ودوا البت
ودّوا البنت الوحشة لحد باب بيت المليونير، عشان يتكسف منها ويرفضها لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتهم، لأنه ما سمحلهاش تمشي!
عيلة مريم كانت فاكرة إن رفضها هيبقى أحسن فرصة عشان يفتحوا كلام مع أختها غير الشقيقة، ريهام.
بس اللي ماكانوش عاملين حسابه إن كريم اكتشف الكذبة قبل ما مريم تخلص كلامها.
والبنت المراهقة اللي بقالها شهور قافلة على نفسها ومش عايزة تتعامل مع حد عملت حاجة محدش كان يتوقعها.
الأوضة كلها انفجرت في الضحك لما داليا قالت وهي بتضحك بسخرية
ابعتوا مريم الراجل الغني ده هيرميها برّه في خمس دقايق!
مريم عبدالسلام كانت واقفة على بُعد كام خطوة، بتطوي نفس الفوطة للمرة التالتة، كأنها ما سمعتش حاجة.
عندها 26 سنة، واتعودت من زمان إنها تبقى زي الهوا في بيتها موجودة، بس محدش شايفها.
كانت خريجة إدارة أعمال، تعرف تدبر بيت بفلوس قليلة، وتطبخ أكلة محترمة من كام حاجة موجودين في التلاجة، ولو الحنفية سرّبت أو ماسورة ضربت كانت بتعرف تتصرف.
حتى الفلوس كانت بتعرف تمشيها بالحساب، وتعمل ميزانية تكفي الشهر كله.
بس بالنسبة لمرات أبوها، نادية، كل ده ماكانش له أي لازمة.
هي كانت شايفة بس هدوم مريم البسيطة، وجزمها اللي من غير كعب، وشعرها اللي دايمًا لامماه وراه.
والأسوأ من كل ده إنها كانت بتفكرها بأمها، سحر.
سحر ماتت من سبع سنين.
وبعد موتها، أبو مريم اتجوز نادية، وبعد فترة سافر الإمارات بحجة الشغل، وهناك اتجوز واحدة أصغر منه، وساب البيت ومراته الجديدة في القاهرة، وساب بنته كمان لمصيرها.
ومن يومها، مريم بقت الخدامة غير الرسمية للبيت.
هي اللي تطبخ.
وهي اللي تنظف.
وهي اللي تقضي طلبات نادية وبناتها.
ريهام، أختها من الأب، عندها 28 سنة، عايشة على السوشيال ميديا،
عندها آلاف المتابعين، وكل شوية تشتري هدوم وبرفانات وحاجات غالية، ومامتها هي اللي بتسد الديون في الآخر.
أما داليا، عندها 25 سنة، دخلت كليتين وسابتهم، وبعدها جربت تعمل تلات مشاريع، وكل مشروع كان بيقفل قبل ما يعدي كام شهر.
وقبلها بثلاث أيام، وصلت للبيت دعوة غريبة.
دعوة من رجل اسمه كريم الشاذلي.
رجل أعمال مصري معروف، أسس واحدة من أكبر شركات النقل والخدمات اللوجستية في مصر، وشغله بقى ممتد في دول عربية كتير.
كريم كان عنده 44 سنة، أرمل، وعنده بنت اسمها سلمى، عندها 17 سنة.
سلمى من بعد وفاة أمها بسنتين، قفلت على نفسها تمامًا.
بطلت تختلط بالناس، وبقت تقضي أغلب وقتها في أوضتها، وكأنها بتحاول تهرب من الدنيا كلها.
وكريم ماكانش بيدور على واحدة تتجوزه وخلاص.
كان عايز ست عاقلة، صريحة، مستقرة واحدة تفهم يعني إيه بيت ساكت، ويعني إيه حد بيحاول يعيش وهو شايل وجع جواه.
أول ما نادية عرفت، بصّت لبنتها ريهام وقالت
دي فرصتك يا بنتي.
لكن داليا، كعادتها، قررت تهزر.
قالت وهي بتضحك
يا ماما، لو ريهام راحت له كده على طول هيقفل الباب في وشها! ابعتي مريم الأول دي الراجل هيشوفها خمس دقايق ويقول مش عايز.
ضحكوا كلهم.
إلا نادية.
الضحكة اختفت من على وشها فجأة.
وقالت بهدوء
على فكرة دي مش فكرة وحشة.
داليا بصتلها باستغراب.
ماما! أنا بهزر!
وأنا مش بهزر.
وبعدين قامت نادية واتجهت ناحية مريم.
وقفت قدامها وقالت
إنتِ هتروحي السبت.
مريم رفعت عينيها.
أنا؟
أيوه إنتِ. الراجل هيشوفك ويعرف إنك مش مناسبة، ويرفضك. وبعدها تفتحي له سيرة ريهام.
مريم سكتت ثواني، وبعدين قالت
يعني عايزاني أروح عشان أتبهدل قدامه؟
نادية ابتسمت ابتسامة باردة.
أخيرًا فهمتي.
ريهام ابتسمت برضا.
أما داليا، فبصت في الأرض.
يمكن حتى هي كانت حاسة إن الموضوع زاد عن مجرد هزار.
في الليلة دي، مريم دخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت درج صغير في الكومودينو، وطلعت آخر صورة عندها لأمها.
كانت سحر واقفة في جنينة صغيرة، بتضحك وهدومها عليها شوية تراب، كأنها كانت بتزرع حاجة بإيديها.
مريم فضلت باصة للصورة فترة طويلة.
أمها قضت عمرها مستنية إن جوزها يقدّرها ويشوف تعبها.
ومع ذلك، ماتت وهي لسه مستنية.
مريم مسحت دمعة نزلت على خدها وقالت لنفسها
أنا مش هكرر حياتك يا أمي.
كانت هتروح فعلًا.
لكن مش عشان تنفذ خطة نادية.
ولا عشان تسوّق ريهام لراجل مايعرفهاش.
ولا عشان تسمح لحد يهينها.
المرة دي هتدخل المكان وهي على طبيعتها.
ولو الراجل رفضها، يمشي.
بس مش هتكدب عشان ترضي حد.
السبت وصل.
ومريم وقفت قدام بوابة فيلا كريم في التجمع الخامس، بفستان كحلي بسيط، من غير دهب كتير ولا ميكاب مبالغ فيه.
الفيلا كانت ضخمة، والبوابة لوحدها كانت تقول إن صاحب المكان مش شخص عادي.
لكن مريم مااهتمتش بالفيلا.
اللي شد عينيها كان الجنينة.
ورد بألوان مختلفة، ممرات حجر، وشجر عليه زهور بيضا صغيرة بتتحرك مع الهوا.
فضلت واقفة تبص حواليها، وكأنها لأول مرة من سنين تشوف مكان جميل من غير ما تكون مطالبة بتنضيفه.
ومن الناحية التانية من الجنينة
كان كريم واقف بيراقبها.
كان متوقع يشوف واحدة داخلة بابتسامة محفوظة، وكلام متحضّر زيادة عن اللزوم، وتحاول تثبت له إنها مناسبة بأي تمن.
لكن اللي شافه كان مختلف.
شاف بنت واقفة قدام الورد وكأنها لقت حاجة كانت مفتقداها من زمان.
ولما مريم أخيرًا لمحته، ملامحها اتشدت.
كريم لاحظ ده فورًا.
القناع اللي لبسته على وشها كان مألوف بالنسباله.
هو نفسه بيلبسه من يوم ما مراته ماتت.
اتقدم ناحيتها وقال
إنتِ مريم؟
أيوه.
أنا كريم. تحبي نقعد جوه ولا نتمشى شوية؟
مريم بصت للجنينة.
نتمشى.
ومشوا.
دقايق طويلة عدّت من غير ما أي واحد فيهم يحاول يملأ السكوت بكلام فاضي.
وده كان غريب بالنسبة لكريم.
الستين اللي قابلهم قبل كده كانوا بيتكلموا من أول لحظة لآخر لحظة.
واحدة تحكيله عن السفر.
والتانية عن الحفلات.
والتالتة عن البراندات والدهب.
لكن مريم كانت ساكتة.
وفجأة كريم قال
إنتِ مستعدة تكوني صريحة معايا لحد فين؟
مريم بصتله.
حسب السؤال.
إنتِ اللي طلبتي تيجي هنا؟
مريم وقفت.
كان قدامها اختيارين.
تقول الكلام اللي نادية حضّرتهولها.
أو تقول الحقيقة.
ولأول مرة في حياتها، اختارت نفسها.
قالت
لأ.
كريم فضل ساكت.
فكملت
عيلتي هي اللي بعتتني. الموضوع كله كان أصله هزار وبعدين قلب لخطة.
خطة إيه؟
مريم أخدت نفس.
هما شايفين إني مش جميلة كفاية، ومش مناسبة ليك. فكانوا عايزينك تقابلني وترفضني. وبعدها أنا أجيب لك سيرة أختي ريهام، اللي هما شايفين إنها أحسن مني.
كريم مااتكلمش.
بس ملامحه اتغيرت.
مريم كملت
لو عايز تنهي المقابلة، أنا متفهمة. ممكن أرجع دلوقتي.
كريم راح قعد على دكة حجرية جنب الشجر.
وأشار لها تقعد.
وقال
المحامي بتاعي كان منبهني إن في حاجة غلط.
مريم بصتله باستغراب.
إزاي؟
الدعوة والرد اللي وصلنا كان فيه اسم ريهام في الأول. بعدين الاسم اتغير لمريم.
سكت لحظة، وبعدين قال
كنت عارف إن في حاجة مستخبية. بس ماكنتش أعرف إنهم باعتينك عشان يهينوكي.
مريم نزلت عينيها.
دلوقتي عرفت.
أيوه.
يبقى خلصنا.
ليه؟
مريم بصتله.
لأنك أكيد مش عايز واحدة حياتها بالشكل ده.
كريم هز راسه.
بالعكس.
سكت ثانية، وبعدين قال
إنتِ أول واحدة تدخل البيت ده وتقول لي الحقيقة من غير ما تحاول تبيعلي صورة مثالية عن نفسها.
مريم ماعرفتش ترد.
كريم اتنهد وقال
أنا عندي بنت اسمها سلمى.
عارفة.
من بعد وفاة أمها وهي مش زي الأول. قفلت على نفسها، وبقت بتبعد عن أي حد يحاول يقرب منها.
وبص قدامه وقال
أنا بعرف أدير شركة فيها مئات الموظفين. بعرف أحل مشاكل بملايين الجنيهات. لكن بنتي؟ معرفتش أساعدها.
مريم فضلت
لمحة نيوز