باعوا امهم حكايات صافى هانى الثاني والاخير

وقفت بطولي، وبصيتله من فوق لتحت ببرود يرعب، الدموع اللي كانت في عيني نشفت وبقت زي الإزاز. ومحمود لسه على ركبه، باصص للأرض وتليفونه في إيده مرعوب يقفله، وصوت ولاء لسه طالع من السبيكر عمال ينادي: “ألو.. محمود! رحت فين؟ رد عليا عملت معاها إيه؟”

​مديت إيدي بالراحة، وأخدت التليفون من إيده اللي كانت بترعش، ورفعت الموبايل عند بوقي وقلت بنبرة هادية ومسموعة:

“معاكي يا ولاء.. محمود عمل دور العمر وباس الرجليين وعيط كمان، بس المخرج عايز يقفل المشهد على كدة.”

​السماعة سكتت تماماً، ولاء نفسُها اتقطع وما نطقتش بحرف. قفلت السكة في وشها، ورميت التليفون على الكنبة.

​بصيت لمحمود اللي كان وشه جايب ألوان، وعمال يبلع في ريقه ومش قادر ينطق، وبدأ يزحف على ركبه تاني ناحيتي وهو بيقول بصوت مبحوح: “أمي.. والله العظيم أنا.. أنا كنت مجبر، هي اللي وزتني وقالتلي البيت هيضيع.. أنا ابنك يا أمي!”

​رجعت خطوتين لورا عشان إيده متمسنيش، وقلتله وأنا كلي جمود:

“أنت مكنتش مجبر يا محمود.. أنت جيت لحد هنا وأنت عارف إنك بتمثل على أمك، جيت ودموعك دي مكنتش عليا ولا على شقى عمري، دموعك كانت على القرشين اللي كنت فاكر إنك هتلهفهم بالحيلة بعد ما معرفتوش تاخدوهم بالعافية.. أنت مش ابني، أنت واحد غريب جاي ينصب عليا في بيتي.”

​محمود وقف على رجله، وبدأ صوته يعلى بسحبة غل: “يعني إيه يا أمي؟ هتسيبيني أترمي في الشارع؟ يرضي ربنا تخرجي برة الموضوع وتعيشي في ملكك وتتفرجي عليا وأنا بتبهدل عشان خاطر حتة فلوس؟ فين دينك وفين أمومتك؟”

​ضحكت ضحكة قوية صحت جدران الشقة، وبصيت في عينه بكل قسوة وقلتله:

“الدين اللي بتتكلم عنه ده هو اللي قال (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما)، والدين ده هو اللي قال إن أمك ثم أمك ثم أمك.. مش مراتك ثم مراتك ثم قرشين أمك! أنا أمومتي ماتت يوم ما وقفت في مطبخك ومرأتك بتهيني وأنت عامل نفسك مش سامع وبتعمل كباية شاي.. أمومتي ماتت لما هانت عليك كرامتي وشقى عمري أنا وأبوك الله يرحمه.”

​شاورتله على الباب بكل حسم: “الباب يفوت جمل يا محمود.. اطلع لمراتك ووروني هتشتروا الشقة الجديدة باسم مين.”

​محمود وشه اتشنج، وعينه اسودت وبان وشه الحقيقي، قرب مني خطوة ورفع صباعه في وشي وقال بنبرة تهديد وغل عمري ما شفتها فيه قبل كدة:

“ماشي يا أمي.. طالما بعتيني وناوية تشمتي فيا طوب الأرض، وربنا ما هسيبك تتهني بالشقة دي ولا بالفلوس، واليوم اللي هتبكي فيه بدل الدموع دم عشان تسامحيني مش هييجي.. وأنا هعرف آخد حقي منك إزاي!”

​سابني وخبط الباب وراه بكل قوته لدرجة إن البيت كله اتهز.. وأنا وقفت مكاني، قلبي كان بيدق بسرعة، بس مكنتش خايفة.. كنت برتب أفكاري للي ناوي يعمله، لأن نظرة الغل اللي في عينه كانت بتقول إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن اللي جاي مرعب… 👇

فات يومين ورا بعض، والهدوء اللي في الشقة مكنش هدوء طبيعي.. كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة.

​مكنتش خايفة من تهديده، بس كنت عارفة محمود كويس.. محمود ابني طول عمره شخصيته ضعيفة، وطالما اتجرأ ورفع صباعه في وشي وهدد، يبقى وراه حية بتلقنه وتوزّه، وناويين على مصيبة.

​في الليلة الثالثة، الساعة كانت حوالي واحدة بعد نص الليل. الدنيا برة كانت هووووس، وأنا كنت قايمة أصلي ركعتين قيام ليل عشان قلبي يطمن. وأنا في السجدة الثانية، سمعت صوت حركة غريبة برة الشقة.. صوت خربشة رفيعة أوي جمب كالون الباب، كأن حد بيحاول يفتح بمفتاح براحة، أو بيحاول يِفّك الكالون!

​جسمي كله قشعر، ونشفت في مكاني.. سلمت بسرعة، وقمت وقفت من غير ما أصدر أي صوت. مشيت على طراطيف صوابعي لحد باب الشقة، وبصيت من العين السحرية…

​الممر برة كان ضلمة كحل، واللمبة مكسورة! بس مع إضاءة شاشة الموبايل اللي كانت منورة خفيف، لمحت ضل راجل واقف وموطي على الكالون، وجنب منه ضل ست.. كانت ولاء! ومحمود واقف معاها ومعاه كيس أسود كبير في إيده، وعمال يقطع في سلك صاعد الكهرباء والنت بتاع الشقة عشان يقطعوا عني الدنيا كلها!

​سمعت صوت ولاء وهي بتهمس بفحيح زي التعبان: “خلص يا محمود.. اقطع السلك وخلصنا، مفيش كاميرات في الدور ده والكل نايم.. هندخل نربطها وناخد منها وصولات الأمانة وعقد الشقة والفيزا، ومحدش هيحس بحاجة.. اخلص!”

​قلبي كان هيقف من الرعب، ابني جاي يسرقني وينهش فيا مع مراته في نص الليل! للحظة شلّني الخوف، بس فجأة افتكرت إنني مأمنة نفسي.. افتكرت إنني أول ما سكنت هنا، ركبت كاميرا صغيرة ميكرو ومخفية جوه العين السحرية وبتسجل صوت وصورة وبتِبعت على موبايلي علطول والموبايل شغال ببيانات الهاتف (الباقتها)!

​سحبت موبايل من جيبي براحة، لقيت الكاميرا لقطاهم وصوتهم واضح في التسجيل وهما بيخططوا لسرقتي والاعتداء عليا..

في ثانية، وبأيد بترعش بس ثابتة، دخلت على جروب “اتحاد ملاك العمارة” وجروب “أمن المنطقة” وبعتّ الفيديو لايف، وكلمت شرطة النجدة في ثواني وبلغت عن سرقة بالإكراه واعتداء..

​وفجأة.. الباب اتزق بقوة والكالون اتهبد، والباب اتفتح!

​محمود وولاء دخلوا الشقة والضلمة حواشيهم، ومحمود رافع في إيده حتة حديدة ووشه خالي من أي رحمة.. وأنا كنت واقفة في الصالة، منورة كشاف الموبايل في وشهم مباشرة.. وبصيتلهم بابتسامة ثقة وقلتلهم:

​”خطوة كمان يا محمود أنت وهي.. والبوليس وسكان العمارة كلهم هيكونوا هنا، وفيديو دبحكم لأمكم لايف على النت دلوقتي!”

​محمود اتصدم وبرق، وولاء خطفت منه الحديدة وقربت عليا بغل وهي بتقول: “مش هتلحقي!”… 👇

ولاء هجمت عليا زي السنيورة اللي اتهبلت، والغل عمى عينيها.. لسه بترفع الحديدة عشان تضربني، وفجأة الشارع كله اتقلب بصوت سارينات البوليس اللي كانت بتقرب بسرعة الصاروخ، وفي نفس اللحظة سمعنا صوت دَب عالي وهستيري على السلم، وجيران العمارة كلهم كانوا نازلين وجايين بيجروا بعد ما شافوا الفيديو على الجروب!

​محمود اتنفض، الحديدة وقعت من إيده ووشه بقى زي الفرخة المبلولة، وبص لولاء وزعق برعب: “يخرب بيتك! ودتيني في داهية! البوليس بره!”

ولاء رجعت لورا وهي بتترعش وبتبص حواليها كأنها فاردة مصيدة، وقبل ما يفكروا يهربوا من الباب، كان أمن العمارة والجيران قفلوا الممر، ودخل وراهم ضابط المباحث ورجالته.

​الضابط بص للمنظر، وشاف السلك المقطوع والحديدة اللي على الأرض، وبصلي وقال: “خير يا حجة، إنتِ كويسة؟”

هزيت راسي وأنا ماسكة موبايلي وبقول بكل ثبات: “الحمد لله يا فندم، لحقتوني.. والتسجيل كله لايف مع حضرتك وصوتهم وهما بيكسروا الباب ويخططوا لقتلي وسرقتي وايرلس على تليفوني.”

​محمود جِري عليا وارتمى تحت رجلي تاني وهو بيصرخ: “أمي! أبوس رجلك تنازلي! هتحبسي ابنك؟ والله هي اللي وزتني! أنا ماليش ذنب!”

ولاء صرخت فيه بغل: “أنت اللي جبان ومغفل! أنت اللي قلتلي أمي معاها الفلوس!”

​الضابط شاور للعساكر: “هاتولي الاتنين دول.. سرقة بالإكراه، وشروع في قتل، وتدمير ممتلكات عامة وخاصة.. اتفضلوا على القسم.”

​وهما بيسحلوهم من قدامي، محمود كان بيبكي بحرقة وبينادي: “يا أمي يرضيكي كدة؟!”

بصيتله للمرة الأخيرة وقلتله بقلب مفيش فيه نقطة ندم: “اللي هان أمه وسعى لخرابها، يستاهل يكمل بقية عمره ورا القضبان.. القانون هياخد مجراه يا محمود، والزمن اللي مأدبكش، السجن هيأدبك فيه.”

​خرجوا والكل بيتفرج عليهم ويفل في وشوشهم.. وقفت، وقفلت بابي وراهم، وركبت كالون جديد ومتين.

قعدت في صالوني، فتحت الشبابيك والنور دخل، وشربت شاي بنعناع وأنا حاسة بنصر وراحة عمري ما حستها.. أصل اللي يبيع أمه بالرخيص، ملوش في الدنيا غير السجن والندم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *