المغرورة والقاسي بقلم منال عباس الثاني

المغرورة والقاسي بقلم منال عباس

الثانى

توالت الأيام كأنها دقات ساعة تحصي نبضات قلب ليلى الذي بات معلقاً بوجود أدهم، فأصبحت الغيرة بينهما لعبة خفية، وأضحى القصر شاهداً على حوارات الصمت التي تشتعل بين عينيها وعينيه. في ليلة مقمرة، وبينما كانت ليلى تجلس في زاوية الإسطبل تعزف لحناً حزيناً على أوتار قلبها، دخل أدهم بخطوات هادئة غير معتادة، لم تكن ملامحه تعكس غضبه المعهود، بل مسحة من الحزن والندم، جلس على مقربة منها دون أن ينطق بكلمة، وبدأ يراقب كيف تتمايل أناملها على شعر الخيول وكأنها تداوي جروحها، وفجأة، قطع الصمت وقال بصوت خافت لم تعهده من قبل: “لماذا تتحملين قسوتي؟ لماذا لم تهربي من هذا الجحيم كما يفعل الجميع؟”. نظرت إليه ليلى بصدق، ووجدت نفسها تجيبه بعفوية: “لأنني وجدت هنا شيئاً لم أجده في حياة الترف والقصور.. وجدت نفسي، ووجدت قلباً يختبئ خلف جدران القسوة خوفاً من الانكسار”. اقترب أدهم منها هذه المرة بلا تردد، وبدأ يزيح خصلات شعرها عن وجهها بلمساتٍ دافئة أشعلت في كيانها نيراناً من المشاعر، وهمس لها: “أنتِ لستِ كبقية النساء، لقد اقتحمتِ حصوني التي ظننتها منيعة، وجعلتِني أشك في كل قناعاتي”. وفي تلك اللحظة، قطعت لحظة الرومانسية تلك صرخة قادمة من الخارج، حيث وصل ابن عم أدهم ومعه أصدقاؤه في حالة من السكر والعربدة، وبدأوا يتهكمون على وجود ليلى في الإسطبل ويحاولون اقتحام المكان لإهانتها، جن جنون أدهم، وتوهجت في عينيه نظرة وحشٍ يدافع عن عرينه، خرج إليهم كالبرق، وتصاعدت حدة الصراخ والاشتباك، وبينما كانت ليلى تقف خلف الباب تراقب بقلبٍ يرتجف، رأت أدهم يقاتل بضراوة ليدافع عن كرامتها، ليس كعاملة، بل كأنها ملكٌ لا يجرؤ أحدٌ على المساس به. بعد أن طردهم جميعاً، عاد إلى ليلى وهو يلهث، كانت جراح وجهه تنزف، لكنه لم يكترث، بل اتجه إليها وأمسك بيديها بقوة، وقال بنبرة تفيض بالمشاعر المكبوتة: “منذ اليوم، أنتِ لستِ عاملة في هذا القصر، أنتِ جوهرة هذا المكان، ومن يقترب منكِ فليحفر قبره بيده”. لم تكن تعلم ليلى أن هذه اللحظة كانت ذروة نجاح خطة والدها ووالد أدهم، اللذين كانا يراقبان المشهد من خلال كاميرات دقيقة وزعت في أنحاء القصر، فقد كان الوالدان يبتسمان بانتصار، يريان كيف أن الغرور الذي كان يغلف ليلى قد تفتت أمام الحب، وكيف أن القسوة التي سكنت قلب أدهم قد انصهرت في بوتقة الغيرة والمشاعر الصادقة، ومع ذلك، لم يكن أي منهما يعلم أن القدر يخبئ لهما اختباراً أخيراً، اختباراً سيجعل الحقيقة تخرج للعلن بطريقة لن يتوقعها أحد، حيث بدأت ليلى تشعر بوجود سر كبير يربط بين والدها وبين هذا القصر، وبدأت خيوط الحقيقة تتضح لها في زوايا الغموض، لتدرك أن الحب الذي بدأت تعيشه قد يكون مبنياً على كذبة بيضاء ستقلب حياتهما رأساً على عقب حين تُكشف الأوراق.
بقلم منال عباس
بدأت المشاعر بين ليلى وأدهم تأخذ منحنى مختلفاً تماماً، فبعد تلك الليلة، تحول الإسطبل من مكان للعمل الشاق إلى ملاذ خاص يجمعهما في سهرات هادئة بعيداً عن صخب العالم، كان أدهم يخصص وقتاً ليُعلمها فنون الفروسية بنفسه، وفي كل مرة كان يلتصق بظهرها ليوجه حركات يديها على لجام الحصان، كانت أنفاسه تلامس عنقها، مما يجعل قلبها يقرع طبولاً من التوتر الرومانسي الذي لا يُقاوم، كانت تلك اللحظات “تريند” حقيقي في نظراتهما التي تتبادل الرسائل دون حروف، وفي إحدى المرات، وأثناء تدريبهما، تعثر حصان ليلى فجأة، فاحتضنها أدهم بسرعة البرق ليحميها من السقوط، وسقطا معاً على القش الناعم، تشابكت الأنظار والأنفاس، وتوقفت عقارب الساعة عن الحركة، همس أدهم وهو يحدق في عينيها بإعجاب لم يعهده في نفسه: “هل تعلمين أنكِ العاصفة الوحيدة التي تمنيتُ أن تقتحم حياتي؟”، شعرت ليلى بخجل شديد، وبدأت تدرك أنها لم تعد تبالي بالعودة لحياتها القديمة، فالحياة بجانب أدهم، بكل قسوتها التي تحولت لتدليل غامض، صارت هي عالمها الحقيقي، لكن الأمور لم تكن تسير في خط مستقيم، إذ بدأت الغيرة تشتعل في قلب أدهم مجدداً حين لاحظ أن ليلى أصبحت تتلقى باقات ورد مجهولة المصدر تُترك عند مدخل الإسطبل، لم يكن يعلم أنها خطة من عم حسين لزيادة التوتر، فاستشاط أدهم غضباً واقتحم غرفتها في ساعة متأخرة، ورمى الورد في وجهها صارخاً: “من هذا الأحمق الذي يتجرأ على إرسال الهدايا لكِ وأنتِ تحت حمايتي؟”، ضحكت ليلى بتحدٍ وقالت: “ربما شخص يرى فيّ ما لا تراه أنت يا أدهم، ربما شخص يرى أن الجمال لا يحتاج لقسوة لتُقدر قيمته”، اقترب منها أدهم بغضب عاشق، وحاصرها بين ذراعيه على الحائط، وقال بصوت خافت هز كيانها: “لا أحد يرى فيكِ ما أراه، أنتِ مُلكي، بجمالك، بغرورك، وحتى بعنادك الذي لا يطاق”، ثم انحنى ليقبل جبهتها في لحظة رومانسية خالصة، غير مدرك أن ابن عم أدهم كان يراقب من النافذة، يخطط لمكيدة جديدة ليفسد هذا التقارب، بينما كان عم حسين يرسل تقريراً مشفراً لوالد ليلى، يخبره فيه أن “الفريسة” أصبحت “صيادة” وأن العاشق القاسي أصبح خاضعاً لسحرها، لم تكن ليلى تعلم أن كل لحظة حب تعيشها تُسجل وتُحلل، وأن الصدام الكبير بين الحقيقة والمشاعر يقترب، خاصة بعد أن بدأت تظهر خيوط التلاعب التي يمارسها والدها، حيث وجدت ليلى بالصدفة في مكتب أدهم الخاص أوراقاً تحمل توقيع والدها، أوراقاً توضح اتفاقاً غريباً حول “ترويض ابنة المدلل”، فتجمدت في مكانها، وبدأ الشك ينهش قلبها الذي كان قد استسلم تماماً، هل كان حبه لها حقيقياً، أم أنه مجرد دورٍ يؤديه ضمن خطة والدها لكسر غرورها؟ أصبح القصر الآن مسرحاً لمشاعر متناقضة، حيث الحب الذي ينمو بينهما أصبح يتغذى على ألغاز الحقيقة التي توشك على الانفجار.
بقلم منال عباس
انفجرت الحقيقة في عقل ليلى كالصاعقة وهي تمسك بالأوراق؛ لم يكن أدهم ضحية لجمالها كما ظنت، بل كان شريكاً في مؤامرة “ترويضها” منذ اللحظة الأولى، سقطت الأوراق من يدها وهي تشعر ببرودة تسري في أوصالها، بينما دخل أدهم الغرفة ليجدها في تلك الحالة، تجمدت ابتسامته الدافئة حين رأى الأوراق مبعثرة على الأرض، صمت المكان فجأة ولم يعد يسمع سوى دقات قلب ليلى المتسارعة، حاول الاقتراب منها لتبرير الموقف، لكنها تراجعت للخلف وكأنها تراه لأول مرة، صرخت فيه بصوت ممزوج بالقهر والخذلان: “كل شيء كان تمثيلاً؟ القسوة، الغيرة، وحتى تلك اللحظات التي ظننتها صادقة؟ هل كنتَ مجرد أداة في يد والدي لكسر غروري؟”، لم ينكر أدهم، بل نظر إليها بنظرة انكسار لم تعتدها، حاول لمس يدها لتهدئتها لكنها دفعت يده بقوة، فرت ليلى من الغرفة كالمجنونة، ركضت نحو الإسطبل، نحو خيلها الوحيد الذي كان يمثل أصدق حب عرفته في هذا المكان، بينما تبعها أدهم وهو يصرخ باسمها، كانت السماء تمطر بغزارة وكأنها تبكي حالهما، وتلك المشاهد أصبحت حديث الخدم الذين يهمسون في الزوايا عن “نهاية أسطورة القاسي وابنة الباشا”، وقف أدهم أمامها تحت المطر، كان مبللاً تماماً، تلاشت كل أساليب التكبر والقسوة، وقال بصوت متحشرج: “ليلى، اسمعيني، البداية كانت اتفاقاً بالفعل، كانت خطة لكسر غروركِ الذي كان سيدمركِ، لكنني أقسم أنني لم أكن أعلم أنني سأقع في فخ مشاعري! نعم بدأت الأمر كعقاب، لكنني انتهيتُ بكِ كحياة، أنتِ غيرتِني أكثر مما غيرتُكِ، القسوة التي كنتُ أتظاهر بها ذابت أمام دموعكِ الصادقة، أرجوكِ لا تحكمي على حبنا بآثام البدايات”، لكن ليلى لم تكن تسمع، كانت الكلمات تتردد في رأسها كصدى مؤلم، وفي تلك اللحظة، اقتحم ابن عم أدهم المشهد مع مجموعة من أصدقائه، مستغلين حالة الانهيار التي يمر بها أدهم، وبدأوا يتهكمون عليه، ووجه أحدهم إهانة قاسية لليلى واصفاً إياها بـ “لعبة الآباء”، وهنا تحول أدهم إلى بركان من الغضب، لم يكتفِ بالدفاع عنها، بل انهال عليهم ضرباً بوحشية، كانت ليلى تشاهد المعركة وهي تشعر بتمزق داخلي، بين رغبتها في الهرب وبين قلبها الذي يصرخ بأن أدهم رغم كل شيء هو من دافع عنها، فجأة، توقف أدهم عن القتال بعد أن طرحهم أرضاً، ونظر إلى ليلى التي كانت تقف تحت المطر، كانت عيناه مليئتين بصدقٍ لا يمكن تزييفه، اقترب منها، وكان يقترب أكثر فأكثر، وفي لحظة “تريند” سينمائية، لم يكترث لمن حوله، جذبها إليه في عناقٍ قوي ومحتد تحت المطر، كان عناقاً يغسل كل الأكاذيب ويطالب بفرصة أخيرة، همس في أذنها: “إن كان كل ما حدث كذبة، فالحب الذي أشعر به الآن هو الحقيقة الوحيدة التي أملكها، ارحلي إذا أردتِ، لكنكِ ستأخذين قلبي معكِ ولن أبقى على قيد الحياة بدونه”، وفي تلك الأثناء، ومن خلف الستائر، كان الوالدان يراقبان الموقف عبر الشاشات، يتساءلان هل نجحت لعبتهما في خلق حبٍ حقيقي، أم أن النار التي أشعلاها ستحرق الجميع في النهاية؟ لم تكن ليلى تعلم أن قرارها في الليلة التالية سيحدد ليس فقط مصيرها مع أدهم، بل سيكشف عن خيانة أكبر كان يخطط لها ابن عم أدهم للاستيلاء على كل شيء….يتبع
بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *