اتصلت بجوزى أمانى السيد الاول

اتصلت بجوزى لما لقيته اتاخر فى الشغل وانا كنت قاعده مستنياه رنيت اكتر من مره مردش وقررت انى افضل ارن لحد ما يرد بعد خمس محاولات لقيته رد وكلمنى ببرود اول مره اسمعه منه

ـ مالك نزله زن وبترنى كده ليه انتى ماعندكيش دم مش عايز ارد عليكى وبكنسل خلى عندك احساس انى مش عايز اكلمك

ـ افتكرت حصل حاجه واتخضيت عليك طيب طمنى عليك انت كويس

ـ أه انا كويس

ـ جاى امته طيب مستنياك عشان   ناكل سوا

ـ مش جاى انهارده كلى انتى واتعلمى تاكلى من غيرى وماتستننيش كتير

ـ ليه انا زعلتك فى حاجة

ـ من الاخر كده يا اسماء أنا اتجوزت

سكتّ.. الكلمة كانت تقيلة، تقيلة لدرجة إني حسيت الأكسجين اتسحب من الأوضة فجأة. التليفون كان في إيدي بيترعش، وبصوت مخنوق مش طالع منه غير شهقة مسموعة، قلت:

ـ اتجوزت؟.. إنت بتقول إيه يا أحمد؟ إحنا بقالنا سنين سوا، أنا وأنت؟ إنت بتهزر صح؟ قول إنك بتهزر!

رد بنفس البرود، كأنه بيتكلم عن مشوار عادي مش عن هدم بيت:

ـ لا مش بهزر، أنا بتكلم جد. كنت عايز أقولك بطريقة تانية، بس إنتي اللي اضطرتيني بكتر رنك وزنك.

حاولت أتماسك، حاولت أفهم:

ـ مين دي؟ إيه اللي حصل عشان تعمل فينا كدا؟

سكت لحظة، وسمعت صوت نفسه الهادي اللي كان بيستفز أعصابي، وبعدها كمل وكأن السكاكين بتدخل في قلبي:

ـ فاكرة لما قلتلك قبل الجواز إني مريت بقصة حب قديمة وأهلي رفضوا؟ اللي كنت دايماً بحس إني ماليش نصيب فيها؟ هي دي.. رجعت في طريقي تاني، واكتشفت إني عمري ما بطلت أحبها، ولا قدرت أنساها يوم واحد، ولا حتى وأنا معاكي يا أسماء.

الكلمات كانت زي الرصاص، بتخترق كل ذكرى حلوة عشناها:

ـ يعني كنت بتخدعني؟ كنت عايش معايا وبتفكر في غيري؟

ـ أنا ماخدعتكيش، أنا كنت بحاول أعيش حياتي وأنسى، بس لما هي رجعت ولقيتها قدامي، حسيت إن ده كان لازم يحصل. أنا اتجوزتها انهارده، وبدأت حياتي الحقيقية اللي كان نفسي فيها من زمان. ماتستنيش مني تبريرات، وماتفتحيش الموضوع ده تاني، أنا قولتلك الحقيقة عشان متفضليش مستنية وتضيّعي وقتك.

قفل السكة.. وسابني في الضلمة، لوحدي، قدام حقيقة إن حياتي اللي بنيتها سنين، كانت مجرد “محاولة نسيان” في نظر الشخص اللي حبيته.

عدت ليلتها وكأنها دهر كامل.. ليلة واجهت فيها السقف والحيطان لوحدي، والأسئلة بتاكل في عقلي وقلبي. منمتش، ومفتكرش إن عيني غفلت للحظة. كل اللي كنت بعمله إني ببص للفراغ وبسمع صوت دقات الساعة اللي بقت شبه دقات قلب مرعوب ومكسور.

أول ما الشمس بدأت تطلع ونورها الباهت دخل من الشباك، حسيت بنفُور غريب من المكان. البيت اللي كنت شيفاه مملكتي، بقى فجأة زي القفص. قمت وجسمي تقيل، مش قادرة أشيل نفسي. دخلت الأوضة، طلعت شنطة سفر كبيرة من فوق الدولاب، وبدأت ألم فيها هدومي.

كنت برمي الهدوم في الشنطة بعشوائية، دموعي مكنتش بتنزل بغزارة، كانت بتنزل دمعة دمعة، باردة وثقيلة. وأنا بلم حاجتي، عيني جت على ألبوم صور فرحنا اللي كان محطوط في الكومودينو. فتحته وبصيت لصورته وهو بيضحك وباصص في عيني.. كنت غبية لدرجة إني مشوفتش السرحان اللي ورا ضحكته؟ مشوفتش إنه كان بيقنع نفسه بيا؟

قفلت الألبوم بقوة ورجعته مكانه. ماليش حق آخد ذكريات مكانتش ملكي من الأول.

قفلت الشنطة وسحبتها ورايا لحد الصالة. الأكل اللي على السفرة كان لسه زي ما هو، رمادي وباهت شبه كل حاجة في دنيتي دلوقتي. وقفت عند الباب، وبصيت نظرة أخيرة على الشقة.. هنا ضحكنا، وهنا خططنا، وهنا اتصدمت الصدمة اللي هتعيش معايا العمر كله.

