الساعة 5 الفجر

الساعة كانت خمسة الفجر لما قلت لجوزي إني مش هقوم أعمل الفطار لأمه فشدني من السرير ورماني على الأرض، وأمه كانت واقفة بتبتسم وقالت
أخيرًا هتتعلمي مقامك!
وقعت على الأرض، وجسمي كله وجعني، لكن بدل ما أعيط أو أترجاه طلعت موبايلي، صورت اللي حصل، سجلت الساعة، وكتبت كل حاجة بالتفصيل.
وبعدها خرجت من البيت بشنطة واحدة بس.
تلات أسابيع بالظبط
رجعت تاني على عزومة عائلية.
لكن المرة دي كان في إيدي دبلة جوازي، وتقرير طبي، وملف مليان ورق.
وأول ما حطيت الملف على الترابيزة
الكل سكت.
حتى حماتي اللي كانت دايمًا بتتكلم بصوت عالي ماعرفتش تنطق بكلمة.
الجزء الأول
اصحي يا سارة الساعة خمسة الفجر، وماما مستنياكي تعمليلها الفطار.
فتحت عيني بالعافية، ومش فاهمة هو بيكلمني ليه في الوقت ده.
كان جوزي، كريم، واقف جنب السرير لابس هدومه، وواضح إنه صاحي ومستعد ينزل.
بصيت وراه
لقيت أمه، سهير، واقفة في طرقة الشقة، لابسة إسدال بيت لونه نبيتي، وباصالي بنظرة باردة.
قلت وأنا نص نايمة
أنا نمت الساعة اتنين ونص مش هقوم أعمل فطار دلوقتي.
لفيت ضهري وغطيت نفسي.
لكن كريم ما سكتش.
شد البطانية من عليا بعنف.
قومي يا سارة.
قولتلك مش هقوم.
وفجأة مسكني من دراعي وشدني من السرير.
جسمي اتزحلق، وخبطت جنبي في الكومودينو، وبعدها وقعت على الأرض.
الألم كان شديد لدرجة إني للحظة ماقدرتش آخد نفسي.
رفعت عيني لكريم وأنا مستنية منه يساعدني أو حتى يسألني إذا كنت كويسة.
لكن أمه كانت واقفة ورا منه
وبتبتسم.
وقالت بمنتهى البرود
أهو كده يا ابني أخيرًا هتعلّمها مقامها.
بصيت لكريم وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
لكنه بدل ما يمد إيده يساعدني، أشار ناحية المطبخ وقال
قومي اعملي لماما بيض، وبلاش دور الضحية اللي بتعمليه كل شوية.
في اللحظة دي موبايلي اهتز.
مديت إيدي وخدته.
فتحت الرسالة
وأول ما قريتها،
الخوف اللي كان جوايا اتغير.
بقى عندي إحساس غريب بالهدوء.
لأني فجأة عرفت إن الخروج من البيت بقى ممكن.
قبل اللي حصل ده بأسبوعين، كنت من غير ما كريم أو أمه يعرفوا، بدأت أدور على مكان أروحله.
كل حاجة كانت بدأت من حوالي 11 أسبوع.
وقتها حماتي سهير قالت إن ماسورة انفجرت في شقتها في شبرا، وإن الحمام محتاج يتكسر ويتعمل من الأول، وإن الموضوع مش هياخد أكتر من
تلات أسابيع بالكتير.
أنا وكريم كنا عايشين في شقة تمليك في مدينة نصر، ولسه بندفع أقساطها.
الاتنين كنا بنشتغل وبنشارك في المصاريف.
أنا كنت شغالة في قسم المرتبات والموارد البشرية في شركة كبيرة، وكريم كان مدير مبيعات في شركة تانية.
لما قال إن أمه محتاجة مكان تقعد فيه، وافقت.
قلت لنفسي
دي أمه يعني مش هسيبها في الشارع.
حوّلت أوضة المكتب الصغيرة بتاعتي لأوضة ليها، ولميت حاجتي وحطيتها في أوضة النوم بتاعتنا.
في أول أسبوع الدنيا كانت ماشية عادي.
كانت بتطلب حاجات بسيطة
يا سارة، هاتيلي الشاي.
يا سارة، حطي الهدوم دي مع الغسيل بتاعك.
يا سارة، بكرة عايزة الفطار الساعة سبعة.
كنت بعمل اللي أقدر عليه.
لكن بعد شوية
الطلبات بقت أوامر.
وفي يوم كنت قاعدة في مكالمة شغل مهمة، وهي دخلت عليا من غير خبط.
سارة.
بصيت لها وأنا على الميتنج.
قالت
القهوة خلصت.
حاولت أشاور لها تستنى شوية.
لكنها فضلت واقفة قدامي مستنية.
خلصت المكالمة بالعافية.
وبالليل، كريم دخل يكلمني.
ماما بتقول إنك زعلتيها.
بصيت له باستغراب.
زعلتها إزاي؟
دخلت تطلب منك قهوة، وإنتِ عملتي لها حركة بإيدك كأنها بتعطلك.
يا كريم، أنا كنت في ميتنج شغل!
رد بكل بساطة
ما إنتِ شغلك من البيت ما تكبريش الموضوع.
الجملة دي
ما تكبريش الموضوع.
بقت الرد الرسمي بتاعه على أي حاجة بتحصل.
حماتي تقلل من شغلي وتقول
يعني إيه شغلانة دي؟ قاعدة قدام اللابتوب تدوسي كام زرار!
كريم يضحك.
تطلب مني حاجات طول اليوم
كريم يقول
معلش دي أمي.
تدخل في خصوصياتي
يقول
ما تعمليش مشكلة.
ومرة قالت قدامي
الراجل المتجوز عيب يفضل يكوي هدومه بنفسه. مراته المفروض تخدمه.
بصيت لكريم مستنية يقول أي حاجة.
لكنه سكت.
وبعدين ضحك كأنه سمع نكتة.
التلات أسابيع خلصوا.
وبقوا خمسة.
وحماتي لسه قاعدة.
في ليلة، وإحنا بنتعشى، حطيت المعلقة على الطبق وقلت بهدوء
من بكرة كل واحد كبير في البيت يعمل فطاره لنفسه. لو أنا هعمل فطار للكل، مفيش مشكلة، بس مش هصحى قبل ميعادي مخصوص عشان أنفذ طلبات.
حماتي سابت المعلقة من إيدها.
وبصت لي من فوق لتحت.
وقالت
في عيلتنا الست بتعرف تخدم بيتها من غير ما تحس إنها خدامة.
وبعدين ابتسمت ابتسامة مستفزة وقالت
بس يمكن إنتِ اتعودتي على حاجة تانية عند أهلك.
الكلمة وجعتني.
لكن اللي وجعني أكتر كان رد كريم.
بص لي بغضب وقال
إنتِ إزاي تكلمي أمي بالطريقة دي؟
ساعتها سكت.
دخلت أوضتي وقعدت لوحدي.
ولأول مرة في حياتي سألت نفسي سؤال عمري ما كنت متخيلة إني هسأله
لو اضطرّيت أسيب البيت هروح فين؟
تاني يوم بعت لزميلتي ندى رسالة.
قلت لها
ندى، تعرفي حد مأجر أوضة أو استوديو صغير؟
ردت عليا بعد شوية
خالتي كانت مأجرة استوديو صغير في فيصل، بس للأسف لسه حد ساكن فيه.
قلت لها
تمام، أنا بس بسأل.
ماحبتش أقول لها السبب الحقيقي.
ولا حتى حكيت لها عن اللي بيحصل في البيت.
كنت لسه بحاول أقنع نفسي إن الأمور ممكن تتحسن.
لكنها ما اتحسنتش.
بالعكس
كل يوم كان أسوأ من اللي قبله.
لحد ما جه اليوم اللي حماتي قالت فيه إنها هتروح شقتها الصبح بدري عشان تتابع شغل السباك.
وقبل ما تنام، قالت بمنتهى الجدية
أنا عايزة الفطار الساعة خمسة.
بصيت لها.
خمسة الصبح؟
قالت
أيوه. عندي مشوار بدري.
بصيت لكريم.
كنت مستنية منه يقول لها
يا ماما خليها تنام.
لكنه كان ماسك موبايله وقال
حاضر يا أمي.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
قلت
أنا مش هقوم الساعة خمسة أعمل فطار.
رفع عينه من الموبايل وقال
بجد هتعملي مشكلة عشان كام بيضة؟
ما رديتش.
دخلت أوضتي.
وقبل ما أنام، بصيت للسقف وقت طويل.
كنت تعبانة.
مش من الشغل
ولا من قلة النوم
كنت تعبانة من الإحساس إني عايشة في بيتي كأني ضيفة.
الساعة 217 بالليل، قفلت اللابتوب.
وضبطت المنبه.
لكن مش عشان أصحى أعمل الفطار.
كنت خلاص أخدت قراري.
لو حصل أي حاجة
هامشي.
الساعة خمسة بالظبط
كريم صحاني.
واللي حصل بعدها كان أسوأ حاجة عملها فيا طول فترة جوازنا.
شدني من السرير.
وقعت على الأرض.
حماتي ابتسمت.
وقالت
أخيرًا هتتعلمي.
لكن في الساعة 504
موبايلي اهتز.
فتحت الرسالة.
كانت من ندى.
سارة خالتي كلمتني امبارح بالليل. المستأجر سلّم الاستوديو فجأة. المكان بقى فاضي من النهارده.
وبعدها رسالة تانية
لو لسه محتاجاه، تقدري تاخديه.
قريت الرسالة مرتين.
وبصيت حواليا.
كريم لسه واقف بيأمرني أروح المطبخ.
سهير لسه واقفة بتبص لي بنفس الابتسامة.
لكنهم ماكانوش يعرفوا حاجة واحدة.
إن اللحظة دي كانت آخر لحظة ليا في البيت ده.
ولأول مرة
ما خفتش.
مسحت الدمعة اللي نزلت من عيني.
مديت إيدي للموبايل.
فتحت الكاميرا
وصورت.
صورت دراعي.
صورت الكومودينو اللي خبطت فيه.
صورت الأرض.
وصورت الساعة اللي كانت ظاهرة على شاشة الموبايل.
وبعدها فتحت تطبيق الملاحظات وكتبت
الساعة 504 صباحًا كريم شدني من السرير وأسقطني على الأرض قدام والدته.
رفعت عيني له.
وقلت بهدوء
حاضر.
هو ابتسم، فاكر إني أخيرًا استسلمت.
لكن اللي ماكانش يعرفه
إن كلمة حاضر دي
ماكانتش معناها إني هعمل الفطار.
كانت معناها
أنا خارجة من حياتكم.
ومش هرجع
إلا لما أبقى أنا اللي محددة شروط الرجوع.
خرجت من الشقة الساعة 523 الصبح.
ماخدتش غير شنطة صغيرة فيها هدوم، اللابتوب، شاحن موبايلي، بطاقتي، ودبلتي.
حتى هدومي التانية سيبتها.
كريم كان واقف في الصالة بيزعق
رايحة فين يا سارة؟!
ما رديتش.
سهير كانت واقفة وراه، ووشها كله استغراب.
قالت
إنتِ هتسيبي جوزك
لمحة نيوز
