رواية كامله

بينما كنت أقضي 6 شهور أخاطر بحياتي في مهمة إنقاذ في عرض البحر، كان والدي بيرهن ويبيع بيتي علشان يسدد ديون أختي ولما رجعت ليلة عيد الميلاد، بصلي بسخرية وقال
ما بقاش عندك بيت.
ما صرختش
بس حطيت ملف أسود على الترابيزة وفجأة كل الضحك اختفى.
حمد لله على سلامتك يا داليا قال أبويا وهو بيرفع كوباية العصير قدام شجرة الكريسماس بس للأسف جيتي متأخر البيت ده ما بقاش بتاعك.
أختي رنا حطت إيدها على بُقها كأنها متفاجئة لكن ابتسامتها فضحتها.
كنت واقفة على الباب، شنطة الإنقاذ على كتفي، هدومي لسه مبلولة، ورجلي مش قادرة تشيلني بعد 6 شهور شغل متواصل في مهمة إنقاذ في البحر الأحمر.
أنقذت صيادين، دورت على مفقودين، ونمت ساعات قليلة جدًا.
طول رحلة الرجوع، كنت بحلم بسريري بفنجان القهوة في مطبخي وبإني أقفل باب بيتي بإيدي.
لكن بدل كده
لقيت حفلة في صالتي.
قرايب وجيران وأصحاب رنا قاعدين يشربوا ويضحكوا تحت شجرة أنا زرعتها بإيدي.
صوري اختفت.
وفي مكانها مراية دهب ما شفتهاش قبل كده.
أوضتي مفتوحة كأنها مباحة لأي حد.
إنت قولت إيه؟ سألت وأنا مش مصدقة.
أبويا، حسن العطار، تنهد وقال
ما تعمليش دراما. البيت اتباع علشان مصلحتك. إنتي أصلًا مش بتقعدي فيه ورنا كانت في أزمة.
رنا قربت مني، لابسة فستان جديد، ومكياجها متقن، وشنطة تمنها يساوي مرتبي شهور.
مشروعي خسر يا داليا بابا كان بيحاول ينقذني.
من زمان وهي دايمًا اللي لازم تتنقذ.
لو سقطت، المدرس ظالم.
لو صرفت فلوس، تبقى تعبانة نفسيًا.
لو كذبت، يبقى خوف.
أما أنا؟ كنت القوية
اللي تشتغل أكتر وتدفع وتسكت.
عندي

29 سنة وصرفت على كورساتها، إيجاراتها، مخالفاتها، وأزماتها اللي أغلبها كان بيخلص برحلات وسفر ولبس جديد.
أسوأ موقف كان من سنتين.
بعد عملية إنقاذ صعبة، إيدي كانت متجرحة
أبويا اتصل
رنا محتاجة 30 ألف جنيه تصلح عربيتها من غيرها هتخسر شغلها.
فكّرته إني لسه مديها فلوس الإيجار.
إنتي عندك مرتب ثابت هي بتحاول تقوم.
حولت الفلوس.
بعد 3 أيام شفتها على إنستجرام في الغردقة، قاعدة على حمام سباحة.
ولما واجهتهم قالولي إني غيورة.
أختك حساسة إنتي تقدري تعوضي.
الجملة دي كانت ملخص حياتنا
رنا تتكسر وأنا أدفع التمن.
ورغم كل ده اشتريت بيتي في الإسكندرية.
صغير أوضتين وحوش بسيط وحيطانه لون أزرق هادي.
وفّرت 5 سنين اشتغلت في الأعياد وبعت عربيتي علشان أجيب مقدم.
أول ليلة نمت على الأرض لكن كنت مبسوطة.
أخيرًا عندي مكان محدش يقدر يطلب مني فيه حاجة.
قبل ما أسافر سيبت لأبويا توكيل بس للحالات الضرورية زي الضرائب أو الطوارئ الحقيقية.
اديته نسخة من المفتاح.
وقلتله
محدش يدخل البيت ده كل اللي بنيته.
حضني ووعدني يحافظ عليه.
قبل ما أرجع بأسبوعين وأنا على المركب قدام سواحل السودان، فتحت تطبيق عقارات وكتبت عنواني.
لقيت إعلان
قيد البيع
الصور كانت لبيتي.
صالتي مطبخي سريري.
والسعر أقل من السوق بكتير.
اتصلت بيه ما ردش.
رنا كمان.
كلمت صاحبتي مي، محامية.
بعتلها التوكيل والإعلان.
بعد ساعة رجعتلي
يا داليا مش بس حاولوا يبيعوه. أبوكي خد قرض ب 2 مليون جنيه ورهن البيت.
الفلوس راحت فين؟
بطاقات ائتمان عربية جديدة وحسابات باسم رنا. والمشتري؟ صاحبتها عملية تمثيل علشان يغطوا الموضوع قبل ما ترجعي.
طلبت مني أسكت وجمعت كل الأدلة
عقود تحويلات رسائل واتفاق البيع.
طبعتهم كلهم وحطيتهم في ملف أسود.
رجعت يوم 24 ديسمبر
مش علشان أسأل
لكن علشان أوقف السرقة.
قدام الكل أبويا مد إيده
إديني المفتاح مالكيش مكان هنا.
حطيت الملف على الترابيزة
والصوت خلّى الضحك يسكت.
بصيت له وقلت
إنت غلطان يا بابا اللي هيخسر كل حاجة الليلة مش أنا.
وساعتها
محدش كان متخيل اللي هيحصل بعد كده
السكوت اللي حصل بعد ما حطيت الملف على الترابيزة كان تقيل لدرجة إنك تقدر تسمع صوت أنفاسهم.
أبويا حاول يضحك، وهو بيبص حواليه للناس
إيه ده بقى؟ جاية تعملي فيها محامية؟
ما رديتش
فتحت الملف بهدوء وطلّعت أول ورقة.
ده عقد القرض اللي أخدته بضمان بيتي بتاريخ قبل ما أسافر بشهر.
إيده اتشدّت وهو بيحاول يثبت نفسه
أنا أبوك ومن حقي أتصرف.
رفعت عيني وبصيت له مباشرة
التوكيل اللي معاك واضح فيه إنك تستخدمه بس في الضرورة مش تبيع وترهن.
همسات بدأت تنتشر وسط الموجودين.
واحدة من قرايبنا قالت بصوت واطي
يعني إيه؟ هو باع بيتها بجد؟
رنا اتدخلت بسرعة، بنبرة دفاع
إنتي مكبرة الموضوع! البيت أصلاً كان فاضي وإحنا كنا محتاجين الفلوس.
سحبت ورقة تانية وحطيتها قدامها
تحويلات بنكية باسمك ومصاريف على كروت ائتمان وشراء عربية جديدة.
وشها اتغير لكن حاولت تتمالك نفسها
دي فلوسي!
ابتسمت بسخرية خفيفة
فلوسك؟ ولا فلوس القرض اللي على اسمي؟
الأنظار كلها بقت عليهم.
أبويا زعق فجأة
كفاية! إحنا عيلة ومش هنفضح نفسنا قدام الناس!
قفلّت الملف براحة وقلت
متأخر يا بابا الموضوع خرج من إيدك من أول ما استخدمت توقيعي غلط.
طلّعت الموبايل وفتحت تسجيل صوتي.
صوت سمسار العقارات كان واضح
أيوه يا أستاذ حسن، خلصنا الاتفاق مع مدام سمر صاحبة رنا. البيع هيتم بسرعة قبل ما البنت ترجع.
الصمت رجع بس المرة دي كان مليان صدمة.
واحد من الجيران قال
يعني دي كانت تمثيلية؟
بصيت لأبويا
كان وشه شاحب لأول مرة في حياته.
حاولت تبيع بيتي لصحبة رنا علشان تغطّي القرض وتخلّص الموضوع قبل ما أرجع.
رنا بدأت تفقد أعصابها
وإيه يعني؟! إنتي طول عمرك مش موجودة! البيت كان ميت!
قربت خطوة منها وصوتي بقى أهدى لكن أقسى
البيت ده هو حياتي كلها.
