اختفاء بقلم منال عباس الثانى والاخير
اختفاء بقلم منال عباس
الثانى والاخير
وقفت قدام الباب مش قادرة أتحرك، كان جوزي اللي المفروض إنه اختفى من سنين واقف قدامي، ملامحه اللي كان بيملاها الغرور والسيطرة زمان بقت باهتة ومكسورة، كأنه عجز عشرين سنة في عشرة، ياسين كان واقف ورايا، إيده على كتفي كأنه بيطمني، وليلى كانت واقفة بصلابة كأنها هي اللي بتحمينا كلنا مش أنا، جوزي حاول ينطق بحرف، صوت بحة الحزن فيه كانت واضحة، قال بصوت مخنوق: عارف إني ماليش وش أقابلكم بيه، وعارف إن اللي عملته ميتغفرش، بس كان لازم أجي، مش عشان أطلب السماح، لكن عشان أقولكم إن الخطر لسه محاوطنا، بصيت له وعينيا مليانة دموع ووجع، قلت له بصوت مهزوز: خطر إيه اللي لسه بتتكلم عنه بعد كل السنين دي؟ دمرت حياتنا، وأخدت ابني مني، وعشت في وهم إنك ميت، والناس هنا كلوا وشنا بالشائعات، كنت فين من كل ده؟ ليلى اتدخلت بهدوء وقالت: يا ماما، هو كان بيحاول يحمينا بطريقته، والناس اللي كانوا بيطاردوه مكنوش هيسيبوا حد يعرف مكانه، هما نفس الناس اللي ياسين شافهم عند النيل، الموضوع أكبر من مجرد تهريب بضاعة، دي عصابة ليها أذرع في كل مكان، والده كمل كلامه، وقال إنه اكتشف في الفترة الأخيرة إن العصابة دي بدأت تدور على الملفات اللي كانت معاه، واللي هو خباها في مكان مكنش حد يتخيله، ياسين فجأة طلع من جيبه مفتاح صغير قديم، مفتاح بيتنا القديم اللي بعناه بعد اختفائه بشهور، قال: بابا مكنش هو اللي مخبي الملفات دي، أنا اللي كنت عارف مكانها، كنت طفل بس كنت فاهم أكتر مما تتخيلوا، في الليلة دي وأنا بهرب، كنت شايل معايا “الأمانة” اللي كانت السبب في كل اللي حصل، قعدنا كلنا في الصالة، والليل كان داخل علينا بظلامه، الجو كان تقيل، كلامهم كان زي طلقات الرصاص اللي بتفكك لغز حياتي، ليلى بدأت تطلع مستندات من شنطتها، أوراق قديمة، صور، وسجلات مالية، قالت إنها في السنين اللي فاتت، وهي بتكبر في بيتي وبتسمع أوجاعي، كانت بتدرس كل خطوة، كانت بتجمع الخيوط اللي مكنش حد شايفها، كانت بتشتغل في الخفاء، حتى وهي بتسمع الناس بتشتمها وبتكتب على بيتها، كانت عارفة إن دي ضريبة الحقيقة، ليلى بصت لي وقالت: يا ماما، أنا مكنتش مجرد طفلة بتسمع، أنا كنت بجمع الأدلة، كنت بدرس حركاتهم، كنت عارفة إني في يوم من الأيام هسلمك الأمانة دي، وهكون سبب في رجوع ياسين، بس اللي مكنتش متوقعاه إن أبو ياسين يظهر دلوقتي، والده بدأ يحكي عن السنين اللي قضاها في برنامج حماية الشهود، وكيف كان بيتم نقله من مكان لمكان، وكيف كان بيراقبنا من بعيد زي الشبح، كان بيشوفني وأنا بنضف باب بيت ليلى، بيشوفني وأنا قاعدة لوحدي في المطبخ، بيشوف ياسين وهو بيكبر في الغربة، بس كان عاجز عن الكلام، الخوف كان خانقه، العصابة دي كانت بتهدده بأي حركة يقوم بيها، بس دلوقت ميزان القوى اتغير، ياسين بص لي وقال: يا أمي، الملفات دي فيها أسماء تقيلة، أسماء ناس في مناصب كبيرة، والنهاردة، بعد ما اطمئنت إنكم في أمان، قررت أفتح النار، ليلى قامت وفتحت لابتوب كان معاها، ورتنا فيديوهات وصور، كانت بتوثق كل حاجة، حسيت إن البيت ده بقى مركز قيادة لمعركة مصيرية، الخوف اللي كان ساكن في قلبي سنين بدأ يتحول لشعور بالقوة، خلاص مفيش هروب، والماضي اللي كان بيطاردنا قررنا إحنا اللي نطاردُه، والده قال إنهم جايين هنا النهاردة، مش عشان يواجهونا، بس عشان ينفذوا تهديدهم الأخير، لأنهم عرفوا إن ياسين رجع، بصيت لهم كلهم، ياسين، وليلى، وحتى الشخص اللي كان جوزي، حسيت إننا عيلة مشتتة اتجمعت عشان تنهي فصل من فصول القهر، ياسين مسك إيدي وقال: يا أمي، اللي جاي مش سهل، بس إحنا مستعدين، ليلى عندها نسخة من كل اللي حصل، ولو حصلنا أي حاجة، الحقيقة هتظهر للدنيا كلها، في اللحظة دي سمعنا خبط على الباب، مش رنات ياسين، خبط قوي وعنيف، خبط ناس مش جاية للزيارة، ليلى بصت لي وقالت بصوت ثابت: جاهزة يا ماما؟ ده وقت الحقيقة، قمت وقفت، مسحت دموعي، وقفت جنب ابني وجنب بنتي اللي اخترتها بقلبي، وفتحت الباب، ولقيت في وشنا اللي مكنتش متخيلة أواجهه غير في كوابيسي، بس المرة دي، قلبي كان ميت، وعيوني كانت بتنطق بتحدي مكنش موجود قبل كدة، المعركة بدأت، والحكاية لسه فيها تفاصيل هتزلزل الأرض تحت أقدام الكل. بقلم منال عباس
الخبط على الباب كان أقوى من إننا نفضل متجمعين في الصالة، حسيت ببرودة بتسري في جسمي لكن ليلى كانت أسرع مني، اتحركت بثبات ووقفت جنب الباب، ياسين وجوزي تبادلوا نظرة سريعة، نظرة رجال عارفين إن ساعة الحساب دقت، ووالده بص لي وقال بنبرة ندم مش هنساه أبدًا: “لو حصل أي حاجة، خليكي ورا ليلى وياسين، هما اللي معاهم طوق النجاة، أنا كنت مجرد غلطة في الحكاية دي”، فتحت ليلى الباب ببطء، ولقينا قدامنا راجلين بملامح قاسية، لابسين لبس داكن، وواضح من نظراتهم إنهم مش جايين يهزروا، واحد فيهم كان بيبص بعينين مشوشة بيحاول يدور على حاجة، وبمجرد ما عينه وقعت على والده، ابتسم ابتسامة صفراء مريبة، وقال بصوت خشن: “أخيرًا لقينا العصفور الهارب”، ياسين مديش فرصة لحد يفتح بقه، طلع من ورا الباب وواقف بطوله وعرضه، صوت خطواته كانت تقيلة ومسيطرة، وقال بثقة: “العصفور مش هارب، العصفور جاي يقفل الحساب”، الراجل التاني حاول يمد إيده لجوه، بس ليلى وبسرعة البرق، كانت مطلعة موبايلها ومشغلة تسجيل واضح فيه أصوات اعترافات وتفاصيل الجري..مة اللي كانوا بيخططوا لها، صوت عالي وواضح ملى أرجاء المكان، والراجلين اتجمدوا في مكانهم، الرعب بدأ يظهر في عينيهم مش خوف من سلا..ح، بس خوف من اللي ممكن يحصل لو الكلام ده وصل للصحافة والشرطة، ياسين قال لهم ببرود: “كل حاجة متسجلة، والنسخ دي موجودة في أماكن متفرقة، لو لمستوا شعرة من أي حد في البيت ده، كل الدنيا هتعرف مين اللي كان بيشغلكم ومين اللي بيحميكم، الأسماء اللي في الملفات دي مش بس هتوديكم في داهية، دي هتوقع رؤوس كبيرة”، كنت واقفة بتفرج وضربات قلبي طالعة ونازلة، ليلى كانت هي العقل المدبر، كانت حاسبة كل خطوة ومجهزة كل فخ، والراجلين بدأوا يتراجعوا لورا، الخوف من الفضيحة كان أقوى من أي تهديد، جوزي تقدم خطوة وقال: “امشوا من هنا، وبلغوا اللي بعتكم إن اللعبة خلصت، وإن اللي كان خايف منكم زمان مبقاش موجود، دلوقتي إحنا اللي معانا أوراق الضغط”، الراجل بصلنا نظرة أخيرة كلها غل وحقد، وكأنه بيحاول يحفظ ملامحنا عشان ينتقم، لكن ياسين قاطعه وقال: “لو فكرتوا بس تقربوا من بيتي، اللي بيني وبينكم مش هيكون كلام، هيكون القضاء”، قفلوا الباب وراهم وسابونا في صمت رهيب، البيت اللي كان دايما متهوم بالشر وبـ “الكذب” بسبب ليلى، أصبح هو حصن الحقيقة اللي هيهد جبروت ناس كتيرة، ياسين التفت لي، حضنني بقوة، وقال: “يا أمي، خلاص، مفيش خوف تاني”، ليلى قعدت على الأرض من التعب، كانت شايلة عبء سنين، عبء إنها تكون المتهمة الوحيدة وهي بتدافع عننا، والده فضل واقف بعيد، كان حاسس إنه غريب وسطنا، رغم إنه السبب في وجودنا، الصمت اللي في البيت كان صمت النصر، صمت الناس اللي عدت من الموت والوجع وطلعت منه بقوة، ليلى رفعت راسها وقالت لي: “يا ماما، إحنا مش بس أنقذنا حياة ياسين، إحنا مسحنا كلمة كذابة من على باب بيتنا ومن على قلبي للأبد”، في اللحظة دي، عرفت إن اللي جاي هيكون بداية لحياة جديدة، حياة مفيهاش هروب، مفيهاش أسرار، حياة بنتي فيها كانت هي البطلة اللي الكل ظن إنها شريرة، وهي اللي أنقذت شرفنا وأماننا من الضياع، الليل كان بيودعنا بضوء الفجر اللي داخل من شباك المطبخ، ضوء شمس جديدة هتبدأ عليها حكايتنا، الحكاية اللي ماكنتش متخيلة إنها هتخلص بلمة عيلة، وإن الأمان اللي فقدته عشر سنين، كان مستنيني ورا باب بيت كان الكل بيبص له باستحقار، ليلى وياسين بقوا هما عمودي البيت، وأنا كنت قاعدة وبحس لأول مرة من عشر سنين إني قادرة أتنفس بعمق، إني قادرة أغمض عيني من غير ما أخاف من خبطة باب أو رنة تليفون، كل شيء كان بيترتب في مكانه، والعدل اللي استنيته سنين، بدأ يفرض نفسه، والناس اللي كانوا بيشاوروا علينا صوابعهم، هما نفسهم اللي هيعرفوا الحقيقة اللي كانت مستخبية وسط سنين من الوجع. بقلم منال عباس
بعد ما قفلنا الباب على الماضي بكل خيباته، الدنيا بره بدأت تتغير وبدأت الحقيقة تظهر زي الشمس بعد عاصفة قوية، ليلى بذكائها الخارق وقدرتها على التخطيط اللي خلى الكل ينبهر، نشرت كل التسجيلات والمستندات على السوشيال ميديا في “تريند” هز البلد كلها، الحكاية اللي كانت الناس بتألف فيها قصص عن البنت “الكذابة” تحولت لقض..ية رأي عام، والأسماء الكبيرة اللي كانت بتتحكم في حياتنا بدأت تتساقط واحد ورا التاني تحت ضغط التحقيقات اللي الشرطة فتحتها بجدية، ياسين بقى حديث الناس، الشاب اللي اختفى طفل ورجع بطل، والكل بدأ يعتذر، مش بس لليلى اللي ظلموها سنين، لكن ليا أنا كمان، ليلى بقت أيقونة للقوة والوفاء، الكل بقى عايز يعرف إزاي طفلة استحملت كل ده لوحدها عشان تحمي “أخوها”، البيت اللي كان مهجور وموصوم بقى مكان تجمع لينا وللناس اللي عرفوا حقيقتنا، جوزي قرر يسلم نفسه للسلطات ويشهد ضد العصابة، وأخد حكماً مخففاً مقابل التعاون الكامل، والنهارده بعد مرور سنة على الليلة دي، قعدنا كلنا في الجنينة اللي ورا البيت، الجو كان جميل وهادي، ياسين وليلى بقوا دايماً مع بعض، بيخططوا لمستقبلهم بعد ما خلصوا دراستهم، ياسين بيبني حياته من جديد، وليلى بقت كاتبة مشهورة بتحكي قصتها، قصتنا اللي علمت الكل إن “الظن” ممكن يهدم حياة ناس بريئة، بس “الحقيقة” مهما طال الزمن لازم تظهر، ليلى بصت لي وضحكت ضحكة من قلبها، الضحكة اللي كنت مستنية أسمعها من سنين، وقالت لي: “يا ماما، إحنا مش بس رجعنا لبعض، إحنا بنينا عيلة أقوى من أي وجع”، ياسين مسك إيدي وباسها وقال لي: “أنا مش هسيب البيت ده تاني، البيت ده بقى رمز لانتصارنا على كل اللي حاولوا يكسرونا”، كنت قاعدة بتفرج عليهم، ابني اللي رجع من الموت، وبنتي اللي اختارتني بكل حب، وحياتي اللي رجعت أجمل بكتير من الأول، مفيش خوف، مفيش خبايا، ومفيش حد يقدر يمسنا بسوء، ليلى فتحت اللابتوب بتاعها، وقالت لي: “عارفة يا ماما؟ الناس لسه بتبعت لي رسايل بيعتذروا فيها، قصتنا بقت درس لكل شاب وشابة إنهم ميسكتوش على حقهم، وإن الوفاء هو أعظم قيمة ممكن يعيشوا بيها”، مسحت دمعة فرح من عيني، وشكرت ربنا على كل لحظة صعبة عدت لأنها هي اللي خلتنا نقدر قيمة اللحظة دي، العيلة دي كبرت بالحب وبالوجع وبالتضحية، واليوم ده مكنش مجرد نهاية لحكاية، ده كان بداية لتريند حقيقي في قلوبنا، بداية لحياة مفيهاش “كذب”، حياة عنوانها الصدق والوفاء، وقبل ما اليوم يخلص، ليلى قامت وفتحت باب البيت، واستقبلت أصحابي اللي كانوا زمان بيقطعوني، وجوا المرة دي عشان يباركونا، والبيت اتملى ضحك وصوت حياة، وحسيت أخيراً إن قلبي ارتاح، إن كل تفصيلة في الحكاية دي كانت مرسومة عشان نكون في اللحظة دي مع بعض، سوا، للأبد، وبدون أي أسرار تانية، النهاية مكنتش مجرد كلمة، كانت واقع بنعيشه كل يوم، والبيت اللي كانت مكتوب عليه كلمة “كذابة” بقى دلوقتي بيت “الحقيقة”، البيت اللي الناس بتجيله عشان تتعلم منه معنى الحب الحقيقي اللي ميعرفش المستحيل، قفلنا الصفحة دي، وبدأنا صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها غيرنا، أنا وياسين وليلى، عيلة واحدة، قلب واحد، وحياة جديدة مليانة أمل، وعشنا كلنا في سعادة وهدوء، والكل اتعلم إن اللي بيبقى جنبك في عز محنتك، هو اللي بيستحق يكمل معاك باقي العمر.
تمت