طلعت، وقفت في السلم وقفلت الباب ورايا بالراحة، كأني بقفل صفحة من عمري انطوت بالغدر. نزلت السلم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتبعدني عن “أحمد” وعن الوهم اللي عشته معاه. ركبت أول تاكسي قابلني، ولما السواق سألني: “على فين يا مدام؟”

غمضت عيني وقولت بقلب مخلوع:

ـ على بيت أبويا.. وِديني هناك.

 

طول الطريق وأنا باصة من شباك التاكسي، الشوارع بتجري قدامي والناس ماشية في زحمة يومها الطبيعي، ومفيش حد حاسس بالزلزال اللي هد حياتي في ثواني. كنت حاطة إيدي على بطني وبضغط عليها، كأني بحاول أثبّت الوجع اللي عمال يخلع في ضلوعي.

التاكسي وقف قدام بيت أبويا. البيت اللي خرجت منه قبل سنين وأنا فاردة جناحاتي وفرحانة ومطمنة إني رايحة لعش عمري. نزلت وسحبت الشنطة ورايا، خطواتي كانت أتقل من جبال الأرض كلها. طلعت السلم وأنا بنهج، مش من التعب، من الحمل اللي كتم على نفسي.

وقفت قدام الباب، إيدي اترعشت وأنا بمدها للجرس. رنيت مرة.. والتانية. فتحت لي أمي. أول ما عيني جت في عينها وشافت الشنطة في إيدي والكسرة اللي مغطية وشي، ملامحها اتخطفت وشهقت:

ـ أسماء! مالك يا بنتي؟ فيكِ إيه؟ والشنطة دي إيه؟ أحمد جرى له حاجة؟!

مقدرتش أنطق.. الحروف اتمحت من على لساني. ارتميت في حضنها وسبت الشنطة من إيدي. في اللحظة دي بس، دموعي المحبوسة انفجرت.. بقيت أعيط بشهقات عالية، عياط قهر ووجع طالع من أعمق حتة في روحي. أمي كانت بتطبطب عليا وهي مرعوبة وبتناديني:

ـ يا حبيبتي وحدي الله! قوليلي في إيه؟ نشفتي دمي!

على صوتنا خرج أبويا من جوه وهو بيعدل نظارته، ملامحه اتملت قلق وهو شايفني منهارة في حضن أمي والشنطة ملقية على الأرض. قرب مننا وبصوت كله حنية ممزوجة بخوف أب، حط إيده على كتفي وقال:

ـ في إيه يا أسماء؟ إيه اللي جابك على الصبح كدا بالشكل ده؟ أحمد زعلك؟

رفعت راسي ببطء، ومسحت دموعي وإيدي لسه بترتعش. بصيت لأبويا وأمي اللي كانوا واقفين مستنيين كلمة تطمنهم، وقولت بنبرة ميتة، مكسورة، بس واضحة:

ـ أحمد اِتجوز يا بابا.. اِتجوز انهارده، وقفل في وشي السكة وقالي إن حياته معايا كانت مجرد محاولة نسيان!

وقع الكلام عليهم زي الصاعقة. أبويا رجع خطوة لورا وصدمته لجمت لسانه، وأمي حطت إيدها على صدرها وبقت تبصلي وهي مش مصدقة، كأنها بتسمع كلام عن حد غريب مش عن أحمد اللي كانت بتعامله زي ابنها.

أمي قعدتني على الكنبة وهي بتطبطب على كتفي وإيدها بترتعش، ودموعها نزلت عشان دموعي:

ـ يتجوز؟! يتجوز إزاي ومن وراكِ؟ ومين دي اللي يهد بيته عشانها بعد السنين دي كلها؟!

بصيت للأرض وقولت بصوت مخنوق من وسط دموعي:

ـ نادين.. حبيبة الماضي اللي كان دايماً يقنعني إنه نسيها، طلعت هي الحاضر وهي كل حاجة، وأنا مكنتش أكتر من فتره بيعدي بيها وقته لحد ما ترجع له.

في اللحظة دي، ملامح أبويا اِتبدلت تماماً. القلق والخوف اِتحولوا لغضب عارم، عروق وشّه برزت وعينه اتملت شرار. مشى في الصالة رايح جاي وهو بيجز على سنانه، وطلع تليفونه من جيبه وبقى يضغط على الشاشة بعنف وهو بيقول بصوت جهوري هز الحيطان:

ـ والله ما هسيبه! بقا أنا آمنه على بنتي الجوهرة اللي صنتها وربيتها، وفي الآخر يكسر بخاطرها ويرميها الرمية دي عشان نزوة وماضي؟! أنا هعرفه قيمته وقيمة بنات الناس اللي فكرهم لُعبة في إيده!

بدأ يتصل بيه، وكنت سامعة رنين التليفون من بعيد وأنا كاتمة نفسي، مستنية أشوف أحمد هيرد على أبويا بإيه، وهل البرود اللي كلمني بيه هيقدر يواجه بيه راجل وقف في ظهري العمر كله؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *