المغرورة والقاسي بقلم منال عباس الاول
المغرورة والقاسي بقلم منال عباس
الاول
كانت “ليلى” تُلقب في أوساط النخبة بـ “معجزة الجمال”؛ وجهٌ منحوت بدقة لا تخطئ، وعيونٌ إذا نظرت إليها شعرت وكأن العالم توقف عن الدوران. ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب، وحيدة والديها التي لم تعرف طعم “لا” في حياتها، مما جعل الغرور يتغلغل في مسامها كأنه جزء من عطرها الفاخر، لا ترى في الناس إلا خدمًا أو متسولين على أبواب جمالها. في إحدى الليالي، وبينما كانت تستعد لحفل صاخب، دخل عليها والدها بوجهٍ شاحب، لا أثر فيه لهدوئه المعتاد. صرخ فيها بصوتٍ مرتعش: “ليلى! اسمعيني جيداً، الماضي عاد ليطاردنا، هناك رجال يتربصون بنا، يريدون الانتقام مني في أغلى ما أملك، فيكِ أنتِ!”. تجمدت الدماء في عروقها وهي تراه يرمي بشنطة صغيرة على السرير، ويأمرها بالهرب فوراً إلى عنوان مكتوب في ورقة مطوية. توسلت إليه بالبكاء: “بابا، نهرب معاً، لا تتركني!”، لكنه دفعها بقسوة مصطنعة وقال: “إنهم يريدونكِ أنتِ، حياتكِ على المحك، لا تعودي للقصر مهما حدث!”. انطلقت ليلى مذعورة، وتركت خلفها حياة الترف لتجد نفسها في ليلة مظلمة أمام عنوان القصر المهجور الذي كان أشبه ببيت للأشباح، كان سور القصر متهالكاً، والظلام يلف المكان برائحة الخوف. طرقت الباب، ففتح لها “عم حسين” كبير الخدم، رجل عجوز بملامح حادة كالسيف. نظرت إليه برجاء، وعندما سألته عن عمل، هز رأسه رافضاً، لكن دموعها التي لم تكن يوماً وسيلة للحصول على شيء، أثارت في قلبه إشفاقاً غامضاً، فقال بصوت منخفض: “الخيول.. البيه الصغير لا يهتم إلا بجياده، إذا أردتِ البقاء فاعملي في الإسطبل، ولكن حذارِ، أي خطأ قد يكلفكِ حياتكِ، فالبيه لا يعرف الرحمة”. في صباح اليوم التالي، بينما كانت ليلى تحاول جاهدة تنظيف الإسطبل بيديها اللتين لم تعرفا يوماً المشقة، انفتح الباب بقوة، ودخل هو؛ “أدهم”، القاسي الذي يكره النساء ويراهم كائنات سطحية خلقت للزينة فقط. كان طويل القامة، نظراته ثاقبة كالخنجر، وبمجرد أن وقعت عيناه عليها، لم يرى فيها الفتاة التي أبهرت الجميع بجمالها، بل رأى عاملة يجب أن تُسحق. اقترب منها بخطوات واثقة، وأمسك ذراعها بقسوة، ورمى في وجهها تعليمات قاسية، محذراً إياها من الاقتراب من خيوله. بدأت ليلى بالبكاء، لكنه لم يزدد إلا قسوة، معتبراً دموعها تمثيلاً رخيصاً. مرت الأيام، وبدلاً من أن تنهار ليلى، وجدت في رعاية الخيول ملاذاً، وبدا عليها مهارة فطرية في ترويض أعنف الخيول، مما لفت انتباه أدهم الذي كان يراقبها من بعيد بعينين لا تفهمان سر هذه الفتاة التي تبكي بسبب قسوته ومع ذلك تعتني بجياده كأنها روحها. وفي أحد الأيام، جاء ابن عم أدهم لزيارته، وما إن لمح ليلى وسط الغبار والعمل، حتى تجمد في مكانه من شدة جمالها، وتوجه نحوها بإعجاب صريح، مما أشعل في صدر أدهم ناراً لم يعهدها من قبل؛ نار الغيرة التي جعلته يفقد صوابه ويقتحم ساحة الإسطبل ليطرد ابن عمه، ويوجه نظرات نارية لليلى، في صراعٍ بدأ يتشكل بين قسوة قلبه الذي يحاول الحفاظ على كبريائه، وبين جمالها الذي بدأ يقتحم حصونه المهجورة دون استئذان…بقلم منال عباس
احتقن وجه أدهم وهو يرى نظرات الإعجاب الوقحة في عيني ابن عمه الذي لم يكف عن محاولة التقرب من ليلى، فجره من ياقة قميصه بعيداً عن الإسطبل بصوت هز أركان المكان وأمر الخدم بطرده فوراً، ثم التفت إلى ليلى التي كانت ترتجف من هيبة الموقف ودموعها تلمع كاللؤلؤ في عينيها. اقترب منها بخطوات متسارعة، كان يرى في عينيها مزيجاً من الخوف والدهشة، لكنه تجاهل كل ذلك، وأمسك بساعدها بقوة وهو يهمس بوعيد: “لا تظني أن جمالكِ الرخيص سيجعل أي رجل هنا يفقد عقله، أنتِ مجرد عاملة هنا، وإذا رأيتكِ تبتسمين لأي غريب مرة أخرى، فستكون هذه آخر أيامك في هذا القصر”. انصرف أدهم تاركاً ليلى في حالة من الذهول والكسر، شعرت لأول مرة في حياتها أن جمالها الذي كانت تتباهى به لم يعد سوى لعنة تجلب لها المتاعب والقسوة. ومع مرور الأيام، بدأت ليلى تكتشف جانباً آخر في أدهم، ففي الليالي التي كانت تظن فيها أنها وحدها، كانت تراه يجلس في الإسطبل لساعات يهمس لخيوله بكل حنان، وكأن تلك الكائنات هي الوحيدة التي تستحق ثقته. وفي إحدى الليالي العاصفة، مرض أحد أحب خيول أدهم مرضاً مفاجئاً، وكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، فخرجت ليلى وسط المطر والبرق، وتناست قسوة أدهم وإهاناته، وهرعت لتساعد الفرس، وبتعليماتها وخبرتها التي أذهلت الجميع، نجحت في إنقاذ الخيل. وحين خرج أدهم ليجد ليلى غارقة في البلل، مجهدة، وشعرها يتطاير بفعل الرياح، بينما كانت تحتضن الخيل وتطمئنه، توقف الزمن للحظة، لأول مرة لم يرَ أدهم “عاملة”، بل رأى ملاكاً يفيض بالرقة والذكاء. اقترب منها هذه المرة ببطء، ومد يده ليمسح قطرات المطر عن وجهها، وتلاقت أعينهما في نظرة طويلة حملت الكثير من الأسئلة التي لم يجرؤ أحد منهما على نطقها، وفجأة، سحب يده وكأنه تعرض لصدمة كهربائية، وتراجع للخلف بنظرات مرتبكة، ثم استدار ورحل دون كلمة، تاركاً إياها في حالة من الحيرة، حيث بدأت تشعر أن قلب هذا القاسي ليس من حجر كما يظن، وأن هناك شيئاً ما بدأ يتحرك في أعماق تلك الروح التي أقسمت يوماً ألا تحب. وفي صباح اليوم التالي، وجدتها ليلى قد أُرسلت لها ثياباً دافئة بدلاً من ملابس العمل الرثة، وفي داخل الثياب وجدت ورقة صغيرة كتب عليها بخط رزين: “ممنوع الخروج من الإسطبل اليوم”، لكنها لم تكن تشعر بالغضب، بل كانت تبتسم لأول مرة منذ مجيئها، مدركة أن الغيرة التي أظهرها أدهم تجاه ابن عمه، واهتمامه غير المباشر بها، ليسوا إلا بداية لعاصفة من المشاعر التي ستغير مجرى حياتهما تماماً، دون أن تعلم أن كل خطوة تخطوها تحت مراقبة أعين خفية، وأن حكايتها التي تظنها قدراً، لم تكن سوى خيوطاً في مؤامرة كبرى تُحاك في الظلام لتغيير مصيرها. بقلم منال عباس
ازدادت حدة التوتر في القصر وكأن الهواء نفسه أصبح مشحوناً بنظرات أدهم الخفية التي لم تعد تفارق ليلى، فبعد تلك الليلة التي أنقذت فيها الفرس، تغير تعامله معها بشكل غامض، كان يغلف قسوته بهدوء مريب، يراقبها وهي تعمل في الإسطبل لساعات طويلة، يلاحظ دقة حركاتها ورقتها مع الخيول التي أصبحت تهتدي بصوتها وتألف وجودها. وفي إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليلى تنظف سرج خيل أدهم المفضل، باغتها بظهوره خلفها، كان صوته هذه المرة أخفض وأقل حدة حين سألها: “من أين تعلمتِ كل هذا؟”، تجمدت ليلى في مكانها، فكذبت وقالت إنها تعلمت في مزارع والدها القديمة، لكن عينيها الفاضحتين كانتا تحكيان قصة أخرى، قصة فتاة ولدت في القصور ولم تعرف سوى الدلال، لاحظ أدهم ارتباكها، فاقترب منها خطوة إضافية، حتى شعرت بأنفاسه تحيط بها، وقال بنبرة مليئة بالتحدي والشك: “أنتِ لستِ مجرد فتاة إسطبل، وجهكِ، طريقتكِ في الكلام، وحتى خوفكِ المستمر.. هناك سر وراء وجودكِ هنا”، كادت ليلى أن تعترف، لكنها تذكرت تحذير والدها، فابتلعت كلماتها وأشاحت بوجهها، مما جعله يغضب مجدداً ويتحول فجأة إلى القسوة المعتادة، متهماً إياها بالغموض، وفي ذلك الحين، عاد ابن عم أدهم لزيارة القصر مرة أخرى، متحدياً أوامر أدهم الصارمة، وما إن لمح ليلى في الحديقة الخلفية حتى اقترب منها وبدأ يغدق عليها بكلمات الإطراء التي جعلت ليلى تشعر بالخجل والارتباك، وبينما كان ابن العم يمسك يدها ليقبلها محاولاً استمالتها، ظهر أدهم كالإعصار، اندفع نحوهما، ووجه لكمة قوية لابن عمه جعلته يترنح، ثم سحب ليلى بعنف إلى داخل الإسطبل، وأغلق الباب خلفهما، كان يتنفس بسرعة، وعيناه تشتعلان بنار الغيرة التي لم يعد يستطيع إخفاءها، صرخ في وجهها: “قلتُ لكِ لا تقتربي من أي رجل! هل تستمتعين برؤية الرجال يتسابقون لأجلك؟”، بكت ليلى وصرخت في وجهه لأول مرة: “أنا لا أريد منهم شيئاً! أنت الذي تعاملني بقسوة وتظن أن كل النساء مثل بعضهن، أنا لستُ كما تظن!”، ساد صمت مطبق في الإسطبل، وقطعت المسافة بينهما لتصبح صفرية، نظر أدهم في عينيها اللتين غمرتهما الدموع، ولأول مرة في حياته، ذابت قسوة قلبه أمام ضعفها الصادق، رفع يده المرتجفة ليلمس وجنتها، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة، تراجع وكأنه يهرب من نفسه، وخرج من الإسطبل مسرعاً، تاركاً ليلى في حالة من الذهول، فلقد رأت في عينيه انعكاساً لحب يصارع كبرياءً مريراً، وباتت تدرك أن القصر الذي دخلته هاربة من شبح الماضي، أصبح سجنها الذي لا ترغب في مغادرته، غير مدركة أن عم حسين، كبير الخدم، كان يراقب المشهد من بعيد، ويقوم بإجراء مكالمة هاتفية سرية لوالدها، يخبره فيها بأن الخطة بدأت تؤتي ثمارها وأن “البيه الصغير” بدأ يقع في فخ العشق الذي نصبه لهما القدر، أو ربما.. من نصبه لهما الآباء….يتبع