طردوه من الفندق صافى. هانى الاول
“يا فندم، البنت نايمة في حضنك والورد دبلان في إيدك، فممكن تشوف بنسيون أرخص شوية في آخر الشارع.”
كان إبراهيم منصور واقف مش بيتكلم قدام مكتب الاستقبال الرخام الفخم في فندق “جراند ريجنسي” العريق في قلب وسط البلد بالقاهرة. بنته ليلى، اللي عندها ست سنين، كانت غرقانة في النوم على كتفه من كتر التعب، وهو ماسك بإيده الشمال بوكيه ورد أحمر دبلان.
لمحة، ومقالش ولا كلمة. مش عشان مأخدش باله من الإهانة، لأ، الكلام وجعه وجرح كرامته.
بس ليلى كانت بتتنفس براحة وهدوء في رقبته، مفرهدة وتعبانة بعد ما رحلة طيرانهم اتأخرت تلات ساعات كاملة في المطار. إبراهيم كان عارف اللي يعرفه أي أب شايل حتة من قلبه: لما الطفل ينام أخيرًا بعد عياط وتعب، بتدوس على كبريائك وتستحمل أي حاجة بس عشان ما يقلقش ويفضل نايم مرتاح.
كان لابس جاكيت جلد بني قديم ومقشر من عند الكوع، ودقنه منبتة بقالها تلات أيام، وشايل على كتف واحد شنطة ضهر متبهدلة، مليانة بسكوت وعصير، وتابلت فاصل شحن، وهدوم زيادة للبنت، والعروسة اللعبة اللي ليلى رافضة تسيبها من إيدها من يوم ما والدتها اتوفت.
الورد ده كان شاريه من كشك ورد في المطار أول ما نزلوا.
بكرة بالظبط هيكون عدى تلات سنين على وفاة سارة، مراته وأم بنته. كل سنة في نفس التاريخ ده، إبراهيم متعود يغير ورد الصالون، وليلى هي اللي بتختار الورد بنفسها. كان طقس صغير وعادة هما متمسكين بيها، أصل اللي عايش في حزن على غالي بيبقى محتاج أي ذكرى بسيطة يلمسها تبرد ناره، ويدعيلها بالرحمة والمغفرة وأن ربنا يجمعهم بيها في الجنة.
إبراهيم قال بصوت واطي وهادي: “أنا عندي حجز هنا.. المفروض باسم إبراهيم منصور.”
موظفة الاستقبال، بنت شقراء عاملة شعرها ومنظبطة على الآخر، وحاطة بادج دهبي مكتوب عليه “نيرمين”، بصتله من فوق لتحت بقرف، وبعدين قعدت على الكمبيوتر بتقل ودلع. وجنبها كانت واقفة زميلتها “رانيا”، لابسة يونيفورم شيك ومربعة إيدها وعلى وشها ابتسامة باردة وفيها سماجة.
نيرمين فضلت تكتب على الكيبورد كام ثانية..
”مش شايفه أي حجز بالاسم ده.”
إبراهيم قال وهو لسه محتفظ بهدوءه: “الحجز معمول مباشرة من مكتب الإدارة العامة للشركة.. ممكن تشوفي حجوزات الإدارة العليا؟”
نيرمين نفخت بضيق وبصوت عالي، كأنها بتتحسر على وقتها اللي بيضيع معاه.
”يا فندم الفندق كومبليت الليلة دي، ومفيش ولا أوضة فاضية. عندنا حفلة لشركة كبيرة في القاعة الملكية، ومفيش مكان لمخلوق.”
إبراهيم عدل ليلى في حضنه بالراحة، البنت طلعت صوت صغير وهي نايمة ودفنت وشها أكتر في رقبة أبوها.
إبراهيم قال: “أنا مقدر إن الليلة زحمة.. بس إحنا جايين من سفر طويل والرحلة كانت متعبة جدًا، وبنتي محتاجة تنام على سرير مرتاح. هكون شاكر ليكي لو دورتي تاني.”
رانيا ضحكت ضحكة صفرا وساخرة وقالت: “هو كل واحد يقعد يشتكي ويزن فاكر إننا هنطلعله جناح فخم من تحت الأرض؟”
ونيرمين ماردتش عليها ولا علقت على قلة أدبها، بل بالعكس، قالت بنبرة طرد: “ممكن تشوف أي لوكاندة رخيصة قريبة من المحطة، يمكن تلاقي مكان هناك.”
إبراهيم بصلها بنظرة هادية وراسي.. بس النظرة دي مكنتش ضعف، دي كانت قمة التحكم في النفس.
اللي البنتين دول مايعرفوهوش، إن إبراهيم مش مجرد زبون تعبان وجاي يدور على أوضة ينام فيها.. إبراهيم هو صاحب فندق “جراند ريجنسي” كله!
ده كان واحد من سبع فنادق بتملكهم مجموعته الاستثمارية في السياحة، اللي قعد ١١ سنة يبني فيها من الصفر بجهده وعرقه. بناها قبل ما سارة تمرض، وقبل ما ليلى تكبر وتبدأ تسأله هي ماما راحت عند ربنا ليه ومش هتيجي تاني؟
إبراهيم ما رضيش يعرف الإدارة أو الموظفين إنه جاي يزور الفندق. جه في هدوء، لابس لبس بسيط عشان يشوف الشغل على طبيعته. كان مؤمن بمبدأ بسيط: التقارير والورق بيطلعوا أرقام ونسب، بس طريقة معاملة الموظفين للبني آدم الغلبان اللي فاكرين ملوش ضهر ولا سلطة، هي دي اللي بتكشف الحقيقة والتربية والأصل.
سألها: “طب ممكن أقابل المدير العام للفندق؟”
وش نيرمين اتشد وقالت بحدة: “المدير العام مشغول ووراه شغل كتير، مش هقلقه واشغله عشان حضرتك مش لاقي حجزك.”
في اللحظة دي، خرجت ست في منتصف الخمسينات من باب الخدمة الجانبي، شايلة في إيدها كومة فوط بيضاء نضيفة. شعرها اللي فيه خصلات بيضاء كان ملموم في ضفيرة بسيطة، ولابسة اليونيفورم النبيتي بتاع قسم النظافة.
البادج بتاعها كان مكتوب عليه “أمينة”.
الست أمينة شافت الطفلة اللي نايمة في حضن أبوها، وشافت تعب الراجل الشقيان، وبصت للورد الدبلان اللي في إيده، وبعدين لوشوش موظفات الاستقبال. بالراحة كدة، حطت الفوط على ترولي الشغل وقربت منهم.
وقالت بصوت كله حنية وأمومة: “لا مؤاخذة يا فندم.. خير، في حاجة واقفه معاك؟”
إبراهيم رد عليها: “أهلاً يا حجة.. الحجز بتاعي مش ظاهر عندهم على السيستم الرئيسي.”
الست أمينة لفت لنيرمين وقالت لها: “يا بنتي، دورتي في حجوزات الشركة القابضة والإدارة العليا؟”
نيرمين جزت على سنانها وقالت بضيق: “قولتلك دورت ومش موجود.”
الست أمينة قالتلها برضه بكل أدب وهدوء: “بصي في الخانة الفرعية بتاعة مجلس الإدارة.. ساعات حجوزات الإدارة العليا مابتسمعش في السيستم الرئيسي بتاع الريسبشن علطول.”
رانيا لوت بوزها وبرقت بعنيها وقالت: “جرى إيه يا خالة أمينة؟ اطلعي شوفي شغلك فوق، ده مش قسمك وماتدخليش في اللي مالكيش فيه.”
الست أمينة صوتها ماعليش، وفضلت هادية وقالت بكرامة وأصل طيب: “فعلاً مش قسمي يا بنتي.. بس أب شقيان وتعبان شايل بنته الصغيرة ونايمة على كتفه بالشكل ده، ما يصحش نسيبه واقف في الصالة متبهدل كده، الأصول والدين بيقولوا نكرم ضيفنا ونرحم الصغير، وعشان كده دي بقت حِسبتي وحاجتي أنا كمان.”
نيرمين، والغل باين على وشها، ضربت كام زرار على الكيبورد بعصبية.
♥♥❤♥♥♥♥♥
مرت أربع ثواني بالظبط..
وفجأة، وشها بقى أبيض زي الليمونة، والدم هرب من عروقها، وصوتها اتقطع وهي بتهمس بذهول ورعب:
”الحجز موجود.. الجناح الملكي ٩٠٤.. حجز خاص بالإدارة العليا باسم رئيس مجلس الإدارة.. ومأكد من أسبوعين!”
السكوت والصدمة نزلوا على مكتب الاستقبال زي الصاعقة، والكل اتسمر في مكانه من الإحراج والخوف.
#حكاي
ات_صافي_هاني
يتبع في التعليقات♥♥❤❤♥🌹🌹
نيرمين فضلت باصة للشاشة وعينيها مبرقة، الحروف والكلمات كأنها اتحولت لسكاكين بتجرح عينيها. “رئيس مجلس الإدارة.. إبراهيم منصور”. الاسم اللي مكتوب بحروف ذهبية فوق كل ورق المجموعة الفندقية، هو نفسه الراجل اللي واقف قدامها بجاكيت مقشر وشايل بنته النايمة على كتفه.
رانيا مالت عليها وهي بتضحك بسماجة: “في إيه يا بنتي؟ تنحتي كده ليه؟ اخلصي قوليلو يتفضل يشوف مكان تاني عشان نمشي الليلة دي.”
نيرمين بصوت طالع بالعافية، وركبها بتخبط في بعض: “اقري.. اقري الاسم اللي على الشاشة يا رانيا..”
رانيا قربت وبصت، وفجأة الضحكة الصفرة اتمسحت من على وشها كأن حد لطمها. الدم هرب من وشها بالكامل، وبصت لإبراهيم برعب حقيقي. الغرور والتكبر اللي كان مالي وشوشهم اتبخر في ثانية، وحل مكانه خوف قاتل؛ خوف على لقمة العيش، وخوف من النفوذ اللي ممكن يمحيهم من مجال السياحة كله بكلمة واحدة.
لحظة الحساب.. والزلزال الصامت
إبراهيم فضّل واقف مكانه، ملامحه متأثرتش، ولا مظهرش على وشه أي علامات شماتة أو انتصار. الحزن اللي في عينيه على مراته، والتعب اللي شايله من أجل بنته، كان أكبر بكتير من إنه يفرح في كسرة عين موظفة قاسية القلب.
في اللحظة دي، باب المكاتب الداخلية اتفتح بسرعة، وخرج منه “حازم بيه” المدير العام للفندق، وهو بينهج وبيقفل زرار جاكيت بدلته الغالية بسرعة، ووشه غرقان عرق رغم التكييف المركزي. كان باصص في تابلت في إيده وبيقول بلهفة ورعب:
“نيرمين! السيستم عندي ظهر فيه إن الحساب الشخصي السري لرئيس مجلس الإدارة اتفتح من جهازك حالا! هو إبراهيم بيه وصل؟!”
حازم بيه رفع عينه، وبص للصالة.. عينيه جت على إبراهيم. رغم الجاكيت القديم والدقن المنبتة، حازم عرفه علطول من صوره في اجتماعات المجموعة الكبرى. جري عليه بلهفة وانحنى باحترام شديد وهو بيترعش:
”إبراهيم بيه! يا فندم خطوة عزيزة جدًا.. حمد لله على السلامة! إزاي حضرتك تيجي من غير ما تبلغنا عشان نستقبلك في المطار بما يليق بسيادتك؟”
نيرمين ورانيا كانوا واقفين زي الأصنام، دموع الرعب بدأت تنزل من عين نيرمين، ورانيا كانت حاسة إن أطرافها اتجمدت ومش قادرة ترفع عينها في عينه.
رد الاعتبار والأصل الطيب
إبراهيم بصلحازم بيه وهز رأسه بالراحة وقال بصوت منخفض عشان ليلى ما تقلقش: “الله يسلمك يا حازم.. جيت في هدوء عشان مش عايز أتعب حد، وعشان أشوف الفندق اللي شايل اسمي شغال إزاي في غيابي.”
وبعدين التفت للست أمينة، اللي كانت واقفة بعيد شوية، مذهولة ومبرقة عينها، بس ملامحها كان فيها طيبة وفخر، وفهمت إن ربنا سبحانه وتعالى مبرضاش بالظلم وكسر الخواطر.
إبراهيم قرب من الست أمينة، ومد إيده بالراحة واداها بوكيه الورد الأحمر الدبلان، وقالها بنبرة صوت مليانة احترام حقيقي ونقاوة:
”اتفضلي يا حجة أمينة.. الورد ده ليكي إنتي. إنتي الوحيدة الليلة دي اللي كنتي شبه فندقي، وشبه الأصالة اللي بنيت المكان ده عليها. الورد دبلان بس قلبك إنتي هو اللي صاحي وبيلمع.”
الست أمينة إيديها اترعشت وهي بتاخد الورد، ودموعها نزلت: “ربنا يجبر بخاطرك وينصرك يا بيه.. أنا معملتش غير الواجب وأصول ربنا.”
إبراهيم التفت لحازم بيه وقال بصوت قوي وصارم: “الحجة أمينة من بكرة الصبح مش هتشيل فوط تاني.. الحجة أمينة هتبقى مديرة إدارة الجودة والضيافة الإنسانية في الفندق، ومرتبها يتضاعف تلات مرات.. دي اللي هتعلم الجيل الجديد يعني إيه استقبال وأصول.”
المواجهة الأخيرة.. والقرار الصادم
حازم بيه هز رأسه بسرعة كأنه إنسان آلي: “أمرك يا فندم، يتنفذ فورًا.” وبعدين بص لنيرمين ورانيا بغضب وعصبية: “أما إنتوا الاتنين.. حسابكم معايا…”
إبراهيم قاطعه برفع إيده، وقال بهدوء يرعب: “استنى يا حازم.. الحساب مش معاك إنت.. الحساب معايا أنا.”
بص لنيرمين ورانيا اللي كانوا شبه هيموتوا من الرعب وبيتمنوا الأرض تنشق وتبلعهم. نيرمين قالت وهي بتشهق من العياط: “أنا آسفة يا إبراهيم بيه.. والله العظيم ما كنا نعرف.. إحنا..”
إبراهيم مبصش لدموعهم المزيفة، وقال لحازم ببرود قاتل:
”البنتين دول مش هيرفدوا يا حازم.. الرفد خسارة فيهم، وممكن يروحوا يشتغلوا في مكان تاني ويكرروا قلة أدبهم مع ناس غلابة.”
حازم استغرب: “أفندم؟! تحت أمرك، بس هنعمل إيه؟”
إبراهيم كمل وعينيه لمعت بنظرة حادة: “أنا هسيبهم في شغلهم.. بس من بكرة، يتعدل عقدهم للحد الأدنى للأجور، ويلبسو يونيفورم قسم النظافة، وينزلوا يشتغلوا تحت إيد الحجة أمينة.. يمسحوا الأرضيات ويغسلوا الفوط لمدة سنة كاملة من غير يوم إجازة واحد.. عشان يتعلموا إزاي يحترموا لبس وشقى الناس الشقيانة.. ولو واحدة فيهم غابت يوم أو اشتكت، تترفض وتتعملها “بلاك ليست” تتمنع من دخول أي فندق في مصر.”
نيرمين ورانيا بصوا لبعض بكسرة نفس حقيقية وذهول، العقاب كان قاسي جدًا على كبريائهم المزيف بس هما مجبرين يوافقوا عشان مستقبلهم ميتدمرش.
المفاجأة الكبرى (نقطة التحول)
إبراهيم عدل بنته ليلى على كتفه، وبدأ يتحرك ناحية الأسانسير الخاص عشان يطلع الجناح الملكي 904 يرتاح. حازم بيه مشي وراه بسرعة وهو شايل الشنطة المتبهدلة بتاعته بكل احترام.
وهما واقفين مستنيين الأسانسير، فجأة باب القاعة الملكية الكبيرة اتفتح.. وخرجت منها أصوات المزيكا الصاخبة والضحك العالي بتاعة الحفلة السنوية الكبيرة اللي نيرمين قالت عليها.
وخرج من القاعة راجل في أواخر الثلاثينات، لابس بدلة سموكن فخمة ومفصلة مخصوص، وفي إيده كاس، وحواليه حراسة وناس بتنافقه. الراجل ده أول ما خطى برة القاعة وعينه جت بالصدفة على إبراهيم اللي واقف عند الأسانسير.. ملامح وشه اتغيرت تمامًا!
الكاس وقع من إيده واتشظى ميت حتة على الأرض الرخام، وعينيه أتسعت بذهول وصدمة وخوف مش طبيعي، ورجع خطوتين لورا كأنه شاف شبح!
إبراهيم التفت ببطء لما سمع صوت انكسار الزجاج.. وعينيه جت في عين الراجل ده.
في ثانية واحدة، ملامح الهدوء والبرود اللي كانت على وش إبراهيم من شوية اتمسحت تمامًا، وعروق إيده اللي شايلة ليلى برزت بشدة لدرجة إن الشنطة وقعت من إيد حازم من خضته.. عينين إبراهيم تحولت لكتلة نار وسواد من الغضب الشديد والصدمة.
الراجل اللي لابس البدلة الفخمة وعامل الحفلة الكبيرة في فندق إبراهيم.. مكنش مجرد مستثمر عادي..
الراجل ده كان “شريف”.. أخو مراته الراحلة “سارة”.. والشخص الوحيد اللي إبراهيم بقاله تلات سنين بيدور عليه في كل مكان بعد ما تسبب في الحادثة اللي ماتت فيها سارة وهرب بفلوس الشركة!
شريف بلع ريقه وبص لحراسه برعب وهو بيشوف إبراهيم بيتحرك ناحيته بخطوات ثابتة ومرعبة…