معركة باب الثلاجه حكايات منى السيد الثاني

لميت شعري لفوق، وربطت إيشارب قديم حولين راسي، ووقفت وسط المطبخ اللي بقا شبه سوق الجمعة بعد الإعصار. المش كان عمال يسيل على الرفوف ببطء مستفز، وطين البصل الأخضر ناشف وعامل بقع على الدرج الإكريليك اللي كنت بلمعه بالمسطرة. قعدت حوالي أربع ساعات كاملة بنظف، بمسح، وبغسل بـ الكلور والمطهرات عشان أضيع ريحة الجاوا والمش اللي كبست على مفاصل الشقة. كل دعكة بالليفة في حيطة المطبخ كانت بتزود جوايا طاقة غل وشر عمري ما حسيت بيها قبل كدة.
طارق رجع بالليل متأخر، دخل خطوة خطوة كأنه خايف يكون فيه لغم مستنيه ورا الباب. بص على المطبخ لقاه نضيف وزي الفل، وبصلي لقاني قاعدة على السفره وبشرب فنجان قهوة وبقرأ في كتاب بمنتهى الهدوء. استغرب جداً، كان متوقع يلاقيني بندب وبصوت أو لامة هدومي وفي بيت أهلي.
قرب مني وهو بيحنحن وقال بنبرة فيها سنة قلق مستخبية ورا برود:
— شيرين.. أنتي كويسة؟ شاايف المطبخ رجع ينور يعني، ما كان من الأول يا بنتي ومن غير شوشرة؟ أهو المش ده برضه فلاحي وأصلي والوالدة تعبت فيه..
رفعت عيني من الكتاب وبصيتله بابتسامة صافية لدرجة الرعب، وقولتله بنبرة ناعمة زي الحرير:
— كويسة جداً يا طارق، الحمد لله. وأنا فكرت في كلامك ولقيت إن عندك حق.. طنط نادية برضه ست كبيرة ونيتها خير، والوحدة والفضى بيخلوها تعمل حاجات غريبة شوية عشان تحس بوجودها. أنا مش زعلانة خلاص، والمسامح كريم.
طارق اتنفس الصعداء، وملامح وشه فكت تماماً، وضحك وهو بيقول:
— أيوة كدة يا شيري! هي دي مراتي العاقلة الناضجة. الله يهديكي ويهدي أمي، أنا قولت برضه النفوس هتصفى.
سابني ودخل يغير هدومه وهو فرحان ومطمن إن الأزمة عدت.. بس يا عيني على نيتك يا طارق! هو ميعرفش إن الهدوء ده معناه إن الخطة استوت في دماغي على نار هادية، وإن اللي جاي مش هيبقى مجرد رد فعل.. ده هيبقى زلزال!
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما طارق نزل الشغل. نزلت وراه على طول، بس المرة دي ماروحتش السوبرماركت.. أنا روحت العتبة والموسكي! دخلت محلات أدوات التجميل، والعطارة، ومحلات بيع الأجهزة، ولميت شوية حاجات “مخصوصة جداً”.
الخطوة الأولى كانت شقة طنط نادية. فتحت الباب بالنسخة اللي معايا بمنتهى الهدوء والحرص. طنط نادية كالعادة كانت نايمة بعد الظهر وصوت شخيرها واصل للطرقة. اتسحبت ودخلت الصالون بتاعها.. الصالون ده هو فخرها وعزها أمام قرايبها وجاراتها. أنتريه مدهب، سجاد حرير، وفوق كل ده “النيش”! نيش ضخم أربع ضلف، مليان كريستال، وطقم صيني شرياه من التمانينات ومحدش يجرؤ يلمسه، ومفارش لاسيه مشغولة بالإبرة.
وقفت قدام النيش وابتسمت. فتحت الضلف بالراحة، وطلعت من الشنطة بخاخة مية صغيرة، بس مش مية عادية.. دي مية بـ عسل أسود مخفف جداً! وبدأت الرش.. رشيت على المفارش اللاسيه البيضا، وعلى ضهر الأطباق الصيني، وحوالين الكاسات الكريستال. العسل لما ينشف مش هيبان، بس هيعمل حاجة واحدة سحرية.. هيجذب كل نمل المنطقة!
ومكتفيتش بكدة، طلعت كيس صغير فيه “بودرة مسك مركزة” من عند العطار، ورشيتها ورا الكنب المدهب وتحت السجاد الحرير.. المسك ريحته حلوة، بس لما يترش بكميات غبية ومركزة في مكان مقفول، بيقلب بريحة خانقة وتجيب الحساسية وتخلي اللي يدخل الصالون يعطس وميطيقش يقعد فيه خمس دقايق.
خلصت الصالون واتسحبت على الحمام. طنط نادية عندها غسالة هاف أوتوماتيك قديمة بتعزها جداً وتغسل فيها هدومها البيضا وبتقول “الأوتوماتيك مباينضفش”. فتحت درج المسحوق وبودرة الغسيل، وخلطت مع المسحوق الأبيض كمية محترمة من “الشبة المطحونة وبودرة الزهرة الزرقا المركزة”.. الشبة دي مع المية السخنة بتخلي الهدوم تكش وتكرمش، والزهرة الزرقا لو زادت عن حدها بتقلب الهدوم البيضا للون أزرق فاقع شبه لبس العساكر!
بصيت حوالي لقيت علبة الشامبو بتاعتها اللي بتغسل بيها شعرها الحنين اللي صابغاه أصفر هادي.. فتحت العلبة وفضيت فيها نص زجاجة “صبغة حنة سوداء سريعة المفعول”. قفلت العلبة ورجعتها مكانها بالملي.
خرجت من الشقة وأنا كاتمة ضحكتي بالعافية. قفلت الباب بذكاء، ونزلت روحت على الكوافير عملت شعري وضوافري، ورجعت بيتي استعد للمشهد الأول من المسرحية.
على الساعة سبعة بالليل، التلفون رن. المرة دي مكنتش طنط نادية.. ده كان طارق! صوته كان طالع فيه بحة ذعر وخوف:
— شيرين! أنتي في البيت؟
— أيوة يا حبيبي، بعمل عشا خفيف.. في إيه مالك؟
— أمي بتصوت يا شيرين! كلمتني بتعيط وبتقول الشقة اتقلبت! النمل مالي النيش وبياكل المفارش والصيني، والصالون ريحته تقلب الدماغ ومبقتش قادرة تتنفس فيه من العطس! أنا رايح لها حالا، تعالي معايا نشوف في إيه!
لبست بسرعة وروحت معاه. أول ما دخلنا الشقة، شميت ريحة المسك اللي كتمت نفسي أنا شخصياً، وطنط نادية كانت واقفة في الصالة ماسكة مقشة وعمالة تعيط وتلطم على وشها:
— الحقني يا طارق! النيش يا بني شقا عمري! النمل طالع من وسط الكاسات وأكل المفارش اللاسيه! والصلون ريحته بقت شبه المقابر، مش قادرة أقف فيه! والبيت كان زي الفل الصبح.. ده عمل! ده أكيد عمل ومعمول لي في البيت عشان أموت!
طارق جرى عليها يهدّيها، وأنا وقفت وراهم وحطيت إيدي على بوقي وعملت نفسي مخضوضة:
— يا خبر أبيض يا طنط! عمل إيه بس استغفري الله! ده تلاقيه حسد.. العين وحشة برضه، والناس بتبص على نيشك الجميل ده وتتحسر. بس غريبة برضه.. النمل ده مبيجيش من فراغ، تلاقيكي سبتي حتة بسبوسة ولا ففوتة سكر وقعت منك وأنتي بتنظفي؟
طنط نادية لفت وبصتلي بعيون مبرقة، الشك بدأ يدخل قلبها بس معندهاش دليل:
— بسبوسة إيه وسكر إيه يا بت أنتي! أنا بنظف بالديتول! النمل ده طالع بـ المؤامرة!
الموضوع مخلصش هنا.. طنط نادية من كتر العياط والتراب والنمل، حست إن جسمها أكلها، فقالت:
— أنا هادخل أخد دوش يهديني، وشوف يا طارق النمل ده هتعمل فيه إيه، كلم بتوع الرش!
دخلت الحمام، وأنا وطارق وقفنا في الصالة. هو عمال يدور على مصدر النمل وأنا بساعده بـ “منتهى الإخلاص”. فجأة، سمعنا صرخة هزت أرجاء المعمورة! صرخة مأساوية تانية، بس المرة دي كانت أعمق وأقوى بكتير من صرخة الممبار والمش!
الباب بتاع الحمام اتفتح، وخرجت طنط نادية.. وسبحان الله! شعرها الأصفر الهادي اللي كانت بتفتخر بيه، بقا لونه أسود فاحم كحلي، ومبقع حتت وحتت كأنها قطة سيامي ضارباها الكهربا! وشها كان مغسول بالدموع والصبغة السودا كانت سايلة على قورتها وخدودها من أثر المية.
طارق برأ عينه وصرخ:
— أمي!! ماله شعرك؟ هو جرى إيه في البيت ده النهاردة؟!
طنط نادية بصت في المراية اللي في الصالة، وشافت شكلها، وجالها حالة ذهول.. وبدأت تصرخ وتخبط على فخاذها:
— الشامبو!! الشامبو اتقلب حبر! شعري يا طارق! بوظوا شعري! دي هي.. مفيش غيرها! العقربة دي هي اللي عملت كدة!
شاورت عليا بصباعها وهي بتبكي بـ غل. أنا رجعت لورا ودموعي “التمثيلية” نزلت في ثانية، واستخبيت ورا ضهر طارق:
— أنا يا طنط؟ حرام عليكي تظلميني! أنا جيت معاكي هنا؟ ده أنا لسة داخلة مع ابنك حالا! وبعدين أنا إيه اللي هيخليني أعمل كدة في شعرك ولا نيشك؟ هو أنا ساحرة؟
طارق بص لأمه وقال بحسم:
— أيوة يا أمي، شيرين ملهاش دعوة، إحنا لسة داخلين مع بعض، والشامبو ده عندك في الحمام من زمان. ده أكيد الكوافير الغشاش اللي بتجيبي منه هو اللي عبى العلبة صبغة رخيصة. اهدى كدة وخلينا نشوف المصيبة دي.
طنط نادية قعدت على الكرسي وهي بتنهج، السواد مالي وشها وشعرها بقى شبه ريش الغراب. بصتلي نظرة مغلولة، عرفت فيها إنها متأكدة إن أنا السبب، بس طارق بقا في صفّي لأن الخطة كانت محبوكة ومفيش أي أثر يربطني بـ “الجري..مة”.
عدى أسبوع كامل، وطنط نادية مشغولة في تنظيف النيش، وشعرها اللي مبقاش عارفة تضيع سواده إزاي واضطرت تقصه خالص وتلبس إيشارب كاتم طول الوقت. الدنيا هديت شوية في بيتنا، وطارق بدأ يحس إن أمه اتلهت في مشاكلها، فمبقاش يجيب سيرة المفاتيح.
بس أنا مكنتش هاقف لحد هنا. “قرصة الودن” لازم تخليها تسلم المفتاح بإيدها وهي بتبكي.
في يوم الجمعة، طارق قالي إنه هينزل يقعد مع أصحابه على القهوة شوية. انتهزت الفرصة، وطلعت النسخة التانية من المفتاح. المرة دي، الهدف كان “غسيل طنط نادية”.
دخلت الشقة، لقيتها برضه مش موجودة.. كانت عند دكتورة الجلدية بتشوف حل لبقع الصبغة اللي في وشها. دخلت الحمام بسرعة، ولقيت غسيلها الأبيض كله محطوط في الغسالة الهاف أوتوماتيك، وجاهز على التشغيل. طنط نادية كانت حاطة ملايات السرير البيضا، وقمصان طارق القديمة اللي بتعتز بيها، وفوط المطبخ الجديدة بتاعتها.
ابتسمت، وفتحت درج المسحوق اللي كنت خلطت فيه الشبة والزهرة الزرقا الأسبوع اللي فات. زودت الجرعة شوية، وشغلت الغسالة على دورة غسيل طويلة بـ مية سخنة ملهلبة، وسبتها تعيش حياتها.
وقبل ما أخرج من المطبخ، بصيت على الرفوف.. لقيت علب السمنة البلدي والمخللات رجعت تاني تملى المكان كأن مفيش فايدة فيها. قولت لنفسي: “مش هلمس الأكل المرة دي.. بس هعمل حركة تانية”. طلعت من جيبي زجاجة “زيت خروع مركز غير مطيب” (ملين قوي جداً ملوش ريحة ولا طعم)، وفضيت نص الزجاجة في برطمان المش الجديد اللي جابته، والنص التاني في حلة شوربة البط اللي كانت طبخاها وشايلاها في التلاجة.
قفلت الشقة ورجعت بيتي، قعدت حطيت رجل على رجل، وشغلت التلفزيون وأنا بنتظر مكالمة “إعلان الاستسلام”.
على الساعة عشرة بالليل، الباب اتفتح وطارق دخل.. بس وشه المرة دي مكنش غضبان، كان مذهول تماماً وكأنه شاف كائن فضائي. قعد على الكنبة وحط إيده على راسه وقال بصوت واطي:
— شيرين.. البيت عند أمي مسكون، أو فيه حاجة غلط بجد.
— في إيه تاني يا طارق؟ خضتني! طنط نادية جرى لها حاجة؟
— أمي غسلت الملايات والهدوم البيضا النهاردة بمية سخنة.. الملايات كشت وبقت قد فوط المطبخ، ولونها بقا أزرق فاقع شبه لبس العمال! ومش بس كدة.. هي وأختي الصغيرة أكلوا من شوربة البط والمش، ومن ساعتها والبيت فيه حالة طوارئ في الحمام، مش ملاحقين على بعض ومغص هيموتهم! أمي كلمتني وهي بتبكي وبتقول البيت فيه لعنة، وبتقول مش قادرة تقعد فيه!
قمت وقفت، وطبطبت على كتفه بمنتهى الحنان والأسى المصطنع:
— يا حبيبي ألف سلامة عليهم! دي تلاقيها نزلة معوية حادة من الأكل المسبك والمش المكشوف، أنا مش قولتلك الأكل ده سموم؟ والهدوم تلاقيها حطت كلور زيادة بوظ الصبغة. ربنا يشفيها يا رب.. تحب أروح أعملها شوية شوربة خضار دايت وأروح أزورها؟
طارق بصلي بفزع وقال بسرعة:
— لأ! لأ أرجوكي يا شيرين! أمي لما سمعت اسمك صرخت وقالت مش عايزة تشوف وشها ولا تدخل بيتي تاني! دي بتقول إن أنتي وشك نحس عليها من يوم ما دخلتي حياتنا وحاجات غريبة بتحصل!
ضحكت جوايا ضحكة انتصار هزت ضلوعي. الخطوة نجحت بنسبة مية في المية! طنط نادية بقت بتخاف من اسمي، وشافت إن قربها من بيتي أو دخولي شقتها بيجيب لها الكوارث.
قعدت جنبه، ولقيت إن دي اللحظة المناسبة لضربة القاضية. قولتله بنبرة جادة وحاسمة:
— شوف يا طارق.. طالما طنط نادية شايفة إني نحس، وشايفة إن البيوت بقت مش أمان، يبقى الحل واضح وصريح عشان النفوس تهدى وكل واحد يخليه في حاله.
— حل إيه؟
— المفاتيح يا طارق! طالما هي خايفة مني وأنا تعبت من نظرات الشك والاتهامات دي، يبقى مفيش داعي يكون معاها مفتاح شقتنا، ومفيش داعي يكون معايا مفتاح شقتها. كل واحد يقفل بابه عليه، والزيارات تبقى بـ ميعاد وعزومة رسمية، عشان نحافظ على اللي باقي من صلة الرحم بدل ما البيوت تتخرب.
طارق بص للأرض، وفكر شوية.. لقى إن ده الحل الوحيد اللي هيريح أمه ويريحني ويريح دماغه هو شخصياً من الصداع اللي عايش فيه بقاله أسبوعين. طلع من جيبه ميدالية مفاتيحه، وشال منها نسخة مفتاح شقتنا اللي كان واخدها من أمه الصبح عشان “يخبيها”، وحطها قدامي على الترابيزة:
— عندك حق يا شيرين. أهو المفتاح أهو.. وأنا هاقول لها إننا غيرنا الكالون وخلاص عشان متزعلش. وهات الصنف التاني اللي معاكي عشان ننهي الفيلم ده.
مسكت المفتاح في إيدي، وحسيت بنشوة انتصار ملوش مثيل. مملكتي رجعتلي، والتلاجة بقت في أمان، وزن الست نادية هيبعد عن حياتي.
بس وأنا بحط المفتاح في درج البوفيه، افتكرت حاجة.. افتكرت إن طنط نادية لسة معرفتش إن طارق هو اللي أخد منها المفتاح، واكتفت بـ إنها تظن إن البيت “مسكون”. وقولت لنفسي: “الست دي مش هتسكت بالسهولة دي، وأكيد لما تخف من المغص وتشوف شعرها اللي باظ، هتدور على طريقة تانية تنتقم بيها من غير ما تدخل الشقة.. اللعب دلوقتي هيبقى علني وعلى المكشوف!”
وما كدبتش خبر.. تاني يوم الصبح، وأنا بفتح الفيسبوك وببص على الجروب العائلي اللي فيه كل قرايب طارق وعيلته، لقيت بوست نازل من حساب طنط نادية، ومكتوب فيه كلام خلاني أقف في وسط الصالة والدم يغلي في عروقي تاني…
(يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *