ظهور الحقيقه صافى هانى الثانى والاخير
إسماعيل وعثمان ما كدبوش خبر، وبخطوات سريعة ووعيد يهد جبال، طلعوا على السلم المؤدي لقاعة الاحتفالات الفخمة، ووراهم الحرس اللي قفلوا كل مخارج ومداخل الشركة.
فارس فضل واقف مكانه، عينه عليا وعلى ليلى اللي كانت لسه مخضوضة بس بدأت تحس بالأمان وهي شايفة عمامها حواليها. مشي خطوات هادية ناحية كريمة اللي كانت بتترعش على الأرض زي فرخة مبلولة، وبص للأمن اللي واقفين مذهولين وقال بنبرة حاسمة: “الست دي تتسحب من إيدها، تترمي بره الشركة فوراً، وتعملوا لها حظر دخول لأي مؤسسة أو بنك تابع لمجموعة الرفاعي في مصر كلها.. يعني من الآخر، مالهاش عيش في البلد دي تاني.”
كريمة بدأت تعيط وتصرخ: “سامحني يا فارس بيه! والله ما كنت أعرف! أنا نفذت أوامر مدحت بيه! أبوس إيدك بلاش تخرب بيتي!” بس الأمن ماردوش عليها، وسحبوها بره وهي بتصرخ وصوتها بيختفي تدريجياً.
فارس قرب مني، قلع الجاكيت الفخم بتاعه وحطه على كتفي بحنان، ونزل لمستوى ليلى وباس إيدها الصغيرة اللي كانت ماسكة عقد الورق: “العقد ده لمين يا لولو؟”
ليلى ردت بصوت مرعوش: “كنت عاملاه لبابا عشان الحفلة..”
فارس ابتسم ابتسامة غامضة وباردة وقال لها: “بابا خلاص مبقاش يستاهل ورقك الغالي ده يا حبيبة عمو.. بس تعالي معايا فوق عشان تشوفي العقد الحقيقي اللي عمامك هيقلوهوله في رقبته.”
في القاعة فوق، الأجواء كانت في قمة الفخامة؛ المزيكا الهادية شغالّة، والوجهاء ورجال الأعمال واقفين بكاسات العصير، ومدحت واقف في النص لابس بدلة سموكنج شيك جداً، وجنبه واحدة تانية باين عليها الثراء والغرور، وماسك إيد ولد صغير عنده حوالي سبع سنين، وحماه وحماته المستقبليين واقفين يضحكوا وفرحانين بالنسَب الجديد.
وفجأة، المزيكا وقفت تماماً بعد ما حرس عثمان شدوا الفيشة، والباب الرئيسي للقاعة اتدب بقوة.. ودخل عثمان وإسماعيل ووشوشهم ماتبشرش بالخير أبداً.
مدحت أول ما شافهم، وشه جاب ألوان، والضحكة هربت من شفايفه. ساب إيد خطيبته وجري عليهم بترحيب مبالغ فيه وهو بيعرّق: “عثمان بيه! إسماعيل بيه! مش معقول.. الحفلة نورت، دي أكبر مفاجأة ليا وللشركة! اتفضلوا.. اتفضلوا أعرفكم على..”
قبل ما يكمل كلمته، إسماعيل الرفاعي خطى خطوة سريعة، وبإيد قوية زي الحديد، مسك مدحت من يااقة بدلته السموكنج الغالية ولمها في إيده بعنف، لدرجة إن الزراير اتنطرت على الأرض وسط شهقات الذهول والرعب من كل الضيوف.
حماه المستقبلي زعق بغضب: “أنت مين يا جدع أنت؟ وإزاي تمد إيدك على نائب رئيس مجلس الإدارة في وسط ضيوفه؟”
عثمان الرفاعي بص للراجل بنظرة خلت ركبه تخبط في بعضها، وقال بصوت جهوري هز النجف اللي في السقف: “نائب رئيس مجلس الإدارة ده، والشركة اللي أنتوا فرحانين بيها وبتناسبوه عشانها، قايمة على فلوسنا وقروض بنوكنا.. والكلب اللي واقفين تدافعوا عنه ده، متجوز أختنا جيهان الرفاعي ومخلف منها، وجايبكم هنا عشان يبيع ليكم الوهم ويغشكم زي ما غشها!”
الشركة كلها هسس.. مفيش صوت غير أنفاس مدحت المرعوبة وهو بيحاول يفلت من إيد إسماعيل ويقول بصوت متقطع: “إسماعيل بيه.. عثمان بيه.. أرجوكم.. افهموني.. الموضوع مش كده.. أنا..”
في اللحظة دي، الباب اتفتح بالكامل، ودخل فارس الرفاعي وهو ماسك إيدي وإيد ليلى.
مدحت عينه جت في عيني، وشاف فيهم جيهان تانية خالص.. مش الست المطيعة الغلبانة اللي كانت بتستحمل قلة أدبه وظروفه عشان بتحبه.. شاف جيهان الرفاعي، بنت الحيتان اللي مابتسيبش حقها.
فارس وقف في نص القاعة، وبص للمستشار القانوني بتاعه وقال بنبرة هادية بس مسموعة لكل واحد في المكان: “امضي على قرارات الحجز التنفيذي على الشركة وفك الشراكة والتمويل فوراَ.. من دقيقة واحدة، كل مليم لمدحت في البنوك اجمّد، والشركة دي بقت ملك لمجموعة الرفاعي كابيتال.. يعني يا مدحت يا حشرة، أنت من اللحظة دي معيلكش غير الهدوم اللي أنت لابسها دي.. حتى بدلتك دي تمنها من فلوس أختي.”
مدحت انهار تماماً ونزل على ركبه تحت رجل إسماعيل اللي سابه يقع زي الشوال، وبصلي بدموع ورعب وهو بيزحف ناحيتي: “جيهان! جيهان عشان خاطر ليلى سامحيني! أنا اضحك عليا.. الشيطان غواني! أنا بحبك أنتِ.. دي كانت مصلحة عشان الشركة والله!”
خطيبته الهانم أول ما سمعت كده، قلعت الدبلة رمتها في وشه، وبصت لأبوها وهي بتعيط من الفضيحة وجريوا بره القاعة وهم بيشتموه.
أنا وقفت بثبات، وبصيت لمدحت وهو ذليل تحت رجلي، ودموع بنتي لسه مانشفتش، نزلت لمستواه وبصيت في عينه بكل قسوة ودموعي المحبوسة نزلت، بس كانت دموع قوة مش ضعف، ورميت عقد الورق اللي ليلى عملته في وشه وقولتله: “أنا داريت أصلي عنك عشان كنت فاكراك راجل وهتصوني لنفسي.. بس طلعت رخيص وتتباع بأي قرش.. الفلوس اللي رفعتك، الرفاعي هيخلوك تتمنى اللقمة بسببها.”
فارس شاور لرجال المباحث اللي كانوا واقفين مستنيين الإشارة، وقدموا ليه ورق رسمي.. وبص لمدحت وقال بصوت زلزل المكان: “وده أمر ضبط وإحضار بتهمة التزوير والاختلاس في أموال الشركة اللي بقت ملكنا.. خذوه من قدامنا.”
العساكر قربوا وكلبشوا إيد مدحت وهو بيصرخ ويبكي ويستغيث بيا وسط نظرات الاحتقار من كل رجال الأعمال اللي كانوا بيجاملوا فيه من ثواني.
التفتّ لإخواتي الثلاثة، اللي كانوا واقفين حواليا زي السد المنيع، وفارس أخد ليلى على كتفه وبصلي وقال: “يلا بينا يا جيهان.. الحفلة دي خلصت، وبيتك الحقيقي مستنيكي.”
#حكايات_صافي_هاني
خرجنا من مبنى الشركة، ورجالة الأمن واقفين على الصفين منكسين رؤوسهم في الأرض، محدش فيهم قادر يرفع عينه فينا بعد ما شافوا عمالقة الرفاعي وهم قالبين كيان المكان كله. عثمان وإسماعيل كانوا ماشيين جنبي، وفارس شايل ليلى اللي نامت على كتفه من كتر التعب والخوف اللي عاشته في اليوم الطويل ده.
ركبنا العربيات الفخمة، وطوال الطريق لبيت عيلتي القديم، البيت اللي سيبته برجلي عشان أعيش مع مدحت في شقة إيجار وأستحمل معاه ضيق الحال، مكنش فيه صوت غير أنفاسنا. بس المرة دي مكنش نفس مكتوم من القهر، كان نفس حر، نفس حد رجع له حقه وكرامته في ثواني.
أول ما وصلنا السرايا، الدادة استقبلت ليلى وأخدتها تنيمها في أوضتها الجديدة اللي فارس جهزها لها في دقايق بالتليفون. قعدت وسط إخواتي الثلاثة، وبصيت لهم وعيوني مليانة دموع: “أنا آسفة.. مسمعتش كلامكم من الأول، وكنت فاكرة إن الحب بيعمل معجزات ويغير النفوس.”
عثمان قعد جنبي وأخدني في حضنه: “متتأسفيش يا جيهان، أنتِ بنت الرفاعي، وقلبك الأبيض ده هو اللي خلاكي تشوفي الناس بنظافتك. بس الدرس اتعلمناه، واللي يمس شعرة منك أو من بنتك، نمحيه من على وش الأرض.”
إسماعيل طلع تليفونه وبصلي بابتسامة نصر: “على فكرة يا جيهان، المحاميين بتوعنا شغالين دلوقتي على قضية الطلاق، وكمان رفعنا قضية حضانة كاملة لليلى، والمدعو مدحت مش هيشوف الشارع قبل عشر سنين سجن بتهم الشيكات والنصب والاختلاس اللي لبسها فوق في القاعة.”
فارس فضل واقف عند الشباك، باصص لبعيد، وبعدين التفت ليا وعيونه فيها لمعة ذكاء وقوة تخوف: “كل ده كوم، واللي هيحصل من بكرة كوم تاني يا جيهان. مدحت افتكر إن اللعبة انتهت لما الكلبشات دخلت في إيده.. ميعرفش إن الرفاعي مبيرضوش بالهدم وبس، إحنا بنبني على الأنقاض.”
قومت ووقفت قدامه: “قصدك إيه يا فارس؟”
فارس طلع ملف أسود فخم من مكتبه وحطه قدامي: “بكرة الصبح، السجل التجاري بتاع شركة مدحت هيتغير تماماً. اسم الشركة الجديد هيبقى ‘مجموعة جيهان الرفاعي للاستثمار’. أنتِ اللي هتمسكي مكانه، وأنتِ اللي هتديري كل الملايين والشراكات اللي كان بيموت عشان يوصل لها. هتقعدي على كرسيه، وهتخلي كل رجال الأعمال اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليكي بكرة يجوا يقفوا طوابير قدام مكتبك عشان يخدوا منك إمضاء.”
قلبي دق بقوة، بس المرة دي مش خوف، دي هيبة المسؤولية وقوة الدم اللي بيجري في عروقي. بصيت للملف وقولت بصوت حاسم: “وهو كذلك يا فارس. من بكرة مفيش جيهان الطيبة الغلبانة.. من بكرة جيهان الرفاعي هتعرف السوق كله مين هي أخت العمالقة.”
مر شهر كامل على اليوم ده.
وفي صباح يوم جديد، كانت عربيتي واقفة قدام برج الشركة. نزلت بكامل أناقتي وثقتي، لابسة بدلة رسمية فخمة، وورايا الحرس الخاص بيا. دخلت من الباب الرئيسي، وكل الموظفين وقفوا انتباه، بيحنوا رؤوسهم باحترام حقيقي وخوف من الإدارة الجديدة.
طلعت الدور الأخير، ووقفت قدام مكتب السكرتارية. المكان كان هادي، ومكتب كريمة كان قاعد عليه بنت جديدة، محترمة وبتتكلم بمنتهى الأدب: “أهلاً بحضرتك يا جيهان هانم، كل الملفات جاهزة على مكتبك، والوفد الألماني مستني في قاعة الاجتماعات.”
ابتسمت لها ودخلت مكتبي الفخم، قعدت على الكرسي الكبير وبصيت من الشباك الإزاز اللي كاشف البلد كلها من فوق.
وفجأة، التليفون الداخلي رن، السكرتيرة قالتلي: “يا فندم، فيه محامي جاي من طرف مدحت المحبوس، وبيترجى حضرتك تقابليه دقيقة واحدة، بيقول معاه رسالة استعطاف شخصية من مدحت.”
سكت ثواني، وأخدت نفس طويل، وبصيت لصورة ليلى اللي حطاها على مكتبي وهي بتضحك ولابسة العقد الورق اللي صمم فارس يحتفظ بيه في برواز فخم.
رجعت بضهري لورا على الكرسي، وقولت للسكرتيرة بنبرة باردة وقوية لدرجة تخوف: “قولي للمحامي بتاعه..”
#حكايات_صافي_هاني
“قولي للمحامي بتاعه.. جيهان الرفاعي مابتسمعش لرسائل من الأموات. يرجع لموكله ويبلغه إن كل باب اتقفل في وشه، والرحمة اللي كان مستنيها ماتت في اليوم اللي منعني فيه أدخل شركته.”
قفلت السكة قبل ما أسمع ردها، وقمت من على الكرسي بكل ثقة. عدلت الجاكيت بتاعي وبصيت لنفسي في المراية؛ ملامح الست المكسورة الغلبانة اختفت تماماً، وحل مكانها نظرة حادة، ماليها الكبرياء والقوة اللي ورثتها من عيلتي.
فتحت باب مكتبي وخرجت لقاعة الاجتماعات الكبيرة، حيث الوفد الألماني ومستشارين الشركة واقفين مستنيين خطوتي. أول ما دخلت، الكل وقف انتباه، وانحنت الرؤوس احتراماً وتقديرًا للهيبة اللي داخلة بيها.
قعدت في رأس الترابيزة، وبصيت لهم بابتسامة نصر وثبات، وبدأت أتكلم بلغة الأرقام والملايين، وأنا عارفة إن من اللحظة دي، السوق كله مش هيعمل حساب لحد قد جيهان الرفاعي.
أما مدحت، فمكانش ليه مكان في حياتنا غير صفحة واتطوت واترست تحت رجلين العمالقة، عشان يعرف هو وكل حد يفكر يمس كرامة بنت الرفاعي، إن اللعب مع الكبار تمنه العمر كله.
#حكايات_صافي_هاني