سكتت لحظة وبعدين كملت
وأنا مش هرجع أبدأ من الصفر علشان أنقذك تاني.
أبويا حاول يتكلم لكني سبقته
بالمناسبة البلاغ اتقدّم.
الكل اتجمد.
بلاغ؟! قالها وهو مصدوم.
استغلال توكيل وتزوير ومحاولة استيلاء على ممتلكات.
الكلمة الأخيرة وقعت عليهم زي الصاعقة.
واحدة من الضيوف قامت تمشي وهي بتقول
إحنا مالنا بالكلام ده
والباقي بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني.
في أقل من دقايق البيت اللي كان مليان ضحك بقى فاضي.
فضلنا إحنا التلاتة بس.
أبويا قعد على الكرسي كأنه كبر سنين فجأة
إنتي بتعملي فينا كده ليه؟
بصيت له بهدوء لكن من غير أي ضعف
أنا مش بعمل فيكم حاجة أنا بس وقفت اللي كنتوا بتعملوه فيا.
رنا قالت بصوت مكسور
يعني هتسجّني أبوك؟
رديت من غير تردد
أنا ما حبستش حد هو اللي اختار يعمل كده.
خدت الملف وضمّيته تاني.
من النهارده مفيش حد له أي حق عندي.
لفّيت أمشي لكن قبل ما أخرج وقفت عند الباب وقلت
وعلى فكرة البيت ده لسه باسمي.
وسبتهم ورايا
لكن الحقيقة؟
اللي حصل الليلة دي كان مجرد البداية
لأن اللي جاي كان أصعب بكتير
الهواء البارد ضرب وشي أول ما خرجت من البيت
لكن

اللي جوايا كان أبرد بكتير.
ما بصّتش ورايا.
لأول مرة ما حسّتش بذنب.
ركبت تاكسي، وقلت للسواق عنوان مكتب مي المحامية.
كانت مستنياني.
أول ما شافتني، قالت من غير مقدمات
جاهزة للخطوة الجاية؟
هزّيت راسي
خلّصي كل حاجة.
فتحت اللابتوب ولفّته ناحيتي
أنا قدّمت طلب إيقاف البيع رسميًا وكمان بلاغ في البنك علشان القرض. الحسابات اتجمّدت مؤقتًا.
يعني؟
يعني لا أبوكي ولا رنا يقدروا يلمسوا جنيه واحد دلوقتي.
أخدت نفس عميق كأن حمل تقيل بدأ يتشال من على صدري.
وفيه كمان حاجة كملت مي العربية اللي اتشرت من فلوس القرض اتسجّلت باسم رنا. ودي هتتسحب.
ابتسمت لأول مرة
كويس.
عدّت 48 ساعة
وكل حاجة بدأت تقع.
اتصل بيا رقم غريب.
كان أبويا.
صوته كان مختلف مكسور
البنك جمد حساباتي الناس بتتصل إيه اللي عملتيه يا داليا؟
ردّيت بهدوء
اللي كان لازم يتعمل.
إحنا هنتفضح! صرخ.
لأ يا بابا إنتوا اتفضحتوا من زمان بس أنا اللي كنت بسكّت.
قفل الخط.
بعدها بساعات رنا هي اللي اتصلت.
كانت

بتعيط
العربية اتسحبت! الكروت اترفعت! إنتي دمّرتِني!
سكت لحظة وبعدين قلت
لا أنا وقفت إني أكون سبب نجاتك كل مرة.
إنتي قاسية! صرخت.
ابتسمت بحزن
يمكن بس ده اللي إنتوا علّمتوهولي.
قفلت المكالمة.
في نفس الليلة رجعت بيتي.
كان فاضي
هادي
لكن لأول مرة حسيته فعلاً ملكي.
لفّيت في الأوض لمست الحيطان رجّعت صوري لمكانها.
قعدت على الأرض زي أول يوم
بس المرة دي ما كنتش ضعيفة.
كنت حرّة.
لكن الحرية ليها تمن
وفي اليوم الثالث
التليفون رن تاني.
رقم رسمي.
ألو؟
مدام داليا؟ مع حضرتك من النيابة محتاجين حضورك بخصوص البلاغ.
غمّضت عيني لحظة
وأنا عارفة إن اللي جاي
مش بس مواجهة قانونية
ده مواجهة مع الماضي كله.
لبست بهدوء
وبصّيت لنفسي في المراية.
نفس البنت
بس مش نفس الإنسانة.
وأنا خارجة
جالي إشعار على الموبايل
تم رفض محاولة نقل ملكية العقار.
ابتسمت.
أول انتصار
لكن الحرب لسه مخلصتش
لأن اللي حصل في النيابة بعد كده
كان أقسى قرار أخدته في حياتي
ممرات النيابة كانت هادية
لكن قلبي كان بيدق بصوت عالي.
دخلت القاعة
ولأول مرة شفت أبويا ورنا قاعدين قدام موظف التحقيق مش كعيلة لكن كمتهمين.
أبويا ما رفعش عينه في عيني.
أما رنا كانت عينيها حمرا من العياط.
القاضي بصلي وقال بهدوء
مدام داليا البلاغ اللي قدمتيه فيه أدلة قوية. لكن قبل ما نكمل الإجراءات عندك اختيار.
سكت لحظة وبعدين كمل
تكمّلي القضية للنهاية أو تتنازلي.
الكلمة الأخيرة فضلت تتردد في دماغي
تتنازلي
بصّيت عليهم
ناس كنت بعتبرهم أماني بقوا سبب كسري.
الموظف حط قدامي الأوراق
في حالة الاستمرار هيتم توجيه تهم استغلال توكيل، احتيال، ومحاولة استيلاء على ممتلكات. والعقوبة ممكن توصل للحبس.
رنا انفجرت في العياط
داليا علشان خاطري أنا غلطت بس مش للدرجة دي
أبويا أخيرًا اتكلم بصوت ضعيف
أنا أبوك مهما حصل.
الكلمة دي زمان كانت بتكسرني
لكن النهارده؟
ما عملتش أي تأثير.
خدت نفس طويل
وبصّيت للقاضي
أنا مش جاية أدمّر حد
سكتّ لحظة والكل مستني قراري.
أنا جاية أحمي نفسي.
وقّعت على الورق
لكن مش اللي هما متوقعينه.
رفعت عيني وقلت
هكمل القضية بس بشرط.
القاضي رفع حاجبه
إيه هو؟
يتم توثيق تنازل رسمي ونهائي عن أي حق ليهم في بيتي أو أي ممتلكات تخصني وتعهد قانوني بعدم الاقتراب مني أو التدخل في حياتي تاني.
المكان كله سكت.
أبويا بصلي بصدمة
إنتي بتقطعي علاقتك بينا؟
ردّيت بهدوء ثابت
العلاقة اتقطعت يوم ما بعتوا بيتي.
القاضي دوّن كلامي، وبص لهم
قدامكم خيار توافقوا على الشروط أو نكمل القضية بكل تبعاتها.
رنا مسكت إيد أبويا وهي بتنهار
وافق يا بابا إحنا مش قد السجن
بعد لحظات
أبويا هزّ راسه بالموافقة وهو مكسور.
تم توقيع التنازل.
في اللحظة دي
ما حسّتش إني كسبت قضية
حسّيت إني قفلت باب عمره ما كان بيتقفل.
خرجت من النيابة
والشمس كانت ساطعة بشكل غريب.
ركبت تاكسي ورجعت بيتي.
فتحت الباب
نفس المكان
بس إحساس مختلف تمامًا.
المرة دي
ما فيش حد هيقدر ياخده مني.
قعدت على الكنبة وبصّيت حواليا.
هدوء
أمان
وحرية.
رنّ الموبايل
رقم غير مسجل.
ما رديتش.
لأن في حاجات
لازم تفضل ورا ظهرك.
ابتسمت لنفسي وقلت بهدوء
أخيرًا بقيت لنفسي.
يمكن خسرت عيلة
لكن كسبت أهم حاجة
كرامتي.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *