تحذيرات وييتر صافى هانى الثانى والاخير
ودخل منه الشاويش مصطفى ومعاه اتنين أمناء شرطة باللبس الميري، وطبنجاتهم في إيديهم.
عصام وقف متسمر في مكانه، الدم هرب من وشه وبقى زي الجث..ة، والملف الجلد الأسود وقع من إيده على السجادة. منى قعدت على الركبة في الأرض وهي بتعيط بهستيريا وتلطم على وشها: “يالهوي.. يامصيبتي.. يا ماما والله العظيم ما كنت أعرف.. هو اللي قالي! هو اللي وزّني!”
قمت وقفت براحة من على الكرسي الهزاز، وبقيت واقفة بطولي، سحبت المنديل اللي في جيب جلابيتي ومسحت الحبر الأزرق من على صباعي بكل برود، وبصيت لعصام اللي كان بيترعش لدرجة إن سنانه كانت بتخبط في بعضها.
”كنت فاكر يا عصام إنك أذكى من الدكتورة ماجدة؟” قلتها وصوتي كان هادي جداً بس يرعب، “32 سنة في المشرحة والطب الشرعي، ياما عدى عليا أشكال ضالة زيك، فاكرين إن الجري..مة كاملة. المادة اللي أنت حطيتها في العصير اسمها ‘زوبيكلون’، مهدئ قوي وجرعته الزيادة بتعمل غيبوبة مؤقتة وتأثير على الذاكرة.. تحب أقولك أنت شاريها من أنهي صيدلية وبكام؟”
عصام حاول يتكلم، شفشافه كانت بتتحرك من غير صوت، لغاية ما طلع صوته مبحوح: “يا فندم.. يا حماتي.. ده.. ده كان مقلب.. إحنا كنا بنهزر معاكي!”
الشاويش مصطفى قرب منه وداير الكلبشات الحديد في إيده، وبحركة سريعة ومحترفة كلبش إيديه ورا ضهره: “هزر في النيابة يا روح أمك.. مقلب بالسم وتزوير وتوكيل عام؟ دا أنت ليلتك هتبقى كحلي.”
منى جريت عليا وزحفت لغاية ما مسكت في رجلي وهي بتعيط: “سامحيني يا ماما.. عشان خاطر عيالي.. عصام ضحك عليا وقالي إنك كبرتي وفلوسك هتروح للغرب.. سامحيني يا أمي!”
بصيت لبنتي، حتة من قلبي، بس كانت حتة سودة.. الجشع عماها لدرجة إنها كانت مستعدة تشوفني مرمية في دار مسنين مغيبة عن الدنيا عشان شوية فلوس. شيلت رجلي من إيدها براحة وقلت للشاويش مصطفى: “خدوهم يا مصطفى.. الحرز مع المحضر، والتقرير بتاع المعمل الجنائي هيكون على مكتب وكيل النيابة الساعة 9 الصبح بالظبط.”
أمناء الشرطة سحبوا عصام ومنى وهي بتصوت وتستعطفني، وصوت صريخها كان مالي سلم العمارة لغاية ما نزلوا بيهم لبوكس الشرطة اللي واقف تحت في المطر.
الشقة رجعت هادية تاني.. هدوء قاتل.
قعدت على الكرسي الهزاز، المطر برا كان لسة بينزل بغزارة على شجر المنيل. بصيت لكباية الشاي الدافي اللي عملتها لنفسي، وتليفوني رن.. كان رقم غريب.
فتحت الخط: “ألو؟”
جالي صوت راجل، خشن وواطي، ومفيهوش أي رحمة: “الدكتورة ماجدة؟ مبروك عليكي حبسة بنتك وجوزها.. بس لو فاكرة إن الحكاية خلصت لحد هنا تبقي غلطانة. المادة اللي كانت في العصير دي مش بتاعة عصام.. دي بتاعتنا إحنا، وعصام كان مجرد ديل. اللي في العلبة ده سر لو طلع برا المحكمة.. قراية الفاتحة على روحك هتبقى الصبح.”
الخط قطع.
بصيت للتليفون في إيدي، وابتسمت ابتسامة عريضة.. الابتسامة اللي بتظهر لما القض..ية تسخن بجد. وعرفت إن المعركة الحقيقية.. لسة يدوب بتبدأ.صوت الرنين المنقطع ساب في الصالة هدوء يشبه هدوء المشرحة بالليل. تليفوني في إيدي كان لسة شاشته منورة، والرقم اللي ظهر كان رقم دولي مشفر، من النوع اللي العصابات التقيلة بتشتريه من الإنترنت عشان تخفي أثرها.
سندت ظهري على الكرسي الهزاز، ومبصيتش ورايا، بس عيني لقطت في مراية الصالون الكبيرة خيال الشاويش مصطفى وهو داخل من الباب الشقة تاني بعد ما سلّم الواد عصام وبنتي لأمناء الشرطة تحت. وشه كان مخطوف، والظاهر إنه سمع جملة أو اتنين من المكالمة.
”سيادتك.. مين اللي كان بيتكلم؟” مصطفى قالها وصوته فيه نبرة قلق مسمعتهاش منه من أيام ما كنا بنحقق في قض..ية ‘سفاح الدقي’.
حطيت التليفون على الترابيزه بكل برود، وبصيت لكباية الشاي: “الظاهر كده يا مصطفى إن الواد عصام مكنش شغال من دماغه. المادة اللي كانت في العصير دي غالية جداً، وشغل عصابات تقيلة بتصفي حسابات أو بتستولي على أراضي دولة وأملاك ناس تقيلة، وعصام كان مجرد ‘ديل’ بيحركوه.”
مصطفى قرب بسرعة، وعينه وسعت: “يعني إيه يا فندم؟ يعني هم اللي وزّوه؟”
”بالظبط.. عصام مديون لطبج الأرض، والناس دول اشتروه، وكانوا عايزين أملاكي والبيت ده بأي ثمن عشان حاجة تانية خالص مش في بال عصام ولا بنتي.” وقفت ومشيت ناحية البلكونة، فتحت الشيش سنة صغيرة، الهوا الساقع لظع وشي، وبصيت تحت.. بوكس الشرطة كان لسة بيتحرك، بس لقطت عربية مرسيدس سودا فيمتو، واقفة على أول الشارع، نوارها مطفية، وموتورها داير.
”مصطفى.. شايف العربية اللي على ناصية الشارع هناك دي؟”
مصطفى قرب وبص من ورايا، وعينه لقطت اللقطة: “دي واقفة من ساعة ما جيت يا فندم.. تفتكري؟”
”مش بفتكر.. أنا متأكدة. التقرير اللي في إيدك ده لو وصل النيابة بكرة الصبح، مش بس هيحبس عصام، ده هيكشف خط سير المادة السامة وهيوصل المحققين لروس كبيرة في البلد.” لفيت لمصطفى وبصيت في عينه بحدة: “المكالمة اللي جاتلي دي كانت تهديد صريح.. يا إما التقرير يختفي، يا إما روحي هي اللي تطلع.”
مصطفى حط إيده على طبنجته وقال بحمية أولاد البلد: “على جثتي يا دكتورة! دا أنا أحرس الشقة دي بروحي، والتقرير ده هيوصل للنيابة لو فيها موتي!”
”الموت مش بالسهولة دي يا مصطفى مع الناس دول.. دول بيحبوا الحوادث اللي تبان طبيعية.. سكتة قلبية، جلطة مفاجئة، ماس كهربائي.” قفلت الشيش براحة والتفتت له: “عشان كده احنا مش هنستنى للصبح.. احنا هنلعب معاهم اللعبة بطريقتي أنا.”
”طريقة إيه يا فندم؟”
ابتسمت وفتحت درج المكتب القديم، طلعت منه فلاشة صغيرة ولابتوب: “الفلاشة دي عليها أرشيف قضايا قديمة أنا اللي محققة فيها بنفسي من عشر سنين.. قضايا شبه دي بالظبط، نفس الأسلوب ونفس المادة. أنا عارفة مين الراس الكبيرة اللي ورا الموضوع ده، بس كنت مستنية اللحظة اللي يغلطوا فيها ويقربوا مني.. وعصام بغبائه فتح الباب.”
قعدت على اللابتوب وصوابعي بدأت تتحرك بسرعة على الكيبورد، ومصطفى واقف ورايا مبهور ومنتظر. بعت رسالة مشفرة لإيميل شخصي جداً.. إيميل اللواء رفعت، رئيس قطاع الأمن العام المتقاعد، وصديق عمري.
كتبتله جملة واحدة: “الصيد وقع في الشبكة.. والسم في الكباية.”
وفجأة.. وقبل ما أقفل اللابتوب..
سمعنا صوت حركة غريبة جاية من المنور بتاع الشقة.. صوت خربشة حديد، وبعدها تكة صغيرة زي صوت قفل الباب بتاع المطبخ وهو بيتفتح بآلة حادة..
مصطفى سحب طبنجته في ثانية وفك الأمان، وأنا سحبت السكي..نة الكبيرة اللي كنت مخبياها تحت الكرسي. الصالة بقت ضلمة كحل بعد ما النور انقطع فجأة عن الشقة كلها.. السكوت بقى مرعب، ومفيش غير صوت المطر برا وصوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. بتتحرك من المطبخ وداخلة على الصالة في الضلمة.
مصطفى وقف قدامي بضهره وهو موجه الطبنجة للضلمة، وفجأة ظهر خيال راجل ضخم، لابس ماسك أسود على وشه، وفي إيده مسد..س بكاتم صوت.. وقبل ما مصطفى يضغط على الزناد، الراجل ضرب طلقة واحدة.. كاتم الصوت عمل “فشّش”، ومصطفى اتمطوح لورا ووقع على الأرض وهو ماسك كتفه والدم بيسيل..
الراجل الضخم وقف فوق راسي في الضلمة، وجه فوهة المسد..س الكاتم للصوت لجبيني بالظبط، وبصوت يشبه الفحيح قال:
”قلتلك قراية الفاتحة هتبقى الصبح.. بس الظاهر إنك مستعجلة يا دكتورة.”الراجل الضخم فضل واقف، كاتم أنفاسه، ومسد..سه ثابت على جبهتي. في الضلمة، كنت سامعة بس صوت نَفَسه العالي تحت الماسك، وصوت تأوه مصطفى المكتوم وهو بيضغط بإيده على كتفه عشان يوقف النزيف.
قلبي كان بيدق، بس عقلي كان بيشتغل بسرعة الـ CPU. “32 سنة في الطب الشرعي يا حبيبي.. علمتني إن الجسم البشري آلة، وأي آلة ليها نقطة ضعف.”
بصوت هادي، وأنا رافعة إيدي ببطء كأني بستسلم، قلت: “تعرف يا بطل.. أنت بتعمل غلطة فادحة.”
الراجل ضحك ضحكة مكتومة، صوتها زي الاحتكاك: “غلطة؟ إيه هي؟ إنك لسه بتتنفسي؟”
”لأ.. الغلطة إنك وقفت في منطقة ‘الظل’ بتاعتي.. وأنا اللي حافظة شقتي أكتر من كف إيدي.”
في اللحظة اللي ضغط فيها بصباعه على الزناد، دست بجزمتي بكل قوتي على “زرار الطوارئ” اللي كنت مركبه في الأرضية تحت الكرسي الهزاز من سنين، زرار بيوصل كهرباء بجهد عالي جداً بيمشي في سلك نحاس عريان تحت السجادة اللي واقف عليها هو.
صوت “تتتتشش” عالي، وريحة شياط فورية ملئت الصالة. الراجل اتنفض في مكانه، جسمه اتشنج والمسد..س طار من إيده في الضلمة، وقع على الأرض وهو بيترعش زي السمكة اللي طلعت من المية.
مصطفى، رغم جرحه، استجمع قوته ورمى نفسه فوق الراجل، واتصارعوا للحظات، صوت خبط، تكسير كراسي، وأخيراً صوت ضربة قوية في راس الراجل خلته يسكت تماماً.
النور رجع ايد فجأة.. الكهرباء كانت رجعت.
بصيت للصالة اللي كانت عبارة عن ساحة معركة. مصطفى كان قاعد على الأرض، وشه غرقان عرق ودم، والراجل الضخم مرمي جنبه، الماسك اتزحزح من على وشه، كشفت عن ملامح راجل أربعيني، عنده ندبة طويلة على خده الشمال.
جريت على مصطفى، وقطعت حتة من طرحتي وربطت بيها كتفه بقوة: “أنت كويس يا مصطفى؟”
مصطفى بيتنفس بالعافية: “كتفي.. الرصاصة شكلها مكسرة عضم.. بس الحمد لله، أهو وقع في إيدنا.”
بصيت للراجل اللي مرمي على الأرض، وشلت الماسك خالص. ملامحه مكنتش غريبة عليا. شفت الوش ده قبل كده.. فين؟.. أيوه! في أرشيف قضايا المنظمات الإجرامية اللي كنت براجعها من ساعة ما عصام بدأ يتصرف بغباء.
قلت لمصطفى بصوت مرعوب: “مصطفى.. الراجل ده مش مجرد قاتل مأجور.”
مصطفى مسح الدم من عينه وبص للراجل: “مين ده يا فندم؟”
فتحت جيب الجاكت بتاع الراجل، وطلعت منه محفظة جلد، جواها بطاقة هوية.. بس مش بطاقة عادية. بطاقة بتطلعها الأجهزة السيادية، وعليها ختم نسر ومكتوب فيها ‘عقيد – قطاع العمليات الخاصة’.
اتسمرت في مكاني. يعني الراجل اللي حاول يقتلني.. راجل من قلب الجهاز اللي المفروض يحمي البلد؟
سمعت صوت صفارات إنذار عربيات شرطة كتير قربت جداً من تحت البيت، وسمعت صوت تكسير باب العمارة.. بس مكنش صوت شرطة عادية.. ده كان صوت اقتحام قوات مكافحة الإرهاب.
الباب بتاع شقتي اتفتح بقوة، ودخل صف من القوات، لابسين خوذات وأقنعة غاز، وموجهين سلا..حهم علينا.. ومعاهم حد دخل وسطيهم.. كان اللواء رفعت، وبصته كانت بتقول إن الليلة دي مش هتعدي على خير.
بص للراجل المرمي على الأرض، وبص لي.. ملامحه مكنش فيها أي تعاطف، بالعكس.. كانت ملامح حد جاي ينفذ مهمة تصفية.
قال بصوت خشن: “دكتورة ماجدة.. أنتِ عارفة أنتِ عملتي إيه؟ أنتِ خربتي خطة بقالنا سنتين بنجهز لها.”
وقفت قدامه، راسي مرفوعة، وبصيت في عينه مباشرة: “خططكم اللي بتهدد أمن الناس وبتبتزهم وبتحاولوا تسرقوا أملاكهم يا سيادة اللواء؟ أنا محققة، وشغلي إني أكشف الحقيقة، مش إني أستر على الفساد!”
اللواء رفعت ضحك ضحكة باردة، وطلع مسد..سه، وصوبه ناحيتي.. وناحية مصطفى:
”خسارة.. كنت فاكرك أذكى من كده. يا دكتورة، الحقيقة مش دايماً اللي بيشوفها الطب الشرعي.. الحقيقة هي اللي بيكتبها اللي بيفضل عايش.”
وعلى صوت صاعقة رعد قوية هزت البيت.. اللواء رفعت ضغط على الزناد..صوت ضرب النار دوّى في الشقة مع صوت الرعد، بس الطلقة مجاتش فيا ولا في مصطفى.. الطلقة جات في كتف الراجل المصاب اللي كان مرمي على الأرض! اللواء رفعت صفّاه بدم بارد عشان يقفل بؤه للأبد، وفي نفس اللحظة اتحركت قوات مكافحة الإرهاب بس مش عشان تقبض علينا.. دول حاصروا اللواء رفعت نفسه وكلبشوه في ثانية!
من ورا القوات، ظهرت الدكتورة ليلى، رئيسة قطاع التفتيش والرقابة، ومعاها قوة من الأمن الوطني. بصت للوجوه المصدومة وقالت بصوت رخامي هز الصالة: “براوة يا دكتورة ماجدة.. الطعم اللي رميتيه بالرسالة المشفرة خلى الخاين الكبير يظهر بنفسه عشان يلم الليلة قبل ما تتفضح.”
اللواء رفعت وهو بيتسحب والكلابشات في إيده، بصلي بنظرة غل وشر وقال: “فاكرة نفسك كسبتي يا ماجدة؟ المادة اللي في العصير وراها شبكة دولية.. خطوتك الجاية هي قبرك!”
مشيت وراه لغاية الباب وقلتله بثقة وثبات: “32 سنة في المشرحة يا رفعت، ياما دفنت قضايا وياما دفنت خاينين.. والشبكة بتاعتكم دي أنا اللي هفك خيوطها حتة حتة.”
التفت لمصطفى اللي كان المسعفين بيشيلوه على النقالة، ابتسملي رغم ألمه وقال: “التقرير جاهز يا فندم، والقض..ية مقفولة.”
بصيت من الشباك على بوكسات الشرطة وهي بتاخد بنتي وزجها، وعربيات الأمن الوطني وهي بتسحب اللواء وعصابته. المطر برا بدأ يهدى، وصوت الفجر بدأ يتردد في شوارع المنيل، وعرفت إن المعركة الكبيرة مع الحيتان التقيلة يادوب بدأت.. وأنا لسة صاحية وما بموتش بسهولة.لميت الورق المتبعزق على الأرض، وحطيت الفلاشة في جيب جلابيتي. الشقة رجعت تصفى تاني من الدوشة والبوليس، ومبقاش فاضل غير ريحة المطر الساقع اللي داخل من البلكونة، وصوت آذان الفجر وهو بيرن في جوامع المنيل ويصحّي الدنيا.
بصيت على كباية الشاي اللي بردت على الترابيزة. بنتي وجوزها واللواء رفعت.. كلهم افتكروا إن السن كسرني، وافتكروا إن العجوزة هتبقى صيد سهل يتقاسموا ورثها وشقاها. ميعرفوش إن اللي عاشت عمرها كله وسط الجثث والمحاكم، مبتخافش من الخيالة ولا بيموتها الغدر.
قفلت الشيش وربطت ترباس الباب كويس. بكره الساعة تسعة الصبح هكون واقفة في مكتب النائب العام بالتقرير والفلاشة، وهبدأ أهد المعبد على كل راس كبيرة افتكرت نفسها فوق القانون.
قعدت على الكرسي الهزاز، وغمضت عينيا براحة وأنا ببتسم وبهمس لنفسي:
“الصبح طلع يا عصام.. بس وحياة ربنا، الشمس مش هتطلع عليكم تاني.”