اتجوزت مسجون صافى هانى الثالث

الظابط وطى بسرعة على يونس، حط صباعه على رقبه يشوف النبض، ووشه اتقلب وقال للعساكر بنبرة سريعة: “لسه فيه الروح! اطلبوا الإسعاف فوراً وقفلوا الشارع!”

​الدنيا لفت بيا، يونس مماتش! بصيت عليه وهو مغمى عليه ونفسه بيتحرك بصعوبة، وفجأة حسيت إن الخطة اللي رسمها في ثانية بدأت تلف حوالين رقبتي أنا.. لو عاش واتكلم، أو لو مات والشرطة فتشوا جثته ولقوا كشف الحساب والبطاقة التانية مش معاه.. كل الشكوك هتيجي عليا.

​الظابط وقف وبصلي بنظرة كلها شك، وجه كشافه في عيني وقال: “أنتِ مين؟ وإيه اللي منزلك وراه بالمسد..س ده؟”

​حاولت أجمع كل ذرة قوة جوايا، افتكرت كلام يونس إن لازم أبان الضحية عشان أنقذ أخويا الصغير اللي كان هيموت من الرعب في حضني. عيطت بهستيريا حقيقية وقلت بصوت متقطع: “أنا مراته.. أنا بسمة.. جالي الشقة فجأة وكان معاه المسد..س ده، وقالي إن ابن عمه اتقتل وهو اللي قتله وعايز ياخدني أنا وأخويا ويهربنا بره البلد.. لما رفضت سحبني بالقوة للمنور وكان هيموت أخويا.. أنا.. أنا كنت بدافع عن نفسي وعن الواد الغلبان ده! مكنتش قاصدة أضربه!”

​الظابط بص لأخويا الصغير اللي كان بيترعش وكاتم وشه، ملامح الظابط بدأت تلين شوية، وقبل ما ينطق، لمح حاجة غريبة..

​بص على درجات السلم اللي تحت يونس، الكشاف بتاعه جاب مفتاح عربية غريب، وجنبه ورقة صغيرة وقعت من جيب يونس وهو بيقع.. الظابط وطى جاب الورقة وفتحها، وأنا عيني وسعت لما شفت مكتوب فيها إيه.. كان مكتوب بخط إيد يونس: “بسمة.. الخزنة التانية في بيت المزرعة.. الباسورد هو تاريخ ميلاد أخوكي.”

​الظابط رفع عينه من الورقة وبصلي بنظرة مرعبة، نظرة فاحصة كأنها سكاكين، وسألني بصوت واطي ومخيف: “تاريخ ميلاد أخوكي كام يا بسمة؟”

​في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة الإسعاف وهي بتبعد وتقرب، وصوت دبة جزم تقيلة تانية جاية من الشارع.. بس المرة دي مكنتش حكومة.. دي كانت عربيات دفع رباعي سودا وقفت وبدأت تحاصر مخارج المنور بالكامل.. رجالة الحوت رجعوا، وبعدد أكبر!ريقي نشف تماماً، وكلمات الظابط كانت بتلف في دماغي زي الدوامة: “تاريخ ميلاد أخوكي كام يا بسمة؟”.. وبصيت للورقة اللي في إيده، وبعدين لعربيات الدفع الرباعي اللي قفلت الشارع والمنور من تحت.. رجالة الحوت رجعوا ومش هيمشوا من غير يونس، أو من غير السر اللي معاه.

​الظابط لسه مستني إجابتي، وعينيه بتقول إنه بدأ يفهم إن الموضوع مش مجرد ست بتدافع عن نفسها، دي شبكة كبيرة وهي غرقانة فيها.

​قبل ما أنطق برقم واحد، الشارع تحت اتقلب جحيم.. صوت ضرب نار حي، كثيف ومفاجئ، بدأ يتضرب على عربيات البوليس والمنور! رجالة الحوت بدأوا الهجوم عشان يخلصوا على الكل وياخدوا يونس!

​”اضرب يا عسكري!! انزلوا تحت!” الظابط زعق بأعلى صوته وسحب طبنجته وبدأ يضرب نار ناحية الشارع وهو مستخبي ورا سور السلم الحديد، والعساكر بدأت تبادلهم الضرب.. المنور كله بقى عبارة عن صوت رصاص بيخبط في الحيطان والحديد، وشرار طير في كل مكان.

​في وسط الهرجلة دي، وأنا واخدة أخويا في حضني ومستخبية في زاوية ضلمة، بصيت على الأرض.. شفت يونس بيتحرك!

​فتح عينيه بصعوبة، وكان وشه شاحب والدم مغرق كتفه، بصلي وسط ضرب النار، وغمزلي بعينه التانية وكأنه بيقولي “دي فرصتك”.. وبحركة سريعة مكنتش متوقعاها من واحد مصاب، سحب رجل العسكري اللي كان واقف يضرب نار جنبه! العسكري اتكعبل ووقع، ويونس قفش في سلا..حه الميري.

​الظابط لف وشه بصدمة عشان يلحق العسكري، وفي الكسر من الثانية ده، يونس زعق فيا بصوت طالع بالعافية وسط ضرب الرصاص: “المفتاح والورقة يا بسمة!! اطلعي فوق واهربي من السطوح!! المزرعة!!”

​الظابط وجّه سلا..حه على يونس وصرخ: “أثبت مكامك!”.. بس يونس ضرب طلقة في الهوا خلت الظابط يرمي نفسه على الأرض.. وأنا من الرعب والادرينالين اللي جرى في دمي، ميركزتش.. جِريت خطوة واحدة، خطفت الورقة ومفتاح العربية من إيد الظابط اللي كان واقع، وشيلت أخويا وبدأت أطلع السلم جري لفوق.. ناحية شقتنا ولسطوح العمارة.

​وأنا بجرّي على السلم لفوق، سمعت صوت طلقة تانية قوية هزت المكان، وصوت صرخة مكتومة.. مكنتش عارفة دي طلقة الظابط ولا طلقة يونس، ولا رجالة الحوت اللي طلعوا على السلم!

​وصلت لباب السطوح الحديد، زقيته بكل قوتي وخرجت للهوا الساقع بتاع الفجر.. بصيت ورايا وأنا بنهج وروحي بتطلع، وسمعت صوت خطوات تقيلة وسريعة جداً بتطلع السلم ورايا.. الخطوات مكنتش بتاعة ظابط، دي كانت دبة جزم غليظة وسريعة.. رجالة الجرح طلعوا ورايا السطوح!النفس اتقطع، ورجليا كانت بتخبط في بعضها وأنا بجري على خرسانة السطوح. أخويا كان ساكت تماماً من كتر الرعب، كأنه حاسس إن أي نفس ممكن يضيعنا. الهوا الساقع كان بيخبط في وشي، بس كنت حاسة بنار في صدري.

​سمعت صوت هبّدة قوية.. باب السطوح الحديد اتفتح واترزع في الحيطة. لفيت راسي وبصيت ورايا، وشفت ظل ضخم واقف على عتبة الباب، نوره جاي من ضوء كشافات الشارع اللي تحت. الراجل أبو جرح في خده وقف، وبصلي ونظرة عينيه كانت بتقول إن اللعبة خلصت.

​”سيب الواد والورق يا شاطرة.. وموتك هيكون رحيم.” صوته كان فحيح مرعب، وبدأ يقرب مني بخطوات بطيئة وواثقة، وكأنه قط بيلاعب فارة محبوسة.

​بصيت حواليّا بيأس.. السطوح كان فاضي، مفيش غير كراكيب قديمة وصفوف غسيل ممدودة. ورايا كان سور السطوح الواطي، وتحته الشارع الغرقان في الضلمة وصوت الرصاص اللي لسه شغال تحت. مكنش فيه مفر.

​في اللحظة دي، افتكرت كلام يونس عن المزرعة.. الخزنة.. تاريخ ميلاد أخويا. الورقة كانت لسه في إيدي المبلولة عرق، والمفتاح بيخبط في صوابعي. بصيت لوش أخويا الصغير اللي باصصلي بعيون مليانة دمع ورجاء.. وقلبي اتملى بقوة غريبة، قوة أم بتدافع عن ضناها.

​الراجل قرب وبقى على بعد خطوات مني، ومد إيده الكبيرة عشان يمسك أخويا.

​غمضت عيني لثانية، وجمعت كل عزمي، وصاحبت صرخة عالية هزت السطوح كله. وبدل ما أرجع لورا، هجمت عليه! خبطت بكتفي بكل قوتي في صدره، الراجل مكنش متوقع الحركة دي من ست غلبانة زيي، فاختل توازنه ورجع خطوة لورا.

​وفي نفس الكسر من الثانية، لفت ونطيت فوق كركوبة قديمة، ومنها نطيت لسور السطوح الواطي. بصيت لتحت.. كان فيه تندة قماش كبيرة لقهوة في الدور الأرضي.

​”يا رب استرها!” قولت الكلمة دي، ورميت نفسي وأخويا في حضني.. في الهوا!

​سمعت صرخة غضب من الراجل ورايا، وبعدها حسيت بهبدة قوية لما وقعنا على التندة القماش. التندة خففت الصدمة، ومنها اتزحلقنا ووقعنا على الأرض في الشارع الجانبي المظلم.

​جسمي كان بيوجعني كله، بس وقفت بسرعة وشيلت أخويا اللي بدأ يعيط بصوت عالي. جِريت بأقصى سرعة ناحية المكان اللي شفت فيه مفتاح العربية بيشاور عليه.. عربية جيب سودا كانت مركونة في زاوية مضلمة.

​فتحت العربية بالمفتاح وركبت وركبت أخويا ورا، ودورت الموتور وطلعت بأقصى سرعة من الشارع الجانبي للشارع الرئيسي، بعيد عن العمارة وعن ضرب النار وعن كل الكوابيس دي.

​كنت بسوق وإيديا بتترعش، ودموعي نازلة مغرقة وشي. بصيت في المراية وشفت العمارة بتبعد.. مكنتش عارفة يونس عاش ولا مات، ولا الظابط ماله، ولا الراجل أبو جرح هيوصلنا إزاي. بس كنت عارفة حاجة واحدة بس.. إن في جيب الجاكت بتاعي، فيه بطاقة باسم جديد، وكشف حساب بملايين، ومفتاح لعمر جديد.. وإن بسمة القديمة ماتت على السلم ده، وإن اللي بتسوق العربية دي دلوقتي هي واحدة تانية خالص، مستعدة تعمل أي حاجة عشان تحمي السر.. وعشان تحمي أخوها.طريق مصر الإسكندرية الصحراوي كان ضلمة كحل، ومفيش غير كشافات العربية الجيب وهي بتشق الطريق بسرعة جنونية. كنت بمسح دموعي بإيد وبسوق بالإيد التانية، وكل شوية أبص في المراية اللي في النص وأنا مرعوبة لألمح كشافات عربيات الدفع الرباعي بتاعة رجالة الحوت ورايا، أو أسمع سرينة بوليس بتجري ورايا.

​أخويا الصغير كان نام ورا من كتر التعب والخوف، نايم وهو كاتم ضامم الميكي ماوس لصدري. بصيت على الكرسي اللي جنبي.. المفتاح، والورقة اللي فيها جملة يونس، والبطاقة المزورة وكشف الحساب. الملايين بقت في إيدي، بس الملايين دي ريحتها دم.

​ساعتين سواقة لحد ما وصلت للمكان اللي يونس كان حكالي عنه زمان في وسط كلامه عن أراضي عيلته.. بيت المزرعة. مكان معزول، حواليه شجر برتقال عالي، وفي آخره بيت دور واحد مبني بالطوب الأحمر.

​نزلت من العربية وأنا حاسة إن جسمي كله مهدود. شيلت أخويا ودخلت البيت اللي كان غرقان في التراب والهدوء. حطيته على كنب قديمة وغطيته بجاكت، وجريت أدور على الخزنة.

​فتشت ورا اللوحات، تحت السجاد، لحد ما لقيتها.. ورا دولاب خشب قديم في أوضة النوم. خزنة حديد ديجيتال سودا، مدفونة في الحيطة.

​وقفت قدامها ونبضات قلبي بتهز صدري. “تاريخ ميلاد أخوكي”.. صوابعي كانت بتترعش وأنا بكتب الأرقام: 1، 4، 2، 0، 1، 8.

​تكة.. وصوت ميكانيكي مألوف.. الخزنة فتحت!

​نور كشاف الموبايل جاب اللي جواها.. ولقيت نفسي قدام صدمة تالتة وعمرها ما خطرت على بالي. الخزنة مكنش فيها فلوس ولا دهب.. الخزنة كان فيها ملفات تانية خالص، وصور ليونس وهو لابس لبس رسمي.. وجنبها طبنجة ميري، وشارة معدنية عليها شعار “وزارة الداخلية – قطاع الأمن الوطني”!

​فتحت الملف وأنا مش مصدقة عيني، لقيت قرار تكليف رسمي باسم يونس.. يونس مكنش غاسل أموال، ولا كان بيحمي ولاد الحوت.. يونس كان ضابط زارعينه جوه الشبكة دي من سنين عشان يجيب قرارهم من الجذور! والتلات سنين اللي قضاهم في السجن، كانوا جزء من التمويه عشان يثبت التهمة على ابن عمه ويوصل لراس الأفعى الكبيرة.

​وفجأة.. الموبايل اللي كان في جيب الجاكت.. الموبايل بتاع يونس اللي أخدته مع المفاتيح.. رن!

​الرقم مكنش مكتوب عليه اسم، كان مجرد خطوط. فتحت الخط وإيديا بتروح وتيجي من الصدمة، وقبل ما أنطق، سمعت صوت أنفاس تقيلة ومجروحة.. صوت يونس!

​”بسمة..” صوته كان طالع بالعافية، بس فيه نبرة هدوء غريبة، “أنا لسه عايش.. والطلقة جت في كتفي.. والظابط اللي كان على السلم ده يبقا زميلي في القطاع.. كان لازم نعمل التمثيلية دي قدام عيون رجالة الحوت اللي محاصرين المكان عشان يفتكروا إني اتصفيت ويحلّوا عنك وعني.”

​دموعي نزلت بس المرة دي دموع ذهول: “يونس.. أنت.. أنت ضابط؟ ورق الخزنة..”

​”أنا ضابط يا بسمة.. واللعبة اللي قولتلك عليها مكنتش كدبة، بس مكنتش قذارة.. دي كانت قض..ية عمري. والفلوس اللي في الحساب دي فلوس الدولة اللي جمدناها من حساباتهم. أنا اخترتك عشان كنت محتاج حد بريء بجد يدافع عني وعيونه فيها صدق.. بس والله العظيم أنا حبيتك بجد.. ومكنتش عايز أدخلك في الخطر ده كله.”

​سكت ثانية وسعل بتعب، وبعدين كمل ونبرته اتقلبت لجدية مرعبة خلت شعر جسمي يقف: “بسمة.. اسمعيني كويس ومتقاطعيش.. الراجل أبو جرح اللي كان وراكي على السطوح.. ده مش من رجالة الحوت.. ده يبقا لواء كبير في الوزارة، وهو الراس الكبيرة اللي بنطاردها من سنين.. وهو دلوقتي عرف طريق المزرعة من تتبع الموبايل اللي في إيدك.. قدامك دقيقتين بالظبط.. اطلعي برا البيت حالا.. هما وراكي!”

​في نفس اللحظة.. سمعت صوت دبة جزم بره البيت، وصوت تعمير سلا..ح آلي ورا الباب الرئيسي للمزرعة علطول!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *