حضنته وقولتله: لا يا حبيب ماما، مفيش حاجة خالص، أنا بس تعبانة من تنظيف المطبخ.
دخلت مروان الأوضة ونيمته، وطلعت وقفت في البلكونة. الجو كان حر ومكتوم، وصوت العربيات في الشارع وصريخ العيال اللي بتلعب تحت كان واصل لحد عندي. كنت ببص للبيوت المنورة وبقول يا ترى كام بيت ورا الحيطان دي عايش في نفس القهر والظلم ده؟ وكام ست بتعافر لوحدها عشان تحمي عيالها؟
وأنا واقفة، تليفوني رن. بصيت للشاشة لقيت رقم غريب. رديت وصوتي كان باين فيه التعب: ألو؟
جاءني صوت راجل، نبرته جادة وصارمة وقالي: المدام إلهام معايا؟
قولتله: أيوة أنا، مين حضرتك؟
قاللي: أنا الأستاذ محي المحامي، وموكل من الأستاذ إيهاب جوز حضرتك. إحنا رفعنا ضدك قض..ية طاعة، وجاي لحضرتك إنذار على يد محضر بكرة الصبح، ده غير بلاغ رسمي في القسم بتبديد منقولات الزوجية. لو مش عايزة الموضوع يوصل للحبس والبهدلة، لمي هدومك وروحي لبيت حماتك واعتذري لها، وإلا اللي جاي مش هيعجبك.
التليفون قفل، وأنا فضلت واقفة في البلكونة، الهوا الساقع خبط في وشي فجأة، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. المعركة مكنتش مجرد مصاريف وأكل وشرب، إيهاب وأمه قرروا يدمروني ويسجنوني وياخدوا مني ابني والشقة. بصيت لضلمة الشارع وقولت لنفسي: بكرة الصبح المحضر جاي، وأنا لازم أتحرك قبل ما يكسروني.
قعدت على السرير جمب مروان وأنا ماسكة التليفون في إيدي، وشاشته ضلمت بس الكلام اللي قاله المحامي كان لسه بينور في دماغي زي فلاشات النور الحامية. “إنذار طاعة… محضر… تبديد منقولات… حبس!” الكلمات دي كانت بتلف في نفوخي وتعمل زنة أغرب وأقوى من زنة شنيور الجيران اللي فوقينا. السرير كان بيتهز بيا من كتر ما جسمي كله كان بيرتعش من الصدمة. إيهاب اللي عاش معايا في الشقة دي سبع سنين، اللي شرب وأكل من إيدي، قرر في ليلة وضحاها يرميني للكلاب ويهددني بالحبس والفضائح وسط الناس عشان بس قولتله شيل مسؤولية ابنك!
بصيت ل مروان، كان نايم في برائه، ضامم المخدة الصغيرة بتاعته وصدره بيطلع وينزل بالراحة. قولت لنفسي: لو استسلمت يا إلهام، لو لميت هدومي ورحت بوست رجل حماتك زي ما هما عايزين، أنا كده ببيع نفسي وببيع مستقبل الواد ده. هعيش طول عمري جارية ملهاش كلمة، والسبعة آلاف بتوعي هياخدوهم مني تمن قعدتي عندهم، ومروان هيطلع يشوف أمه مكسورة وذليلة ويطلع طالع لأبوه في الجحود والأنانية. لا يا إيهاب، الموت أهون لي من إني أرجعلك مكسورة الجناح.
فضلت صاحية طول الليل، مبقتش قادرة أغمض عنيا. أول ما الساعة جت سبعة الصبح، والمسلسلات والبرامج بتاعة الراديو بدأت تشتغل عند الجيران، قمت علطول. لبست هدوم الخروج؛ عباية كحلي سادة وطرحة بيضا، وغسلت وشي ونشفت دموعي. مروان صحي وبصلي وهو مأنتخ وقالي: ماما، إنتي رايحة الشغل؟ قولتله: لا يا حبيبي، ماما وراها مشوار مهم وراجعة علطول، إنت هتقعد تلعب بالصلصال هنا، وباب الشقة مقفول بالمفتاح وم تفتحش لحد واصل، فاهم يا مروان؟ قالي: حاضر يا ماما. بوسته وقَفلت عليه الشقة بالمفتاح تلات تكات، ونزلت والسلم كان ضلمة وريكي ناشف.
أول حاجة عملتها، ركبت ميكروباص ورحت على المحكمة القريبة مننا، كنت بسأل زي التايهة في الطرقات الواسعة اللي ريحتها ورق قديم وسجائر وناس بتجري بملفات. فضلت ألف لحد ما دلوني على مكتب محامي طيب، راجل كبير في السن، شعره كله أبيض ولابس نظارة طبية سميكة، اسمه الأستاذ شكري. دخلت وقعدت قدامه وأنا إيدي بـتترعش، وحكيتله الحكاية من أولها لآخرها؛ من أول قصة المرتب وقسط الشقة لحد مكالمة المحامي بالليل وتهديد حماتي بالـجواز والـطرد.
الأستاذ شكري سمعني وهو بيعدل نظارته ويهز راسه، وفي الآخر سحب نفس طويل وقال بنبرة هادية تطمن: بصي يا بنتي، متخافيش، كل الكلام اللي هما بيعملوه ده اسمه “حرب أعصاب” وشغل تخويف عشان يكسروا مقاديفك وترجعي طوع بنانهم. أولاً، إنذار الطاعة ده لما يجيلك بكرة ولا بعده مع المحضر، إحنا هنعمل عليه “اعتراض” في المحكمة خلال تلاتين يوم، وهنثبت للقاضي إن المسكن غير آمن عليكي وإن جوزك ساب البيت وامتنع عن الإنفاق، والقضاة هنا مبيجوش على الست في الحاجات دي مادام معاها حق. ثانياً، موضوع تبديد المنقولات… الشقة مقفولة وعفشك فيها، وهو اللي ساب البيت بإرادته وأمه شهدت على كده برزع الباب، وإحنا هنطلب معاينة من النجدة أو نعمل إثبات حالة فوراً إن العفش كله موجود وفي حيازتك ومفيش حاجة اِتبددت.
كلام الأستاذ شكري نزل على قلبي زي المية الساقعة في عز الظهر، حسيت إن ضهري اللي كان مكسور بدأ يتفرد شوية. كمل وقالي: بس أهم حاجة دلوقتي يا إلهام، لازم نتحرك إحنا الأول. هنرفع قض..ية “نفقة زوجية ونفقة صغار” ل مروان، ونطالب بحقك في المصاريف، وكمان هنرفع قض..ية إلزام بدفع قسط الشقة مادام مسكن الزوجية، ونقدم شهادة بمفردات مرتبه من شركته عشان القاضي يحكم بمبلغ محترم يقطم وسطه ويفوقه من الوهم اللي هو فيه.
شيلت هم الفلوس وقولتله بصوت واطي ومحرج: بس يا أستاذ شكري، أنا مرتبي كله سبعة آلاف، تلاتة ونص بيروحوا للبنك في القسط، والـباقي يدوب بيمشينا أكل وشرب ومصاريف مروان… أتعاب حضرتك هتبقى كام؟ أنا مش معايا كتير دلوقتي.
الراجل العجوز ابتسم طيبة وقاللي: ولا تشيلي هم يا بنتي، هاتي بس مصاريف رفع القض..ية والدمغات دلوقتي، والأتعاب لما ربنا يسهلها وناخد الحكم والنفقة تطلع من عينه، أنا عندي بنات وبحب الحق، والراجل اللي يتخلى عن ابنه وبيته م يستاهلش شفقـة.
خرجت من مكتب الأستاذ شكري وأنا حاسة ب طاقة تانية خالص، طاقة مكنتش موجودة فيا من سنين. رحت علطول على مصلحة الشهر العقاري وعملتله توكيل قضايا، وخلصت الورق وأنا واقفة في الطوابير وسط الزحمة والصهد، بس مكنتش حاسة بالـتعب. كنت حاسة إن كل ورقة بِمضي عليها هي طوبة ببني بيها سور يحميني أنا وابني من جحود إيهاب وأمه.
رجعت البيت على العصر، أول ما فتحت الباب مروان جِري عليا وحضن رجلي وقالي: ماما، أنا جعت أوي. أخدته في حضني وبوسته وقولتله: من عنيا يا قلب ماما، هعملك أحلى غدا دلوقتي. دخلت المطبخ وطلعت كيس من الطماطم اللي سبكتها بالليل، وحتة لحمة مفرومة كانت فايضة في الفريزر، وعملتله مكرونة بالبشاميل صغيرة على قده، ريحة الأكل طلعت في الشقة وملت المكان دفا، الدفا اللي إيهاب كان عايز يحرمنا منه.
وأحنا قاعدين بناكل أنا ومروان في الصالة، والتلفزيون شغال بصوت واطي على كارتون، سمعنا خبط رخم وقوي على باب الشقة. الخبط كان ورا بعضه وبغل، مروان ساب الشوكة وبصلي وخاف. قولتله: خليك مكانك يا حبيبي متخافش. قمت ووقفت ورا الباب وقولت: مين؟
جاءني صوت ناشف ورسمي من بره: محضر يا فندم، معايا إنذار على يد محضر باسم المدام إلهام.
قلبي دق بسرعة، بس افتكرت كلام الأستاذ شكري: “متخافيش، ده شغل تخويف”. فتحت الباب نص فتحة، لقيت راجل أسمر ولابس قميص وبنطلون ومعاه دفتر كبير وورق مطوي. بصلي وقالي: حضرتك إلهام؟ قولتله: أيوة أنا. قالي: امضي هنا بالاستلام يا فندم. مديت إيدي ومضيت في الدفتر وخدت الورقة، الراجل لَف ونزل على السلم.
قفلت الباب وبصيت للورقة… إنذار بالطاعة في بيت الطاعة اللي هو شقة حماتي في شبرا! الورق مكتوب فيه كلام يقرف، إن الزوجة “ناشز” وتركت مسكن الزوجية دون وجه حق وتمتنع عن طاعة زوجها! ضحكت بمرارة وقولت في سري: ماشي يا إيهاب، بكرة الصبح الورقة دي هتروح للأستاذ شكري ونعمل عليها أحلى اعتراض، والـقاضي هو اللي هيحكم مين فينا اللي ناشز وخارج عن الأصول.
كلمت الأستاذ شكري في التليفون وقولتله إن الإنذار وصل، قالي: ممتاز، هاتيلي الورقة بكرة الصبح ومعاها شهادة ميلاد مروان وعقد الشقة وصورة من بطاقتك عشان نقفل ملف الاعتراض ونرفع قضايا النفقة في نفس اليوم.
قفلت معاه وحسيت برتياح، بس الرتياح م كملش. على الساعة تسعة بالليل، لقيت تليفوني بيرن تاني، وكان إيهاب! مكنتش عايزة أرد، بس قولت لازم أسمع آخره إيه. فتحت الخط وقولت بنبرة باردة وناشفة: عايز إيه يا إيهاب؟
جاءني صوته من الناحية التانية، بس مكنش بيزعق، كان صوته فيه نبرة شماتة وخبث تقرف، وقال: هه… وصلك الإنذار يا ست إلهام؟ شفتي بقى المحاضر وهو واقف على بابك؟ ده يدوب أول الغيث. أمي بعتالي بكرة ناس يعاينوا الشقة عشان جنحة التبديد اللي المحامي بيجهزها، ولو مش عايزة تشوفي نفسك بـالكلابشات قدام مروان وجيرانك في العمارة، وتتفضحي في مدرسته وتخسري شغلك، اِعقلي كده. أنا مديكي فرصة لآخر الأسبوع؛ تلمي هدومك وهدوم الواد، وتيجي بيت أمي، ومرتبك السبعة آلاف دول يتسلموا لأمي أول كل شهر وهي اللي تدير البيت وتديكي مصروفك، ورجلك فوق رقبتك هتعمليلي أكلي وهدومي، وإلا وعهد الله هسجنك وأخد الواد منك وأرميكي في الشارع بملوم واحد!
النار قادت في صدري من كتر كلامه المقرف والتحكم، بس مسكت نفسي ومخليتش صوتي يترعش، وقولتله بكل برود وثقة هزته هو شخصياً: خلصت كلامك يا بشمهندس؟ طيب اسمعني بقى كويس. أولاً، إنذار الطاعة بتاعك ده تحت رجل المحامي بتاعي من بكرة وهنعمل عليه اعتراض، والشقة دي شقة أبويا الله يرحمه يعني م تقدرش تقعدني في بيت أمك غصب عني. ثانياً، جنحة التبديد اللي بتخوفني بيها، أنا بكامل عقلي وعفشي كله في الشقة وهعمل إثبات حالة بكرة الصبح بالنجدة عشان أثبت لؤمك وكدبك. ثالثاً بقى، وده الجديد اللي م تعرفوش… أنا رفعت عليك قض..ية نفقة زوجية ونفقة صغار، وقض..ية إلزام بدفع قسط البنك من مرتبك المحترم، وهجيب مفردات مرتبك من الشركة والـقاضي هيعلمك إزاي تكون راجل وتشيل مسؤولية ابنك وغصب عن عينك. أعلى ما في خيلك أنت وأمك اركبوه، والـمابيننا المحاكم يا إيهاب!
قفلت السكة في وشه ومستنيتش يسمع رد فعله، كنت حاسة إني بآخد حقي منه تالت ومتلت في المكالمة دي. التليفون قعد يرن ورا بعضه، إيهاب كان بيتصل بجنون، بس عملتله “بلوك” وقَفلت الخط خالص.
دخلت قعدت جمب مروان، وضميته لحضني جامد. كنت عارفة إن اللعبة بدأت بجد، وإن إيهاب مش هيسكت، خصوصاً بعد ما عرف إني لجأت للقضاء ووقفت ب طولي قدامه. بس مكنتش خايفة، الخوف خلاص مات جوة قلبي واتولد مكانه وحش يدافع عن اللقمة والكرامة. بصيت للسقف وصوت تخبيط الشنيور بتاع الجيران كان سكت خلاص، والهدوء مالى الشقة، قولت لنفسي: بكرة الصبح هتبدأ المعركة الحقيقية في المحاكم، ويا أنا يا إنت يا إيهاب، والأيام بيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *