الشر داخل الشنط صافى هانى الاول

حماتي يوم عيد ميلادي جابتلي فستان أصغر مني بتلات مقاسات عشان تتريق على وزني قدام عيلتي كلها وكسرت بخاطري 💔. ومبارح لما بيتها غرق بسبب السيول وجت لحد باب بيتي تطلب تبات عندي، رميتلها الشنطتين بتوعها في الحوش تحت المطر، ورزعت الفستان في وشها وطردتها عشان أربيها 😰.

​بس اللي مكانش يخطر على بالي ولا بال أحمد جوزي، هو إيه اللي كان مستخبي في قعر الشنطة المبلولة دي، وليه الحجة فادية قطعت مشوار تحت المطر عشان تيجي بيتي أنا بالذات قبل ما ابنها يوصل!

​أنا عندي 29 سنة، ومتجوزة أحمد بقالي تلات سنين. طول عمري وزني مليان، بس السنتين اللي فاتوا دول جسمي بدأ ينفخ لوحده من غير سبب، صوابعي ورجليا بقوا زي البالونة، وكنت بقول لنفسي ده يمكن إرهاق شغل.

​في عيلة أحمد كان فيه بنت تانية، أخته “رشا”، ماتت وهي في عز شبابها ومحدش يجرؤ ينطق اسمها قدام حماتي.

​#حكايات_صافي_هاني

​المهم، لما طردت حماتي في المطر، قفلت الباب وراها وأنا حاسة بانتصار. بالليل أحمد رجع متأخر جداً، حكتله كل اللي حصل وأنا فخورة بنفسي ومستنياه يضحك معايا.

​مضحكش. وشه اتخطف وبقى أبيض زي الأموات.

​سألني برعب: “الشنط فين؟” قولتله خدتهم معاها وهي غرقانة مية وغارت.

​لطم على راسه بإيديه الاتنين وزعق فيا بدموع: “أمي مكانتش جاية عشان بيتها غرق يا غبية! أمي كانت في المستشفى الحكومي بتجيب ورق باسمك إنتي.. ورق إنتي خفتي تروحي تستلميه!”

​طلعت جري على الحوش تحت المطر والسيول.. وعلى الرصيف برة، مطرح ما حماتي كانت بتجرجر الشنط، لمحت علبة قطيفة قديمة كانت جوة الشنطة واتفتحت برة من غير ما تاخد بالها، وجنبها ظرف تحاليل مبلول مكتوب عليه اسمي!

​شيلت العلبة والظرف بإيدين بترتعش، ولما فتحت العلبة صرخت من الصدمة.. الفستان اللي جابتهولي مكانش جديد، ده فستان أخته “رشا” الميتة، والظرف كان فيه…

​#حكايات_صافي_هاني

​يتبع في التعليقات

والظرف كان فيه تقرير طبي صادر من اللجنة العليا للأمراض النادرة، ومكتوب فيه بخط عريض “اشتباه إصابة بمتلازمة رشا الوراثية”. في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا والمطر اللي كان نازل يغسل وشي حسيت بيه زي مية النار، فتحت الظرف وأنا مش قادرة أتنفس، قريت الكلمات المكتوبة بصعوبة بسبب المية اللي بدأت تدوب الحبر، التقرير كان بيشرح حالة تضخم أطراف واحتباس سوائل حاد ناتج عن خلل جيني نادر جداً، وهو نفس المرض اللي نهش في جسم رشا أخت أحمد لحد ما ماتت وهي في السن ده بالظبط.

​وقفت في وسط الحوش والعلبة القطيفة في إيدي، الفستان اللي كنت فاكراه جاي عشان يكسر بخاطري ويتريق على وزني، كان هو المفتاح الوحيد اللي حماتي حاولت تديهوني عشان أفهم؛ رشا لما بدأ المرض معاها، جسمها نفخ بنفس الطريقة، والفستان ده كان مقاسها الأخير قبل ما المرض يقضي عليها، حماتي مكانتش بتتريق، كانت بتموت من الرعب عليا ومش عارفة تواجهني إزاي بخوفها، خصوصاً إني كنت برفض أروح لأي دكتور وبقول ده مجرد إرهاق شغل.

​دخلت البيت وأنا بنهج وجسمي كله بيتنفض من الساقعة ومن الصدمة، أحمد كان واقف ورا الباب، عيونه حمرا من الدموع وأول ما شاف الظرف والعلبة في إيدي، قعد على الأرض وسند راسه على الحيطة وبدأ يعيط بصوت مكتوم ويقول: “أمي لفت على كل دكاترة المحافظة بالملف بتاعك اللي جمعته من وراكي، لما لقت صوابعك ورجليكي بقوا زي البالونة، عرفت إن اللعنة رجعت تاني للبيت، كانت عايزة تلحقك قبل ما يفوت الأوان زي ما فات مع رشا”.

​رميت الحاجة من إيدي وبقيت أبص لأحمد بذهول وأنا بفتكر منظر حماتي وهي واقفة تحت المطر، شايلة الشنطتين والدموع في عينيها وأنا برمي حاجتها وبقفل الباب في وشها بكل قسوة، سألته بصوت مخنوق: “يعني هي مكانتش جاية تبات عشان بيتها غرق؟” أحمد هز راسه بالنفي وقال وهو بيشهق: “بيتها غرق فعلاً بس هي مسابتش المنطقة وتجيب شنطها وتجيلك إنتي بالذات إلا عشان الورق ده طلع مبارح بالليل، والدكتور قالها لازم تاخد العلاج الجيني ده فوراً قبل ما السوائل توصل للقلب، الشنطة التانية اللي رميتيها في المطر كان فيها الأدوية المستوردة اللي باعت دهبها كله عشان تشتريها وتجيبهالك لحد عندك!”.

​نزلت الكلمات عليا زي الصاعقة، حسيت إني أكبر مجرمة في الدنيا، الست اللي اعتبرتها عدوتي كانت بتبيع دهبها وبتقطع مشاوير في السيول والمستشفيات الحكومية عشان تنقذ حياتي، وأنا كافأتها بالطرد والإهانة. جريت على الباب وفتحته وطلعت للشارع زي المجنونة في وسط الضلمة والمطر الشديد، وبقيت أصرخ بأعلى صوتي: “يا حجة فادية! يا ماما فادية!”، لكن الشارع كان فاضي تماماً وصوت الرعد كان بيغطي على صرختي.

​أحمد طلع ورايا وشدينا عربيتنا وبدأنا نلف في الشوارع الغرقانة بندور عليها في كل مكان، سألنا في المحطات وعند المحلات المقفولة ومحدش شافها، تليفونها كان مقفول تماماً، وبعد أكتر من ساعتين من التدوير المرعب والدموع مالي ليلنا، تليفون أحمد رن برقم غريب، رد بسرعة ووشه اتحول للون أزرق من الخوف، وهو بيسمع الطرف التاني، لقيت أحمد بيفرمل العربية فجأة لدرجة إننا كنا هنخبط في الرصيف، والتفت ليا وعيونه مبرقة على الآخر وهو بيقول بصوت ميت: “أمي لقوها مغمى عليها في المحطة.. ونقلوها الطوارئ، بس الدكتور بيقول إن الشنطة اللي كانت معاها مفيهاش أدوية.. الشنطة فيها حاجة تانية خالص خلت الشرطة تطلبنا فوراً للتحقيق!”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *