بعد ما سمعت صاحب الشركة وهو بيقول عليها معندهاش أنوثه، وبيعتبرها واحد صاحبه

بعد ما سمعت صاحب الشركة وهو بيقول عليها معندهاش أنوثه، وبيعتبرها واحد صاحبه
. فجأتهم في الاجتماع بمظهرها الجديد لدرجة انه معرفهاش ومش مصدق ان البنت الجميلة دي هي نفسها السكرتيرة بتاعه اللي كان بيتريق عليها
كانت الساعة داخلة على 7 المغرب. الشركة فاضية، هي بس اللي قاعدة بتقفل آخر فواتير شحنة المناظير. سمعت صوت ضحك جاي من مكتب زياد. طارق صاحبه كان عنده، بيشربوا قهوة.
كانت داخلة تدي زياد ملف يمضيه قبل ما تمشي، ووقفت على الباب الموارب.
طارق بيقوله وهو بيضحك يا عم ما تتجوز البت السكرتيرة بتاعتك وتريحنا، دي لازقالك ليل نهار، وشاطرة، وأبوك بيحبها.
زياد ضحك ضحكة عالية، ضحكة حقيقية مش بتاعة شغل.
أمينة؟ يا طارق انت عبيط؟ أمينة دي صاحبي يابني. أختي. والله ساعات بنسى إنها بنت أصلا. شاطرة آه، تشيل شركة لوحدها، إنما أنوثة؟ صفر. مفيش. دي لو قلعت النضارة مش هتعرف تمشي في الشارع.
طارق كمل هزار يعني لو لبست فستان وبقت مزة كده مش هتبصلها؟
ولا هاخد بالي منها أصلا . بقولك أمينه دي راجل.. هي خلقتها كده.
الكلام نزل عليها زي مية ساقعة في عز الشتا. مش شتيمة، لأ. أوحش. تجاهل تام. كأنها مش متشافة أصلا.
ما خبطتش. ما دخلتش. حطت الملف بالراحة على مكتبها، خدت شنطتها، ونزلت من غير ما حد يحس بيها.
في التاكسي وهي مروحة لشقتها الصغيرة، ما عيطتش. بصت لنفسها في إزاز الشباك، شافت انعكاس النضارة الكبيرة والكحكة المشدودة.
وهمست لنفسها صفر أنوثة؟ ماشي يا زياد. طب إيه رأيك أوريك إن الأنوثة عمرها ما كانت في الفستان ولا الروج.. الأنوثة في البنت نفسها، حتى لو كانت مستخبية.
روحت البيت، فتحت الدولاب، وطلعت علبة قديمة كانت شايلاها من أيام الجامعة. ومسكت تليفونها وكلمت ريهام صاحبتها الوحيدة ريهام.. عايزاكي بكرة ضروري .. عايزة أعمل حاجة مجنونة شوية.
تاني يوم الصبح. الساعة 1015.
قاعة الاجتماعات

في الدور ال 12 مليانة. عملاء جايين يمضوا عقد توريد أجهزة مناظير بملايين. وزياد على آخره.
أمينة عمرها ما اتأخرت. ولا مرة في سنتين ونص. كانت دايما بتيجي بدري نص ساعة، تحضر القهوة، ترص الملفات، تشغل البروجكتور.
النهارده الكرسي بتاعها فاضي. تليفونها مقفول.
زياد كل دقيقتين يبص على الباب، ويبص لساعته. العملاء بدأوا يتململوا. واحد منهم قال بالإنجليزي مستر زياد، هنبدأ امتى؟ عندنا طيارة.
زياد ابتسم بالعافية خمس دقايق بس يا جماعة، السكرتيرة بتاعتي زمانها على وصول، هي اللي محضرة البرزنتيشن كله.
شريف صاحبه، اللي كان قاعد معاه في الاجتماع عشان يترجم شوية حاجات، ميل عليه وهمس هي فين الراجل بتاعك ده؟ أول مرة تعملها.
زياد ما ردش. كان متضايق بجد، مش عشان الاجتماع، عشان قلقان. دي أمينة، أكيد حصل لها حاجة.
الساعة 1022، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.
اللي دخلت ما كانتش أمينة اللي يعرفوها.
فستان أسود بسيط، كعب بيخبط على الأرض بخطوات ثابتة، شعر نازل على كتفها، مكياج خفيف جدا لكنه لايق عليها ، وماسكة اللاب توب بتاعها في إيدها.
القاعة كلها سكتت ثانية. العميل عدل قعدته لا إراديا.
زياد اتجمد. عينه لفت عليها من فوق لتحت، بيدور على أي حاجة مألوفة. مفيش.
شريف ميل عليه بسرعة وهمس إيه الحلاوة دي؟ دي معانا؟ دي تبع العملاء؟
زياد هز راسه، مش فاهم. معرفش.
البنت مشيت لحد الشاشة، وصلت اللاب، بصت للناس وابتسمت ابتسامة مهنية هادية جدا.
أنا آسفة جدا على التأخير، الطريق كان واقف. نقدر نبدأ دلوقتي؟
اللهجة، الصوت، الثقة. زياد حس بضربة في صدره.
وقف لحظة.. حضرتك مين؟ انتي داخلة فين؟
بصت له مباشرة، ولأول مرة من سنتين ونص، زياد شاف عينيها بجد، من غير إزاز النضارة الكبيرة.
قالت بهدوء، وبنفس نبرة السكرتيرة اللي بتفكره بمواعيده كل يوم أنا أمينة. أمينة عبد الرحمن. سكرتيرة حضرتك…يتبع زياد فضل واقف مكانه كأنه نسي يتنفس.
بص لها مرة… واتنين… وتلاتة.
مستحيل.
دي نفس البنت اللي كانت كل صباح تدخل عليه بكوباية القهوة من غير صوت، وتحط جدول مواعيده، وتفكره بعيد ميلاد أمه، وتعرف من وشه هو محتاج يتكلم ولا يشتغل.
لكن…
إزاي عمره ما شافها بالشكل ده؟
العميل الأجنبي قطع الصمت وهو بيبتسم
هل نبدأ؟ الوقت مهم.
أمينة هزت رأسها بهدوء.
أكيد.
ضغطت زر التشغيل.
ظهرت أول شريحة على الشاشة.
بدأت تعرض المشروع بثقة غير عادية.
ولا ورقة في إيدها.
ولا مرة بصت في اللاب.
كل الأرقام… كل المواعيد… كل تفاصيل العقد كانت حافظاها.
العملاء بقوا يسألوا أسئلة معقدة.
كانت تجاوب في ثواني.
بلغة إنجليزية ممتازة خلت شريف نفسه يبصلها بانبهار.
همس لزياد
إنت كنت مخبي الكنز ده فين؟
زياد ما ردش.
كان مركز مع حاجة تانية.
كل مرة أمينة تتحرك…
كل مرة ترفع شعرها ورا ودنها وهي بتشرح…
كل مرة تبتسم باحتراف…
كان يحس إنه لأول مرة يشوف إنسانة كانت قدامه كل يوم.
لكن أمينة…
ولا مرة بصت له.
ولا حتى ثانية.
كانت بتكلم العملاء فقط.
كأنه مجرد واحد من الموجودين.
وده اللي ضايقه أكتر من أي حاجة.
بعد ساعة ونصف…
انتهى العرض.
سكتت القاعة لحظة…
وبعدين دوّى تصفيق حقيقي.
رئيس الوفد الأجنبي وقف وصافحها بنفسه.
عرض احترافي جدًا.
ابتسمت باحترام.
شكرًا لحضرتك.
وفي اللحظة دي…
أخرج الرجل ملفًا صغيرًا من حقيبته وقال
كان عندنا تعديل أخير في بند الضمان… بصراحة كنا متوقعين هيبقى فيه نقاش طويل.
أمينة مدت إيدها.
فتحت الملف بسرعة.
قرأت البنود في أقل من دقيقة.
ثم رفعت رأسها وقالت
لو سمحتوا… البند ده فيه مشكلة قانونية.
زياد استغرب.
إزاي؟
أشارت إلى سطر صغير جدًا.
هنا… لو وقعنا بالشكل ده، الشركة هتتحمل تكلفة الصيانة لأي عطل حتى لو سببه سوء استخدام العميل… والخسارة المتوقعة ممكن توصل لعشرات الملايين.
القاعة سكتت.
شريف خطف الملف منها.
قرأ السطر…
واتسعت عينه.
يا نهار أبيض…
العميل نفسه اتفاجئ.
راجع الملف مع المستشار القانوني اللي معاه.
بعد دقائق من المناقشة…
ابتسم باعتذار.
معكم حق… دي نسخة قديمة اتبعت بالغلط.
زياد حس بعرق بارد على جبينه.
لو أمينة ما كانتش خدت بالها…
كان مضى من غير ما يقرأ التفاصيل.
وكانت الشركة كلها ممكن تدخل في أزمة.
بعد انتهاء الاجتماع…
العملاء خرجوا وهم بيشكروا أمينة بالاسم.
واحد منهم قال لزياد وهو بيضحك
لو عندكم مديرين بنفس كفاءة الآنسة أمينة… شركتكم مستقبلها كبير.
الكلمة علقت في ودن زياد…
الآنسة أمينة.
مش السكرتيرة.
ولا المساعدة.
ولا الراجل.
ولأول مرة…
حس إن الجملة اللي قالها امبارح كانت بتطارد ضميره.
خرج يجري وراها في الممر.
لقاها واقفة قدام المصعد، ماسكة ملفاتها، مستنية الباب يفتح.
قال بصوت متردد
أمينة… ممكن دقيقة؟
بصت له بهدوء.
اتفضل يا فندم.
أنا… كنت عايز أقول إن…
لكن باب المصعد فتح قبل ما يكمل.
وفي نفس اللحظة…
طلع منه رجل في أواخر الخمسينات، أول ما شاف أمينة ابتسم ابتسامة واسعة وقال بصوت مليان احترام
أخيرًا لقيتك… بقالنا أسبوع بندور عليكي. مجلس الإدارة مستني قرارك النهائي.
زياد عقد حاجبيه.
مجلس إدارة؟
قرار إيه؟
وقبل ما يسأل…
الرجل مد لأمينة ظرفًا مختومًا وقال
العرض لسه زي ما هو… والمرتب اللي طلبتيه وافقوا عليه كامل.
أمينة أخدت الظرف… وبصت له لحظة طويلة…
ثم رفعت عينيها ناحية زياد، وكأنها بتقيس رد فعله، قبل ما تقول بهدوء
أنا لسه ما أخدتش قراري…زياد حس إن الأرض بتميد من تحته.
بص للرجل… ثم رجع بص لأمينة.
عرض؟… عرض إيه؟
الرجل استغرب.
حضرتك متعرفش؟
أمينة قاطعته بسرعة، بابتسامة مهذبة.
معلش يا أستاذ حسام… نأجل الكلام ده بعدين.
لكن زياد كان خلاص اتشد.
لا… أنا عايز أفهم.
أمينة عدلت الملفات اللي في إيدها وقالت بهدوء
بعد إذنك يا فندم… ده موضوع شخصي.
باب المصعد كان هيقفل.
لكن زياد مد إيده ومنعه.
لأول مرة
لمحة نيوز

من سنتين ونص…
هو اللي بيجري وراها.
قال بصوت واطي
أمينة… إنتِ ناوية تسيبي الشركة؟
بصت له ثانية كاملة.
كنت ناوية أقدم استقالتي آخر الأسبوع.
الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.
ليه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، مفيهاش أي شماتة.
لأن الإنسان لما يحس إنه بقى مجرد قطعة أثاث… بييجي وقت ويغير المكان.
سكت.
كان فاهم هي تقصد إيه.
لكن مقدرش يقول إنه سمع الكلام.
هي نفسها ما جابتش سيرته.
أستاذ حسام تدخل وهو بيقول
إحنا بقالنا شهرين بنتفاوض مع الآنسة أمينة. الحقيقة إن اسمها متردد في السوق من فترة، وكل الناس بتتكلم عن كفاءتها.
زياد لف ناحيته بسرعة.
إزاي؟
ابتسم الرجل.
حضرتك يمكن متعرفش… لكن أغلب أنظمة التشغيل اللي عندكم هي اللي عملتها.
زياد عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
أمينة ردت بهدوء
فاكر لما السيستم وقع السنة اللي فاتت؟
هز رأسه.
أيوة.
أنا اللي بنيته من جديد.
والمخازن؟
أنا اللي نظمتها.
وتقارير المبيعات؟
أنا اللي عملت نموذجها.
زياد افتكر فجأة.
كل مرة كان يقول
شغل ممتاز.
وهي كانت ترد
الحمد لله.
من غير ما تنسب الفضل لنفسها.
أستاذ حسام كمل
الشركة عندنا عرضت عليها منصب مدير تطوير العمليات… مش سكرتيرة.
زياد بلع ريقه.
أول مرة يعرف إن البنت اللي كان شايفها مجرد سكرتيرة…
كانت في الحقيقة العقل اللي بيخلي نص الشركة ماشية.
في اللحظة دي…
خرج شريف من قاعة الاجتماعات.
أول ما شاف أستاذ حسام ضحك.
إيه ده؟ حضرتك هنا؟
صافحه بحرارة.
ثم بص لأمينة وقال
واضح إنهم سبقونا.
زياد استغرب.
إنت تعرفه؟
شريف هز رأسه.
طبعًا… ده المدير التنفيذي لشركة النور الطبية.
ثم بص لزياد باستغراب.
هو إنت بجد ماكنتش تعرف إنهم بيحاولوا يخطفوا أمينة من عندنا من زمان؟
زياد حس إن قلبه دق بقوة.
من… زمان؟
آه… وهي كل مرة كانت ترفض.
زياد بص لأمينة.
رفضتي… ليه؟
نزلت عينيها على الظرف اللي في إيدها.
ثم قالت بصوت هادئ
لأن والد حضرتك هو اللي اداني أول فرصة بعد وفاة بابا.
سكتت لحظة.
وكان نفسي أرد الجميل… وأسيب الشركة وهي واقفة على رجليها.
زياد افتكر والده…
كم مرة كان يقوله
حافظ على أمينة… البنت دي نعمة.
وكان فاكر إنه بيقصد إنها موظفة مخلصة.
لكن يبدو…
إن والده كان شايف فيها حاجة هو عمره ما انتبه لها.
وقبل ما حد يتكلم…
رن هاتف أمينة.
بصت للشاشة، وتغيرت ملامحها فجأة.
ردت بسرعة
أيوة يا دكتور…
سكتت وهي بتسمع.
ثم شحب وجهها بالكامل.
حضرتك بتقول إيه؟!أمينة سكتت للحظات، وكل اللي حواليها لاحظ إن لون وشها اتغير.
شدت على التليفون بإيد مرتعشة وقالت
أنا جاية حالًا… متعملوش أي إجراء غير لما أوصل.
قفلت المكالمة، وخدت نفسًا عميقًا وهي بتحاول تتمالك نفسها.
زياد قرب خطوة.
فيه إيه؟
أجابت باختصار
خالتي.
مالها؟
وقعت في البيت… والجيران نقلوها المستشفى.
أستاذ حسام قال فورًا
أنا أوصلك.
لكن أمينة هزت رأسها.
شكرًا… هطلب عربية.
زياد قال بسرعة، من غير ما يفكر
تعالي… أنا هوصلك.
رفعت عينيها له.
كانت أول مرة من الصبح تبص له بتركيز.
ثم قالت بهدوء
متشكرة يا فندم… هتصرف.
ولفت تمشي.
لكن قبل ما تبعد، لحقها شريف وقال
استني… الطريق دلوقتي زحمة جدًا. هيضيع وقت.
زياد أخرج مفاتيح عربيته ومدها ناحيتها.
لو مش عايزة أجي معاكي، خدي العربية والسواق هيوصلك.
ترددت للحظة.
ثم وافقت على مضض.
شكرًا.
نزلت بسرعة، وخرج السواق وراها.
فضل زياد واقف مكانه، يبص لباب الشركة اللي خرجت منه.
أستاذ حسام بص له وقال
واضح إنك أول مرة تعرف مين هي أمينة فعلًا.
زياد ابتسم ابتسامة باهتة.
واضح.
قال أستاذ حسام وهو بيعدل جاكيته
في ناس وجودها بيبقى هادي لدرجة إن الكل يتعود عليه… ولما تغيب، ساعتها بس تعرف قيمتها.
الكلمات علقت في ذهن زياد.
رجع مكتبه ببطء.
دخل، وقعد على كرسيه.
كل حاجة كانت في مكانها المعتاد.
الأقلام مرتبة.
المواعيد مكتوبة بخط أمينة.
ملفات الأسبوع متقسمة بألوان مختلفة.
حتى كوب القهوة اللي كان بيشرب فيه كل صباح، لقى تحته ورقة صغيرة.
استغرب.
رفع الكوب.
كانت الورقة مكتوب فيها بخطها
تذكير اجتماع الموردين الثلاثاء الساعة 11. لا تنس مراجعة بند الضمان قبل أي توقيع.
زياد فضل يبص للورقة طويلًا.
رغم اللي حصل…
كانت لسه بتفكر في شغله قبل أي حاجة.
فتح أول درج في المكتب يدور على ملف قديم.
لكن بدل الملف، لفت نظره دفتر صغير أزرق.
عرفه فورًا.
دفتر الملاحظات اللي كانت أمينة بتكتبه فيه كل يوم.
مد إيده يفتحه…
ثم توقف.
تردد.
هل من حقه يقرأه؟
وفي اللحظة دي، دخل عامل الأرشيف وقال
أستاذ زياد… الآنسة أمينة كانت سايبة الظرف ده لحضرتك لو اضطرت تمشي قبل ما تقابلك.
ناولَه ظرفًا أبيض مغلقًا.
على الظرف كانت مكتوبة ثلاث كلمات فقط بخطها الواضح
يُفتح عند الضرورة.
زياد قلب الظرف بين إيديه، وقلبه بدأ يدق أسرع.
كان يشعر أن ما بداخله لن يكون مجرد رسالة… بل شيء قد يغيّر نظرته لكل ما حدث خلال السنتين والنصف الماضيتين زياد فضل ماسك الظرف دقيقة كاملة.
كل مرة يمد إيده يفتحه…
يرجع يتردد.
وفي الآخر أخد نفسًا عميقًا، وفض الختم.
كان جواه ورقة واحدة.
مش رسالة طويلة…
مجرد صفحة مكتوبة بخط أمينة.
لو حضرتك بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا اضطريت أمشي فجأة.
كل ملفات الأسبوع موجودة في الملف الأخضر، والعقد الجديد راجعته مرتين.
فيه ثلاث شيكات لازم تتوقع النهارده قبل الساعة أربعة.
وملف الأستاذ سامح ناقصه ورقة التأمين، بعت يجيبها.
وآسفة لو غيابي سبب أي ارتباك.
زياد قلب الورقة.
يمكن يكون فيه كلام تاني.
مفيش.
ولا كلمة عتاب.
ولا كلمة لوم.
ولا حتى إشارة للكلام اللي سمعته منه.
تنهد وهو يتمتم
حتى الرسالة… كلها شغل.
في نفس اللحظة، دخل عم حسين، فراش الشركة، وهو شايل صينية شاي.
أول ما شاف الظرف مفتوح، ابتسم.
شكلها كانت متوقعة إنها تمشي.
زياد رفع رأسه بسرعة.
تقصد إيه؟
عم حسين حط الصينية وقال
الآنسة أمينة كانت بترتب كل حاجة من أسبوعين.
أسبوعين؟
آه… كانت كل يوم تراجع الملفات، وتكتب ملاحظات للي هيستلم مكانها.
زياد اتفاجأ.
هي كانت مقررة تستقيل من قبل الاجتماع؟
أيوه يا باشا.
سكت لحظة، ثم قال بحزن
بس كل ما أقولها ليه؟ كانت تبتسم وتقول فيه أماكن مهما تعبت فيها… عمرها ما هتحسسك إنك منها.
الجملة ضربت زياد في قلبه.
افتكر ضحكته.
وافتكر كل كلمة قالها عنها.
أمينة دي راجل.
صفر أنوثة.
صاحبي.
قفل عينيه للحظة.
ولأول مرة…
حس إنه هو اللي كان أعمى.
في المستشفى…
أمينة كانت قاعدة قدام غرفة الطوارئ.
لابسة نفس الفستان الأسود، لكن ملامحها رجعت هادية ومتعبة.
الدكتور خرج وهو بيقول
الحمد لله… الحالة مستقرة.
تنفست براحة.
أقدر أشوفها؟
دقيقة واحدة.
دخلت الأوضة.
خالتها أول ما شافتها ابتسمت رغم التعب.
شفتي؟… قلتلك البسي الفستان ده.
ضحكت أمينة وهي تمسك إيدها.
هو ده وقته؟
قالت خالتها بصوت ضعيف
أنا ربيتك من بعد أبوكي وأمك… وعارفة إنك خبّيتي نفسك سنين.
أمينة نزلت عينيها.
أنا كنت مرتاحة كده.
لا… إنتِ كنتِ مستخبية.
وسكتت لحظة قبل أن تضيف
قوليلي… لما روحتي الشغل النهارده… حد أخيرًا شاف أمينة؟
ابتسمت أمينة ابتسامة حزينة.
ثم قالت بهدوء
مش عارفة… يمكن شاف شكلي لأول مرة.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتفها.
بصت للشاشة.
المتصل كان…
زياد.
ظل الهاتف يرن…
وهي تنظر إليه دون أن تمد يدها للرد أمينة فضلت باصة لشاشة الموبايل.
رنّة…
اتنين…
تلاتة…
لحد ما المكالمة اتقفلت.
حطت الموبايل جنبها، ورجعت تبص لخالتها.
خالتها ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ليه مردتيش؟
أمينة أخدت نفسًا طويلًا.
لأن أول مرة يكلمني خارج الشغل.
وإيه يعني؟
خايفة يكون بيكلمني عشان الشركة… مش عشاني.
خالتها ما علقتش.
كانت عارفة إن الجملة دي طالعة من وجع سنين.
في الشركة…
زياد نزل الموبايل من على ودنه وهو متضايق.
أول مرة أمينة متردش عليه.
فتح الواتساب.
كتب
اطمني بس… خالتك عاملة إيه؟
قرأ الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين مسحها.
كتب تاني
محتاج أتكلم معاكي.
ومسحها هي كمان.
وفي الآخر بعت رسالة قصيرة جدًا
إن شاء الله خالتك تقوم بالسلامة.
قفل الموبايل.
لأول مرة في حياته…
ما يعرفش يقول إيه.
تاني يوم الصبح. ..
الشركة كانت ماشية، لكن بإيقاع غريب.
كل خمس دقايق موظف يدخل مكتب زياد يسأله
أستاذة أمينة مجتش؟
أمينة في إجازة؟
مين هيبعت الإيميلات؟
واحدة من موظفات الحسابات دخلت وهي ماسكة ملف.
أستاذ زياد… حضرتك تعرف أمينة كانت حاطة ملف الضرائب فين؟
زياد فتح الدرج.
مش

لاقيه.
بعدها بدقيقة…
المخزن اتصل.
أستاذ… أمينة كانت الوحيدة اللي عارفة كود المخزن الجديد.
وبعدها الاتصالات.
ثم خدمة العملاء.
ثم النقل.
كل قسم كان بيعتمد على أمينة في حاجة.
زياد بدأ يكتشف إن الشركة كلها كانت واقفة على كتف واحدة.
وفي عز الزحمة…
دخل عليه والده.
كان راجع من السفر.
أول ما دخل، بص حواليه وقال باستغراب
فين أمينة؟
زياد سكت.
في المستشفى مع خالتها.
والده هز رأسه.
ربنا يشفيها.
ثم بص لابنه.
إنت زعلتها؟
زياد اتصدم.
حضرتك عرفت منين؟
الأب ابتسم ابتسامة هادئة.
لأنها من خمس سنين عمرها ما غابت يومين ورا بعض.
ولأنها أول مرة تسلم عليا امبارح في التليفون وتقول يمكن دي آخر مرة أشتغل في الشركة.
زياد حس بانقباض في قلبه.
هي قالت كده؟
آه.
سكت الأب لحظة.
ثم فتح درج المكتب بنفسه.
طلع ملف قديم.
وحطه قدام زياد.
عارف ده إيه؟
زياد هز رأسه بالنفي.
قال الأب
ده أول ملف قدمته أمينة لما جات تشتغل.
فتح الملف.
كان فيه شهادة تخرج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
وشهادات تدريب.
ودبلومات مهنية.
ورسائل شكر من شركات كبيرة.
زياد رفع رأسه بذهول.
كل ده… وهي اشتغلت سكرتيرة؟
الأب ابتسم.
هي ماقدمتش على سكرتارية.
زياد اتجمد.
إيه؟
هي قدمت على وظيفة مدير تطوير.
طيب… ليه…
قاطعه والده بهدوء
لأني أنا اللي رفضت أوظفها في المنصب.
زياد اتسعت عينه.
رفضتها؟!
رفضت أحط بنت صغيرة مسؤولة عن مديرين أكبر منها بعشرين سنة… فقولتلها تبدأ من تحت.
ابتسم وهو يكمل
كنت متأكد إنها هتوصل لوحدها.
ثم اختفت الابتسامة من وجهه.
لكن كنت متوقع إن ابني هو أول واحد يكتشف قيمتها… مش آخر واحد.
زياد نزل رأسه في صمت.
وقبل أن ينطق بحرف…
رن هاتف والده.
رد بسرعة.
وفجأة تغيرت ملامحه.
رفع عينه ناحية زياد وقال بجدية
دي شركة النور الطبية…
سكت وهو بيسمع.
ثم قال
إزاي؟… النهارده؟
أنهى المكالمة ببطء…
والتفت إلى زياد قائلاً
أمينة وافقت على العرض… وهتوقّع العقد النهارده الساعة خمسة مساءً.زياد ما استناش يسمع كلمة تانية.
خطف مفاتيح عربيته ونزل يجري.
أبوه ناداه
رايح تعمل إيه؟
وقف لحظة، ورد بصوت هادي لأول مرة من يومين
مش رايح أمنعها… رايح أعتذر.
الساعة كانت الرابعة وخمسين دقيقة.
وصل مقر شركة النور الطبية.
الاستقبال طلب منه ينتظر.
بعد دقائق، خرجت أمينة.
كانت لابسة نفس الهدوء اللي اتعودت عليه، لكن المرة دي كان فيه راحة غريبة على وشها.
ابتسمت باحترام.
خير يا أستاذ زياد؟
بصلها مباشرة وقال
جيت أقولك حاجة كان المفروض أقولها من زمان.
سكت ثانية، ثم أكمل
أنا ظلمتك.
أمينة ما ردتش.
قال وهو بيكمل
أنا كنت فاكر إني بعرف أقيم الناس، لكن اكتشفت إني كنت شايف اللي قدامي بعيني… مش بعقلي.
تنهد.
الكلام اللي سمعتيه… أنا ندمان عليه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنا عارفة.
استغرب.
عرفتي؟
لأن الإنسان الندمان… بيبان في تصرفاته قبل كلامه.
مد لها ظرفًا صغيرًا.
دي استقالتك… كنت هقطعها لو طلبتي ترجعي.
أمينة هزت رأسها برفق.
لا.
سكت.
أنا مش هرجع.
نزل زياد عينه للحظة، ثم رفعها وهو مبتسم ابتسامة فيها رضا رغم الحزن.
بصراحة… كنت متوقع.
قالت بهدوء
المكان اللي اتعلمت فيه هيفضل له فضل عليّ… لكن الإنسان لازم يروح للمكان اللي يقدّر تعبه.
مد إيده يصافحها.
أتمنى تسامحيني.
صافحته.
سامحتك… من أول يوم فهمت إن المشكلة ما كانتش في شكلي… المشكلة إنك ما كنتش شايفني.
ابتسم بأسى.
ودلوقتي؟
قالت وهي تترك يده
دلوقتي بقيت تشوف… لكن بعد ما قررت أمشي.
في اللحظة دي خرج أستاذ حسام، ورحب بأمينة.
المجلس مستني حضرتك.
التفتت إليه، ثم رجعت تبص لزياد.
مع السلامة يا أستاذ زياد.
رد بهدوء
بالتوفيق… يا أستاذة أمينة.
دخلت المبنى بخطوات ثابتة، من غير ما تبص وراها.
وزياد فضل واقف يتابعها لحد ما اختفت.
بعد ستة أشهر…
شركة زياد كانت لسه ناجحة، لكنها احتاجت وقت طويل تعوض الفراغ اللي سابته أمينة.
أما أمينة…
فبقت مديرة تطوير العمليات في شركة النور الطبية، وقدرت خلال شهور قليلة تحقق نجاحات كبيرة، وبقى اسمها يتردد في المجال كله.
وفي أحد المؤتمرات، وقف المذيع يعلن عن تكريم أفضل شخصية إدارية شابة.
ولما نادى اسمها…
وقف الجميع يصفق.
وكان من بين الحضور زياد.
صفق لها بابتسامة صادقة، وهو يشعر بالفخر… لا لأنها كانت تعمل معه يومًا، بل لأنها وصلت للمكان الذي تستحقه بجدارتها.
بعد انتهاء الحفل، مر بجوارها وقال
مبروك… تستحقي كل خير.
ابتسمت وقالت
شكرًا.
ثم أكمل كل واحد طريقه.
هي نحو مستقبل صنعته بنفسها…
وهو يحمل درسًا لن ينساه أبدًا
قد تخدعنا المظاهر، لكن الاحترام الحقيقي يبدأ عندما نرى قيمة الإنسان قبل أن نحكم على شكله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *