الاخ الكبير بقلم منال عباس الاول

الاخ الكبير بقلم منال عباس

الاول
اسمي كريم وعمري خمسة وأربعون سنة

طول عمري كنت مقتنع إن الأخ الكبير لازم يشيل الكل حتى لو ضهره اتكسر

كنت صاحب شركة مقاولات ناجحة في الشيخ زايد والحمد لله ربنا كرمني بعد سنين تعب وشقى لكن الغريب إن كل ما دخلي يزيد كانت طلبات عيلتي تكبر أكتر

أخويا الأصغر سامح كان بيغير شغله كل شهرين ويقول الظروف مش مساعداه

وأختي نيرمين كانت بتعيش حياة كلها سفر وفسح وصور على السوشيال ميديا لكن أول ما يخلص رصيدها تفتكر إنها عندها أخ كبير

أما أمي فكانت دايما تقول إن البيت القديم محتاج تصليحات وإن معاشها ما بقاش يكفي رغم إنها كانت مأجرة الدور الأرضي وبيجيلها دخل ثابت كل شهر

في الأول كنت بدفع وأنا مبسوط

بعدها بقيت بدفع وأنا ساكت

وبعدين بقيت بدفع وأنا متضايق

لكن عمري ما قلت لا

مراتي سارة كانت بتراقب كل حاجة من غير ما تدخل

كل مرة يرن فيها تليفوني كانت تعرف إن فيه أزمة جديدة

مرة سامح محتاج فلوس عشان يسدد قرض

مرة نيرمين عايزة عربية أحدث عشان شكلها قدام أصحابها

مرة أمي عايزة تغير المطبخ بالكامل لأنه بقى قديم

ولما كنت أقول لسارة إنهم أهلي كانت تبتسم وتسكت

لكن بعد ولادة بنتنا جنى بدأت تسألني بهدوء

هو ليه إحنا كل مرة نأجل أحلامنا عشان نحقق أحلام غيرنا

هو ليه كل مكافأة تاخدها تروح لحد غيرك

هو ليه بنتنا لسه مستنية أوضتها الجديدة وإنت دفعت تمن مطبخ جدتك وأقساط عربية أخوك

ماكنتش بعرف أرد

لأن الحقيقة كانت بتوجعني

وفي يوم اتصلت أمي وقالت إنهم عاملين عزومة كبيرة بمناسبة خطوبة نيرمين ولازم نحضر

رحنا في الميعاد

الفيلا كانت مليانة ناس وضحك وأكل فاخر وكأن الليلة معمولة في قصر

وأول ما دخلت لقيت سامح بيحضن أصحابه ويقول لهم

سيبوا كل حاجة عليا الليلة دي

ابتسمت في سري

لأنني كنت عارف مين المقصود بكلمة عليا

طول السهرة كانوا يطلبوا أكلات جديدة ومشروبات أغلى من اللي قبلها

وأمي كل شوية تقول للنادل هات كمان

والكل ياكل ويضحك وكأن الفلوس بتنزل من السما

أما سارة فكانت ساكتة بشكل غريب

كانت بتراقب الوجوه والكلام أكتر من الأكل

وفي نص السهرة استأذنت عشان ترد على مكالمة

وبعد دقائق رجعت وهي ملامحها هادية بشكل خلاني أقلق

بعدها بشوية سمعت سامح بيقول لأختي وهو فاكر إن محدش سامعه

اطلبي كمان حلويات مستوردة

كريم عمره ما قال لأ في حياته

ضحكت نيرمين وقالت

والله لو الفاتورة بمليون هيدفع وهو ساكت

وردت أمي بثقة

هو اتعود

ولو حاول يعتذر هنفكره بتعبنا معاه وهو صغير

سكت مكاني

لكن أول مرة في حياتي حسيت إن الكلام دخل قلبي زي السكينة

بصيت لسارة

لقيتها سمعت كل كلمة

لكنها ما اتكلمتش

فضلت مبتسمة لحد ما العشاء خلص

ولما جه الجرسون شايل الحساب

مديت إيدي كالعادة

لكن سارة سبقتني

ومسكت الظرف بكل هدوء

وبدأت تبتسم ابتسامة صغيرة وأنا لأول مرة أحس إن الليلة دي لسه مخبية مفاجآت أكبر بكتير بقلم منال عباس
ابتسمت سارة ابتسامة هادئة ثم مدت يدها بالحساب إلى أمي وهي تقول بكل احترام اتفضلي يا أمي الحساب وصل

