القايمه الضايعة منى السيد الثانى
## الفصل الثالث
الرسالة بتاعة محمود فضلت قدام عينيا، الحروف كأنها نار بتهب في وشي. “ملهاش علاج عندي”.. الكلمة دي كانت بتتردد في وداني زي صوت جرس القطر اللي جاي يدوس على كل حاجة حلوة عشتها معاه. قعدت في أرض الأوضة، وضامة رجلي لصدري، ودموعي نازلة مغرقة هدومي. مكنتش قادرة أستوعب إن في كام ساعة بس، حياتي اتقلبت من استقرار وهدوء لكابوس أسود، والأنقاض بتاعته عمالة تقع فوق دماغي.
بره الأوضة، كان صوت بابا وأخويا وأمي عالي. بابا كان صوته مخنوق بالوجع، عمال يكح ويقول: “يا كسفتي قدام الراجل.. يا سواد وشي منك يا كريمة أنتي وابنك! بقا نتهِم واد الناس ونمس شرفه، والحرامي طالع من توبنا؟”
أخويا أحمد كان بيزعق بعصبية وهو رايح جاي في الصالة: “أنا مش هسكت.. وائل ده لازم ييجي هنا والورقة دي ترجع، وإلا وربنا هروح أعمل فيه بلاغ تزوير وسرقة.. محمود مش هيسيب حقه، والراجل معاه حق في كل كلمة قالها.. إحنا شكلنا بقا زبالة!”
فتحت باب الأوضة وخرجت لهم.. كنت حاسة إن رجلي مش شايلاني. بصيت لأخويا وقلتله بصوت مبحوح: “محمود بيطلقني يا أحمد.. محمود عند المحامي بيكتب قايمة جديدة عشان يرميها في وشنا ويطلقني.. ارتحتوا؟ الشك اللي زرعتوه في قلبي خرب بيتي!”
أمي قربت مني وعينيها مدمعة وقالت: “يا بنتي إحنا كنا بنحافظ على حقك.. مكنّاش نعرف إن أختي هتدب السك..ينة في ضهري وتسرقني.. والله ما كنا نعرف!”
صرخت فيها بوجع: “بس شكيتوا في جوزي! وأنا زي الهبلة مشيت وراكم وشكيت فيه.. لو كنت وقفت في وشكم وقلت محمود مستحيل يمد إيده على حاجة مش بتاعته، مكنش زماننا هنا! أنا اللي ضيعت جوزي من إيدي.”
بابا بصلي وعينيه مليانة انكسار، وقال: “البسي يا منى.. خدي أخوكي وانزلي روحي لمحمود.. روحي هاتي راسه وبوسيها، وقولي له عمك بيقولك حقك على راسي من فوق.. الحقيقة بانت وإحنا اللي غلطانين.”
أحمد قاله: “نروح فين يا بابا؟ محمود مش طايق يسمع اسمنا.. وائل لازم يرجع الورقة الأول عشان نروح ومعانا الدليل في إيدنا ونبقا بنتكلم على نظافة.”
وفعلاً، أحمد مسك تليفونه وقعد يكلم وائل.. الخط كان بيدي مشغول، وبعدين اتقلب غير متاح.. الواد عملنا بلوك وعارف إن السر اتقال! أحمد وشه احمر وعروق رقبتو برزت، لبس الجاكيت بتاعه وقال بحسم: “أنا رايح له البيت.. مش هسيبه غير لما أخد الورقة دي منه، والكلب ده مش هيدمر حياة أختي.”
أحمد نزل، وأنا فضلت قاعدة مع بابا وأمي.. الوقت كان بيمر تقيل زي الجبل.. الساعة بقت تمانية بالليل، وبعدين تسعة، وتليفون محمود لسه مقفول.. بعتله بدل الرسالة مية.. “محمود رد عليا.. محمود عشان خاطري متعملش فينا كدا.. أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك.. محمود أنا غلطانة.” مفيش فايدة.. الشاشة سودا ومفيش أي رد.
على الساعة عشرة، الباب خبط بعنف.. جريت فتحت وأنا فاكرة إن محمود جه.. لكنه كان أحمد.. وشه كان متبهدل، وهدومه متقطعة من عند اللياقة، وعينيه حمرة وبتطلع شرار.
أمي صرخت: “في إيه يا أحمد؟ إيه اللي بهدلك كدا يا بني؟”
أحمد دخل ورمى نفسه على الكنبة وهو بيلهث وقال بغضب: “الندل.. رحتله البيت، لقيت خالتي قاعدة بتعيط وهو قاعد ولا فارق معاه.. أول ما شافني قالي مالكش ورق عندي، والقايمة دي أنا قطعتها خلاص ومش هتشوفوها! مسكنا في بعض والجيران حجزوا بينا.. الواد فاجر يا بابا، ومش عامل حساب لدم ولا لقرابة!”
بابا وقف وهو ساند على عكازه وجسمه بيكلّه: “قطعها؟ قطع قايمة أختك؟ يعني ضيع حقها بجد عشان يداري على قذارته؟”
أحمد قال: “الظاهر كدا يا بابا.. أو يمكن مخبيها في مكان تاني وعايز يلوي دراعنا عشان مانبلغش عنه.. بس أنا مش هسكت، أنا هروح الصبح للمحامي وأشوف هنعمل إيه.”
أنا مكنتش بفكر في الخشب ولا النيش ولا الأجهزة.. كل اللي كان هاممني هو بيتي اللي بيتهد.. قلت لأحمد وأنا بعيط: “ملعون أبو القايمة على أبو الورق! أنا عايزة جوزي يا أحمد.. محمود هيطلقني بكرة.. إنت مش فاهم؟”
أمي قالتلي: “يا بنتي اتقلي.. محمود بيحبك ومش هيفرط فيكي بسهولة.. هو بس زعلان وكرامته وجعاه، وبكرة لما يهدى ويرجعلك حقك هتعرفي تصالحيه.”
بصيت لأمي بذهول وقلت: “إنتي لسه مش فاهمة محمود يا أمي.. محمود راجل، والراجل لما كرامته بتتجرح في شرفه وذمته من مراته بالذات، مابيرجعش.. محمود مش هينسى إني بصيت في وشه ودورت وراه!”
تاني يوم الصبح.. صحيت على صوت رنة تليفوني.. قلبي نط من مكانه لما لقيت الاسم “محمود”.. رديت بسرعة وبلهفة: “محمود! محمود إنت فين؟ أنا أسفة والله العظيم…”
قاطعني صوته.. صوته كان هادي لدرجة مرعبة.. هدوء الموت.. قالي: “خلصتي كلامك يا منى؟”
سكت.. كمل وهو بيقول: “أنا واقف تحت بيت ابوكي.. انزليلي.. ومعاكي بطاقتك.”
قلتله وركبي بتخبط في بعضها: “ليه يا محمود؟ بطاقتي ليه؟”
قال بجفاف: “المحامي بتاعي معايا في العربية.. ومعايا القايمة الجديدة وموثقة.. ومعايا المأذون.. انزلي عشان نخلص كل حاجة بالمعروف، وميبقاش ليكي عندي حاجة ولا ليا عندك حاجة.”
التليفون وقع من إيدي.. صرخت بأعلى صوتي.. أمي وأخويا جريوا عليا.. قلتلهم وأنا بنهار: “محمود تحت.. جايب المأذون وجايب المحامي وعايز يطلقني حالا!”
أحمد وش بابا اتغيروا.. أحمد قال بعصبية: “هو فاكرها سايبة؟ يطلق كدا في الشارع ومن غير ما يحل المشكلة؟ أنا نازل له.”
بابا قاله: “استنى يا أحمد.. أنا نازل معاكم.. محمود ابني وأنا اللي هكلمه.. لازم يفهم إننا عرفنا الحقيقة وإننا بنعتذر له.”
نزلنا كلنا.. السلم كان كأنه ملوش نهاية.. أول ما طلعنا من باب العمارة، شفت عربية محمود مركونة على الجنب.. كان واقف ساند ضهره عليها، ولابس بدلة سودا كأنه رايح مناسبة رسمية، ملامحه كانت خالية من أي مشاعر.. وجنبه راجلين قاعدين في العربية.. المحامي والمأذون.
بابا قرب منه وهو بيمشي ببطء، محمود أول ما شاف بابا، عدل وقفته وبص في الأرض احتراما ليه.. بابا قاله بصوت تعبان: “محمود يا بني.. حقك عليا أنا.. أنا اللي شايب وعشت عمري كله بحافظ على سمعة بيتي، وغلطت لما سمحت للشك يدخل بينا.. الحرامي طالع من عندنا يا بني.. أختي وابنها هما اللي سرقوا الورقة.. إنت بريء وأشرف مننا كلنا.”
محمود بص لبابا وعينيه لمعت بدموع كتمها بسرعة، وقال بنبرة مليانة وجع: “على راسي يا عمي.. وإنت فوق راسي من فوق وعمري ما هنسى فضلك عليا.. والسرقة دي خلاص مقتلتنيش، لأن ربنا ظهر الحق وبان مين الشريف ومين الحرامي.. بس الموضوع مبقاش موضوع سرقة يا عمي.”
محمود وجه نظره ليا.. كانت أول مرة يبص في عينيا من يوم الأزمة.. نظرته كانت باردة وتوجع أكتر من السك..ينة.. قالي: “الموضوع إن بنتك شافتني حرامي.. بنتك اللي بنام معاها في بيت واحد، وبأمنها على سري وفلوسي واسمي، أول ما الورقة ضاعت، دماغها راحت عليا علطول.. شكت في ذمتي.. وقفت قدامي وهي بتحقق معايا كأني مجرم مقبوض عليه في تلبس!”
قلتله وأنا بقرب منه وبمسك في كم جاكتته والدموع مغرقة وشي: “محمود عشان خاطري.. أنا كنت دايخة وتعبانة وأهلي كلهم كانوا بيكلموا فوق دماغي.. الإيصال كان دليل ضدي وضدك.. أنا عمري ما كرهتك ولا تمنيت السوء ليك.. سامحني يا محمود.. متهدش بيتنا عشان لحظة غباء مني!”
شال إيدي من على كم جاكتته بالراحة بس بحسم، وقال: “لحظة الغباء دي يا منى ورتني قيمتي عندك.. أنا لو كنتي جيتيلي وقلتيلي يا محمود أهلي شاكين فيك عشان الإيصال، كنت هاخدك من إيدك وننزل نوضح لهم.. لكن إنتي جيتي وباصة في عيني وبتسأليني “عملت إيه فوق لوحدك؟”.. إنتي كنتي بتدوري على إدانتي مش بتبلغيني!”
المحامي نزل من العربية ومعاه شنطة سودا، طلع منها ورقة كبيرة وقال: “اتفضل يا حج.. دي قايمة جديدة محمود بيه كتبها للمدام.. مكتوب فيها كل الأجهزة والمصاغ بضعف تمنها الحالي في السوق.. وممضية ومبصومة منه ومن اتنين شهود وموثقة.. عشان تضمنوا حقكم كامل مكمل.”
أحمد أخويا اتنرفز وزق إيد المحامي وقال: “إحنا مش عايزين ورق! إحنا مش بتوع فلوس يا محمود! إنت جاي تذلنا بالقرشين بتوعك ولا إيه؟”
محمود زعق لأول مرة وصوته هز الشارع: “أنا مش بذل حد! أنا بشتري كرامتي اللي ددستوا عليها! بشتري شرفي اللي لوثتوه في عيلتكم وفي منطقتكم! الورق ده حق أختك عشان لما تطلق محدش يفتح بوقه ويقول محمود أكل حقها.. أنا راجل وبطلع راجل لأخر لحظة!”
المأذون نزل من العربية وبص لبابا وقال: “يا جماعة استهدوا بالله.. الصلح خير.. والطلاق ده أبغض الحلال.. ملوش لزمة التسرع.”
محمود بص للمأذون وقال: “اكتب يا مولانا.. أنا مش هرجع في كلمتي.. منى طالق..!”
الكلمة طلعت من بوقه، وحسيت إن الهوا اتقطع عني.. وقعت في الأرض ومحستش بحاجة بعدها.. الدنيا اسودت تماماً.
مفوقتش غير وأنا في شقة بابا.. نايمة على السرير، وجنبي أمي بتعيط وبتمسح على راسي بمية، وبابا قاعد على الكرسي وحاطط إيده على قلبه وشكله تعبان جداً..
أول ما فتحت عيني، بصيت حواليا وصرخت: “محمود فين؟ محمود طلقني بجد؟”
أمي عيطت وقالت: “حسبي الله ونعم الوكيل.. طلقك يا بنتي وركب عربيته ومشي.. ساب القايمة الجديدة والمؤخر ومشي.. سابنا في فضيحتنا وكسرتنا.”
أخويا أحمد دخل الأوضة ووشه قالب أسود، وقال بصوت مكتوم: “محمود طلق طلقة أولى غيابي عند المأذون وساب الورق.. الموضوع خلص يا منى.. محمود قفل الباب ده بالضبة والمفتاح.”
أنا قمت من على السرير زي المجنونة.. مكنتش شايفة قدامي.. الوجع اتقلب لغل وكره لعيلتي.. للسبب اللي خلاني في الموقف ده.. بصيت لأخويا وقلتله: “ووائل؟ ووائل ابن كريمة اللي خرب بيتي؟ هيفضل قاعد في بيته متهني ومراته معاه وإنا بيتي يتخرب؟”
أحمد قال وعينيه فيها شر: “وربنا ما هسيبه.. أنا نزلت عملت فيه محضر سرقة وتزوير حالا في القسم.. وقدمت شهادة أمي وشهادتك على اللي سمعناه من خالتي.. والشرطة دلوقتي بتدور عليه.”
مر يومين وأنا عاملة زي الجثة.. مباكلش ومبشربش.. تليفون محمود اتقفل تماماً، وعرفت من حماتي (اللي اتصلت بيا وسمعتني كلام زي السم) إن محمود لم هدومه وساب الشقة وقرر يسافر يشتغل في فرع شركته الجديد في مرسى علم.. هرب من المكان كله ومن السيرة كلها.
وفي اليوم الثالث بالليل.. الباب خبط..
أحمد فتح.. وكانت الصدمة الجديدة..
خالتي كريمة داخلة، بس المرة دي مش بتعيط ولا بتترجى.. المرة دي داخلة وعينيها مليانة غل وجبروت، ووراها اتنين رجالة شكلهم يخوف.. من بتوع المشاكل!
خالتي وقفت في نص الصالة وزعقت بأعلى صوتها: “فينك يا حج؟ فين الشهم اللي بايع أخته ورايح يبلغ عن ابن أخته عشان خاطر حتة واد غريب طلق بنته ورمى لها القرشين؟”
بابا خرج وهو ساند على أحمد وقالها بصوت مرعش: “إنتي ليكي عين تيجي هنا يا كريمة؟ بعد ما سرقتي بنتي وخربتي بيتها؟”
خالتي ضحكت بسخرية وقالت: “بيتها اتخرب عشان هي خايبة وجوزها ميسواش! لكن ابني وائل مش هيتحبس.. المحضر اللي عملتوه ده هتشربوا ميته.. وأنا جاية هنا عشان أقولكم.. القايمة القديمة اللي قالبين الدنيا عليها؟ وائل مش بس مقطعهاش.. وائل استخدمها بجد! وصاحبه ضرب الأسامي، والورقة دلوقتي مع ناس تقال.. ناس ليهم فلوس عند وائل.. وهيرفعوا بيها قض..ية على محمود جوز بنتك بتهمة تبديد الأجهزة اللي مكتوبة فيها!”
أنا طلعت جِري من الأوضة وقلت لها بذهول: “إنتي بتقولي إيه؟ يرفعوا قض..ية على محمود؟ محمود ملوش ذنب! محمود طلقني أصلاً!”
خالتي بصتلي بلؤم وقالت: “ما هي القايمة القديمة ممضية ومبصومة منه يا حبيبتي.. والأسامي اتغيرت بس إمضته وبصمته لسه موجودة تحت.. والناس اللي معاهم الورقة هيلبسوا محمود قض..ية تبديد وه يحبسوه.. إلا إذا..!”
أحمد زعق: “إلا إذا إيه يا حرباية أنتي؟ اخلصي!”
خالتي شارت على الرجالة اللي معاها وقالت ببرود: “إلا إذا رحتوا القسم دلوقتي حالا.. سحبتوا البلاغ اللي ضد وائل.. وتكتبوا إقرار إنكم لقيتوا القايمة وإن الموضوع كان سوء تفاهم.. وباباكي يدفع لوائل الميتين ألف جنيه اللي عليه للناس عشان يرجعوا الورقة الأصلية لمحمود.. وإلا بقا.. جوز بنتك الشريف العفيف.. هيدخل السجن بسبكم وبسبب بصمته اللي على الورقة القديمة!”
الكلام نزل علينا كأنه قنبلة.. عيلتي مش بس خربت بيتي.. دي دلوقتي بتهدد بحبس الراجل اللي ظلمناه.. الراجل اللي مشي وسابنا ومالوش أي ذنب..!! وبابا مطالب يدفع ميتين ألف جنيه من قوتنا عشان ينقذ ابن أخته الصايع.. أو يسيب محمود يتدمر بسبنا للمرة التانية..!!
بصيت لبابا اللي بدأ يتنفس بصعوبة وإيده تترعش.. وبصيت لأحمد اللي مد إيده في جيبه وطلع مطواة وقرب من الرجالة.. والدنيا بقت على شفا مجزرة في صالة بيتنا..!!
## الفصل الرابع
الصالة في ثواني تحولت لساحة حرب، أحمد أخويا كان ماسك المطواة وعينيه طالع منها شرار، والرجالة اللي مع خالتي كل واحد فيهم حط إيده ورا ضهره والجو بقا مكهرب.. أمي بقيت تصرخ وتلطم وتلم الجيران علينا، وبابا وائل ضغطه عِلي وفجأة لقيت عكازه فلت من إيده ووقع في الأرض وهو بيمسك صدره وبيكتم نفسه.
جريت على بابا وأنا بصرخ: “بابا! الحقني يا أحمد بابا بيضيع!”
أحمد بص لبابا والدموية اللي في عينيه اتقلبت لرعب، رمى المطواة من إيده وجري سَند بابا اللي كان وشه أزرق ومش قادر ياخد نفسه. خالتي كريمة لما شافت المنظر، خافت والرجالة اللي معاها سحبوها لبره، وقالت وهي بتجري على السلم: “معاكم لغاية بكرة الصبح.. يا تسحبوا البلاغ وتجيبوا الفلوس، يا إما محمود هيلبس القض..ية والكلاب هتاكله في السجن!” وقفلوا الباب وراهم.
أحمد شال بابا معايا ونزلنا بيه جِري في الشارع، ركبنا أول تاكسي وقضينا الليلة كلها في طوارئ المستشفى.. الدكتور قال جاله ذبحة صدرية خفيفة بسبب الزعل والضغط العصبي، ولازم يفضل تحت الملاحظة في الرعاية المركزة كام يوم.
أنا كنت قاعدة على كرسي الممر في المستشفى، حاطة راسي بين إيدّيا وبموت في المية مرة.. الغل كان بيأكل في قلبي.. عيلتي اللي المفروض تكون سندي، هي اللي دمرتني.. خالتي وابنها خربوا بيتي، ودلوقتي بيموتوا أبويا، وعايزين يحبسوا محمود! محمود اللي ملوش أي ذنب في القذارة دي كلها غير إنه اتجوزني!
على الساعة خمسة الصبح، أحمد جه قعد جنبي، وشه كان دبلان وعينيه من كتر الدموع بقت حمرة.. بصلي وقال بصوت مكسور: “هنعمل إيه يا منى؟ بابا بين الحيا والموت.. والميتين ألف جنيه دول مش معانا.. إحنا لو بعنا الشقة مش هتلحق تجيب الفلوس قبل بكرة.. ووائل الندل مش هيسمي على محمود.”
مسحت دموعي بكم عبايتي، وفجأة حسيت بقوة غريبة نزلت عليا.. قوة الوجع لما بيتحول لانتقام.. قلت لأحمد بصوت جامد: “محمود مش هيتحبس يا أحمد.. محمود لو جرى له حاجة بسبنا، أنا مش هعيش فيها يوم واحد.. إحنا لازم نكلم محمود ونقوله.”
أحمد بصلي بذهول: “نكلمه؟ نقوله إيه؟ نقوله إحنا مش بس شكّينا فيك وطلقنا أختنا، إحنا كمان لبسناك قض..ية تبديد وهنحبسك؟ محمود هيفتكر إننا بنبتزه يا منى!”
قلتله بصرامة: “محمود لازم يعرف عشان ياخد حذره.. هو معاه محامي شاطر، والورقة دي اتضربت بالكمبيوتر يعني تزوير، وهو يقدر يدافع عن نفسه.. ومحمود لازم يعرف حقيقة عيلتنا للآخر عشان يكرهني بجد وينساني.”
طلعت تليفوني.. ومبقاش يهمني بقا عامل لي بلوك ولا لأ.. رحت على صفحة أخته الكبيرة “شيماء”.. شيماء كانت دايماً عاقلة وبتحبني.. بعتلها رسالة صوتية طويلة، حكيت لها فيها كل حاجة من طقطق للسلام عليكم.. حكيت لها عن خالتي وعن وائل وعن الورقة اللي انضربت والتهديد بالحبس.. وقلت لها: “يا شيماء، خدي المقطع ده سمعيه لمحمود حالا.. قولي له يلحق نفسه ويشوف المحامي بتاعه.. إحنا مش عايزين منه حاجة وهو طلقني وخلاص، بس مش هسمح إن حق محمود يضيع بسبنا.”
مرت الساعات تقيلة.. تليفون أحمد رن على الساعة اتناشر الضهر.. وكان رقم غريب.. أحمد رد، ولقيته وقف مرة واحدة وجسمه اتشد، وقال: “محمود؟”
أنا نطيت من مكاني ووقفت جنبه.. أحمد فتح الإسبـيكر.. وصوت محمود جه.. بس المرة دي مكنش هادي زي يوم الطلاق.. صوته كان مليان غضب وزئير زي الأسد المجروح.. قال لأحمد: “أنا سمعت الـفويـس اللي أختك بعتته لشيماء.. الكلام ده بجد يا أحمد؟ الكلب اللي اسمه وائل ده زور إمضتي وبصمتي وباع الورقة؟”
أحمد قال بصوت مخنوق: “والله العظيم بجد يا محمود.. وإحنا في المستشفى وبابا في الرعاية المركزة بسببه.. وخالتك جت هددتنا وقالت يا تدفعوا ميتين ألف وتسحبوا البلاغ يا محمود هيتحبس.. إحنا أسفين يا محمود.. أسفين بجد.”
محمود ضحك ضحكة قوية هزت السماعة وقال: “تتأسفوا على إيه؟ إنتوا فاكرين محمود عيل وهيتحبس بورقة مضروبة؟ أنا محمود السيوفي يا أحمد! وأنا صابر عليكم من الأول عشان خاطر عمي وعشان العشرة.. لكن لغاية الشرف واللعب بالبيوت والسجن، يبقا الحساب هيجمع!”
أحمد سأله بلهفة: “هتعمل إيه يا محمود؟”
محمود قال بحسم: “خليكم جنب أبوكم في المستشفى.. ومحدش فيكم يروح القسم ولا يسحب بلاغات.. والكلب ده والناس اللي معاه، أنا هعرف أربيهم بطريقتي.. وقسماً بالله ما هسيب حق كرامتي ولا حق عمي اللي نايم في المستشفى بسببهم.” وقفل السكة.
الرسالة دي كأنها ردت فينا الروح شوية.. محمود مش هيسكت.. بس الخوف كان لسه مالي قلبي.. يا ترى وائل والناس اللي معاه هيعملوا إيه؟ دول ناس بتوع مشاكل وسوابق.. ومحمود راجل شريف وبتاع شغل، هيقدر يقف قدام السواد ده كله؟
تاني يوم الصبح.. بابا بدأ يفوق والحمد لله الدكتور طمّنا إن حالته استقرت بس لازم يبعد عن أي زعل.. كنا قاعدين حواليه في الأوضة أنا وأمي وأحمد، وبنحاول نبتسم ونصتنع الهدوء عشان ميتعبش تاني..
وفجأة.. تليفون أحمد رن تاني.. وكان محمود برضه!
أحمد رد بسرعة: “إيه يا محمود؟ طمني؟”
محمود قاله بنبرة فيها نصرة وشماتة ملوش مثيل: “اطلعوا بره أوضة عمي وكلموني.”
خرجت أنا وأحمد في الممر.. محمود قالنا: “انزلوا دلوقتي حالا على قسم الشرطة.. وائل اتمسك.. هو والصاحبه اللي بيضرب الورق.. والناس اللي كانوا شاريين القايمة القديمة!”
أنا شهقت من الفرحة والخوف: “اتمسكوا إزاي يا محمود؟”
محمود حكى لنا وهو بيتفّس براحة: “أنا من ساعة ما قفلت معاكم مالمستش الأرض.. رحت للمحامي بتاعي، وطلعنا على مباحث الأموال العامة ومكتب مكافحة التزوير.. وقدمت بلاغ رسمي.. وبمساعدة معارفنا، عملنا كمين لوائل والناس اللي معاه.. بعتنا لهم واحد تبعنا على أساس إنه عايز يشتري قوايم مضروبة وتوصيلات أمانة عشان يهدد بيها ناس.. ووائل طمع ورايح يسلم الورق بنفسه في الكافيه.. والشرطة كبست عليهم وكلهم مقبوض عليهم متلبسين بالورق والمعدات اللي بيزوروا بيها!”
أحمد بقا يكبر ويقول: “الله أكبر! الحمد لله يا رب.. الحمد لله الحق ظهر!”
محمود كمل وقال بصوت رجع جاف وتعبان: “أنا عملت كدا عشان نفسي وعشان عمي ميموتش بحسرته.. وائل وصاحبه لابسين قض..ية تزوير جنائية مش هيرجعوا منها قبل سبع سنين سجن.. والقايمة القديمة بتاعتك يا منى اتحرزت في النيابة وبقت باطلة ومفيش مخلوق يقدر يستخدمها ضدنا.. حقكم وحقي رجع.. ومن هنا ورايح.. إحنا ملناش علاقة ببعض.. الورق اللي بيني وبينك خلص، والمأذون هيسلمكم ورقة الطلاق الرسمية الأسبوع الجاي.”
الجمْلة الأخيرة دي نزلِت عليا زي السكي..نة اللي قطعت حبل الفرحة في ثواني.. دموعي نزلت تاني.. قلتله بصوت بيترعش: “محمود.. عشان خاطر ربنا.. بلاش تطلقني.. أنا عارفة إني غلطت.. بس إحنا كشفنا الحرامي وخلاص والموضوع خلص.. بلاش تضيع حبنا عشان غلطة!”
محمود سكت كام ثانية.. سكوت تقيل أوي.. وبعدين قال بنبرة مكسورة بس حاسمة: “الحب لو مفيش معاه أمان وثقة، يبقا ملوش لازمة يا منى.. أنا كل ما هبص في وشك، هفتكر إنك في يوم من الأيام صدقتي إني حرامي وسرقت أبوكي.. هفتكر نظرة الشك اللي في عينك.. الجرح ده مبيلمش.. ربنا يوفقك في حياتك.. ومع السلامة.”
الخط قطع.. والمرة دي حسيت إن القطع كان في قلبي أنا..
أحمد خدني في حضنه وأنا بنهار وببكي بأعلى صوتي في ممر المستشفى.. الدكاترة والممرضات بقوا يبصوا علينا.. بس مكنش هاممني حاجة.. الحقيقة ظهرت كاملة.. وائل هيتحبس وخالتي اتمسحت بكرامتها الأرض وبقت فضيحتها بجلاجل في العيلة كلها.. وحقنا رجع.. بس الثمن كان غالي أوي.. غالي لدرجة تكسر الظهر.
بعد يومين.. بابا خرج من المستشفى ورجع البيت.. البيت كان فاضي ومطفي.. مفيش فيه الروح اللي كانت موجودة من أسبوع بس.. كنا قاعدين في الصالة ساكتين.. وفجأة الباب خبط.
أحمد فتح الباب.. ولقينا واحدة ست واقفة.. ملامحها تعبانة وبتعيط.. مكنتش خالتي كريمة.. دي كانت “مي” مراته الجديدة لوائل! البنت اللي وائل سرق القايمة عشانها وعشان يداري على بلاويه قدام أهلها!
دخلت ورمت نفسها تحت رجل بابا وهي بتبكي وتصرخ: “استروا عليا يا حج.. بوس إيدكم استروا عليا وعلى ابني اللي في بطني! وائل اتمسك والنيابة أمرت بحبسه أربعة أيام.. وأهل بيتي لما عرفوا بفضيحة التزوير والسرقة، أبويا قالي هطلقك منه حالا وأخواتي رايحين يرفعوا عليه قضايا بالوصولات اللي معاهم.. أنا حياتي بتتخرب يا حج!”
بابا بص لها بعين حزينة وقالها: “يا بنتي.. وائل هو اللي خرب بيته بإيده.. سرق حق بنت خاله وظلم واد الناس وزور ورق رسمي.. أنا ماليش يد في حبسه.. دا حق الحكومة وحق محمود السيوفي.”
مي وقفت وبصتلي وعينيها شريرة وقالت بنبرة تهديد وغل: “محمود السيوفي؟ محمود اللي إنتوا فاكرينه شريف وبيدافع عن حقه؟ إنتوا لسه مش فاهمين حاجة! القايمة القديمة اللي اتمسكت مع وائل في الكمين.. مكنتش القايمة الوحيدة اللي وائل خدها من درج أبوكي يا منى!”
جسمي كله نمل.. وقفت وقلت لها برعب: “يعني إيه؟ وائل خد إيه تاني؟”
مي ضحكت بوجع وغل وقالت الصدمة اللي خلت الدم يقف في عروقنا للمرة الألف: “وائل وهو بيقلب في درج أبوكي.. لقى ملف قديم مخبيينه عنك من سنين.. ملف فيه ورق رسمي وعقد بيع قديم.. يثبت إن الشقة اللي محمود جوزك اشتراها وعشتوا فيها سنة ونص.. الشقة دي أصلاً مكتوبة باسم محمود من أبوه.. بس أبوه كان بايعها لأبوكي إنتي يا منى من عشر سنين بعقد ابتدائي عشان يسد دين عليه! يعني الشقة دي ملك لأبوكي مش لمحمود.. ومحمود كان عارف وعمل نفسه شاريها عشان يضحك عليكي وياخد الشقة والورق!”
بصيت لبابا بصدمة.. لقيت بابا وشه اتقلب أصفر.. ونزل راسه في الأرض ومقدرش يتكلم..!! يعني بابا كان مخبي عليا السر ده؟ ومحمود جوزي طلع وراه حكاية تانية؟
المصيبة مكنتش قايمة ضاعت.. المصيبة كانت عيلة كاملة عايشة على الأسرار والكذب..!! وباب الفصل الأخير انفتح على كارثة أكبر..!!