سكتت الطاولة كلها

سامح بص ليها كأنه مش مستوعب اللي حصل

أما نيرمين فضحكت وهي فاكرة إنها بتهزر وقالت يا بنتي إيه الدعابة دي

لكن سارة فضلت محافظة على هدوئها وقالت أنا مش بهزر دي مناسبة خطوبة بنت حضرتك وأكيد صاحبة المناسبة هي اللي هتعزم الناس

بصت أمي ناحيتي بسرعة وهي مستنية إني أمد إيدي وآخد الحساب كالعادة

لكن المرة دي فضلت قاعد مكاني

حسيت إن جسمي كله تقيل

كأني شايل سنين كاملة فوق ضهري

قالت أمي بصوت بدأ يعلى كريم خد الحساب وسيبك من الكلام الفاضي

بصيت ليها من غير ما أتحرك

ولأول مرة في حياتي ما استجبتش للأمر

بدأت الابتسامة تختفي من وشها

وقالت يعني إيه ساكت

ردت سارة بمنتهى الأدب يعني كل واحد يتحمل مسؤولية عزومته وبس

قال سامح وهو بيضرب بإيده على الترابيزة إيه البخل اللي ظهر فجأة ده

ابتسمت سارة وقالت الغريب إنكم شايفين إن الطبيعي هو إن كريم يدفع عن أكتر من عشرين شخص كل مرة لكن أول ما حد اقترح إن كل واحد يدفع نصيبه بقيتوا شايفين ده بخل

اتغيرت ملامح نيرمين وقالت يعني إنتي جاية تكسرينا قدام الناس

قالت سارة بهدوء لا أنا جاية أحافظ على تعب جوزي اللي بقاله سنين بيتبخر في ساعات

اتدخلت أمي وقالت كريم عمره ما اشتكى

سكت ثواني وبعدها قلت لأنه كان غلطان

لفت كل الرؤوس ناحيتي

حتى الناس اللي على الترابيزات القريبة بدأوا يبصوا علينا

قال سامح إنت بتقول إيه

قلت بقول الحقيقة أنا بشتغل ليل ونهار وأنتم بتصرفوا وكأن فلوسي حق مكتسب ليكم

قالت أمي بعد كل اللي عملناه معاك

قلت وأنا عملت إيه معاكم طول عشرين سنة

مين اللي دفع قسط عربية سامح

مين اللي سدد ديون نيرمين بعد مشروعها الفاشل

مين اللي جدد شقة أمي بالكامل

مين اللي دفع عملية خالي

مين اللي كان كل عيد وكل مناسبة بيتحمل فاتورة الجميع

فضلوا ساكتين

كملت كلامي وأنا لأول مرة حاسس إن الحمل اللي فوق صدري بيخف

ولا مرة طلبت منكم جنيه

ولا مرة قلت لكم ساعدوني

ولا مرة حسبت عليكم أي حاجة

لكن واضح إنكم حسبتوا عليا كل حاجة

قال سامح بعصبية يعني هتمن علينا دلوقتي

قلت لا أنا بس بفكركم بحقيقة نسيتوها

الحقيقة إنكم طول السنين دي ما سألتوش نفسكوا أنا محتاج إيه

ولا مرة حد اتصل يسألني عامل إيه

ولا مرة حد جه يزور بنتي في عيد ميلادها من غير ما يكون عايز خدمة بعدها

ولا مرة حسيت إنكم شايفني ابن أو أخ

أنا بالنسبة ليكم ماكينة صرف

نزل الكلام عليهم كأنه حجر

وشفت أمي بتبص في الأرض لأول مرة

لكن نيرمين حاولت تغير الموضوع وقالت خلاص ادفع المرة دي وخلاص

ضحكت لأول مرة من قلبي

قلت المرة دي دي بقالها خمسة عشر سنة

كل مرة بتقولوا المرة دي

واللي بعدها تبقى آخر مرة

واللي بعدها مناسبة خاصة

واللي بعدها ظروف

واللي بعدها مرض

واللي بعدها سفر

لحد ما بقيت أنا اللي ظروفه اتنسيت

في اللحظة دي جه مدير المطعم بنفسه لأنه لاحظ ارتفاع الأصوات

وسأل بكل احترام إذا كان فيه أي مشكلة

ابتسمت سارة وقالت مفيش أي مشكلة خالص كل واحد هيدفع طلباته وبس

ساعتها بص سامح لأمي ونيرمين بارتباك واضح

وبدأوا يفتحوا موبايلاتهم بسرعة يشوفوا رصيد بطاقاتهم

وفجأة اتبدلت الثقة اللي كانوا داخلين بيها المطعم إلى خوف حقيقي لأنهم اكتشفوا إن الحساب أكبر بكتير مما كانوا متوقعين وأن الليلة اللي كانوا واثقين إنها هتنتهي على حسابي بدأت تتحول إلى أسوأ ليلة مروا بيها من سنين بقلم منال عباس
وقفت أمي وهي بتحاول تحافظ على كرامتها قدام الموجودين وقالت للنادل هات ماكينة الدفع

جابها النادل بسرعة وهو واضح عليه الإحراج

طلعت أمي أول بطاقة

رفضت

طلعت البطاقة التانية

اترفضت هي كمان

بدأ وشها يحمر وهي بتحاول تبتسم قدام الناس

قالت يمكن الشبكة فيها مشكلة

لكن النادل جرب مرة تالتة وهز راسه وقال بكل هدوء الرصيد غير كاف

بصت أمي لسامح بسرعة

سامح طلع بطاقته وهو بيقول ولا يهمك

بعد ثواني ظهر نفس التنبيه

الرصيد غير كاف

بدأ العرق ينزل من جبينه

أما نيرمين ففضلت تدور في شنطتها وهي بتقول معايا بطاقة تانية أكيد فيها فلوس

لكن البطاقة الأخيرة هي كمان اترفضت

بدأت الهمسات تنتشر بين الموجودين

وفي اللحظة دي لأول مرة شفت الرعب الحقيقي في عيونهم

الرعب مش من قيمة الحساب

الرعب من إن الشخص اللي كانوا معتمدين عليه طول عمرهم وقف

قالت أمي وهي بتبصلي كريم عشان خاطري متفضحناش

سكت شوية

وبعدين قلت أنا مستعد أدفع الجزء اللي أنا ومراتي وبنتي أكلناه فقط

أما باقي الحساب فهو مسؤوليتكم

اتسعت عيون سامح وقال يعني إيه

قلت يعني كل واحد يتحمل اختياراته

لو كنتوا طلبتوا أكل على قدكم كان الحساب هيكون بسيط

لكن طول عمركم بتطلبوا من غير ما تبصوا للأسعار لأنكم كنتم واثقين إن غيركم هيدفع

مدير المطعم قرب وقال بكل احترام ممكن نقسم الحساب على حسب كل شخص

وافقت فوراً

بدأ النادل يحسب طلبات كل فرد

ولما عرف سامح نصيبه اتغير لونه

أما نيرمين فقعدت تكرر مستحيل مستحيل الرقم ده

قالت أمي وهي بتحاول تضغط عليا أنت السبب في اللي حصل

ابتسمت لأول مرة من غير أي وجع

وقلت لا

السبب الحقيقي إنكم لأول مرة بتدفعوا تمن اختياراتكم بنفسكم

فضلوا أكثر من ساعة يحاولوا يتصلوا بأصحابهم ويحاولوا يحولوا فلوس ويجمعوا المبلغ

وفي النهاية اضطر سامح يطلب من واحد صاحبه يحول جزء كبير من الحساب

واضطرت نيرمين تبيع الساعة الغالية اللي كانت لابساها لصاحب محل مجاور كان موجود في المطعم وعارف مدير المكان

وأمي دفعت كل اللي كان معاها في حسابها

أما أنا فدفعت نصيبي فقط

ولما خرجنا من المطعم كان الصمت مالي المكان

وأول ما وصلنا ساحة الانتظار انفجرت نيرمين في وش سارة وقالت إنتي خربتي العيلة كلها

لكن قبل ما سارة ترد

اتكلمت أنا

وقلت بهدوء

العيلة اللي بتقع لأنها بطلت تستغل شخص واحد عمرها ما كانت عيلة من البداية

ساد صمت طويل

وركبنا عربيتنا

وأثناء الطريق رن هاتفي

كان المتصل شخصاً لم أتوقع أبداً أن يتصل في تلك الليلة

وعندما رأيت اسمه على الشاشة شعرت أن المشكلة الحقيقية لم تبدأ بعد بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *