أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب حكايات شروق خالد السادس
عربية رأفت وقفت على بعد أمتار من المصنع القديم.
المكان كان مهجور من سنين.
هياكل سفن صدئة، وأوناش واقفة من غير حركة، والبحر صوته عالي بشكل يخوف.
عم سيد فتح باب العربية بسرعة.
ـ يا باشا… استنى! دي واضحة إنها مصيدة.
رأفت نزل وهو بيبص للمصنع.
ـ عارف.
ـ أمال داخل ليه؟
رأفت رد من غير ما يلف:
ـ لأن داليا جوا.
وفي اللحظة دي…
طلع صوت من سماعات متعلقة فوق بوابة المصنع.
كان صوت سامي.
ـ برافو يا رأفت… جيت في معادك.
رأفت رفع راسه.
ـ أنا هنا… سيبها.
ضحكة سامي اتسمعت في المكان كله.
ـ بالسهولة دي؟
البوابة الحديد الضخمة بدأت تتفتح ببطء.
ورأفت دخل لوحده.
أول ما دخل…
الباب اتقفل وراه بقوة.
دووووم!
عم سيد جري ناحية الباب وخبط عليه بكل قوته.
ـ افتحوا!… رأفت!
لكن مفيش أي رد.
…
من جوه…
كان المكان واسع جدًا.
والنور خافت.
وفي آخر العنبر…
كانت داليا مربوطة في كرسي.
أول ما شافته صرخت:
ـ رأفت!… امشي… دي مصيدة!
رأفت جري ناحيتها.
لكن قبل ما يوصل…
اشتغلت عشرات الكشافات مرة واحدة.
نورها كان قوي لدرجة إنه غمض عينه.
ولما فتحها…
لقى أكتر من عشرين راجل مسلح واقفين حواليه.
وفي النص…
واقف سامي.
وبيسقف ببطء.
ـ شجاع… أو غبي.
لسه محتار أحدد.
رأفت وقف مكانه.
ـ سيبها.
ـ أكيد.
بس الأول…
عايزك تسمع حاجة.
أشار بإيده.
واحد من رجالته جاب شاشة كبيرة.
شغلها.
ظهر عليها فيديو قديم.
جودة الصورة كانت ضعيفة.
لكن الوجوه كانت واضحة.
رأفت اتجمد.
اللي في الفيديو…
كان والده كامل الديب…
واقف مع أم داليا.
وكان بينهم طفل رضيع.
داليا شهقت.
ـ دي… أمي.
الفيديو كان فيه صوت.
كامل قال وهو شايل الطفل:
ـ أوعدك يا هدى… البنت دي هتفضل في أمان مهما حصل.
هدى ردت وهي بتبكي:
ـ لو جرالي حاجة… متقولهاش الحقيقة غير لما تكبر.
الفيديو وقف.
رأفت لف ناحية سامي.
ـ يعني إيه ده؟
سامي ابتسم.
ـ يعني إن حياتكم كلها كانت كذبة.
داليا دموعها نزلت.
ـ فين حسن؟
ـ حسن كان راجل شريف.
وافق يربي بنت مش بنته…
علشان يحميها.
رأفت بص لداليا.
كانت الصدمة أكبر من إنها تتكلم.
سامي قرب منهم.
ـ تعرفوا ليه؟
وسكت لحظة.
ثم قال:
ـ لأن…
داليا هي بنت كامل الديب.
الجملة وقعت كالصاعقة.
رأفت رجع خطوة لورا.
داليا بصت له، وبعدين بصت لسامي.
ـ لأ…
إنت كداب.
ـ عندي تحليل DNA.
ورمى ملف على الأرض.
رأفت فتحه بسرعة.
كانت النتائج واضحة.
اسم الأب:
كامل الديب.
اسم الابنة:
داليا منصور.
درجة التطابق:
99.99٪.
داليا وقعت على الأرض وهي مش قادرة تستوعب.
همست بصوت مكسور:
ـ يعني…
أنا…
بنت الحاج كامل؟
سامي ابتسم ابتسامة انتصار.
ـ وأخت رأفت…
من نفس الأب.
الصمت سيطر على المكان.
ورأفت حس إن الدنيا كلها بتنهار فوق راسه.
ثم قال سامي وهو بيرفع مسدسه ببطء:
ـ والآن…
بعد ما عرفتوا الحقيقة…
مبقاش في سبب يخليكم تعيشوا.
حكايات شروق خالد
سكتة مرعبة سيطرت على العنبر.
داليا كانت قاعدة على الأرض، عينيها مثبتة على ورقة تحليل الـDNA.
إيديها بترتعش.
همست وهي بتبكي:
ـ لا… مستحيل… أمي كانت هتقولي.
رأفت خطف الملف من إيدها، وقرأه بسرعة.
كل حاجة كانت مكتوبة باحتراف…
لكن فجأة، وقف عند حاجة صغيرة في آخر الصفحة.
عقد حواجبه.
قرأها مرة…
واتنين…
وبعدين رفع عينه ناحية سامي.
ولأول مرة…
ابتسم.
سامي اتفاجئ.
ـ بتضحك؟
رأفت رفع الورقة قدام الجميع.
ـ لأنك غبي.
وش سامي اتغير.
ـ قصدك إيه؟
رأفت قلب الورقة ووراها للحاضرين.
ـ التحليل ده مزور.
سامي ضحك بثقة.
ـ هتثبت إزاي؟
رأفت أشار بإصبعه على ختم المعمل.
ـ لأن المعمل ده اتقفل من خمس سنين.
الصمت نزل على المكان.
حتى رجال سامي بصوا لبعض.
رأفت كمل:
ـ وبص هنا…
رقم الترخيص نفسه منتهي من أربع سنين.
ولو ركزت أكتر…
هتلاقي التاريخ مكتوب بطريقة مختلفة عن النظام اللي المعمل كان بيستخدمه.
داليا رفعت عينيها بسرعة.
ـ يعني…
ـ يعني كل ده تمثيلية.
سامي لأول مرة فقد هدوءه.
شد المسدس بعصبية.
ـ حتى لو الورقة مزورة…
الحقيقة مش هتفرق.
رأفت قرب منه خطوة.
ـ بالعكس…
تفرق جدًا.
لأنك لما احتجت تزور دليل…
يبقى معندكش الحقيقة.
سامي صرخ:
ـ اسكت!
وفي اللحظة دي…
دوّى انفجار ضخم عند باب المصنع.
بووووم!
الباب الحديدي اتخلع من مكانه.
الدخان ملأ العنبر.
رجال سامي اتلفتوا بخضة.
ومن وسط الدخان…
دخلت عربيات سوداء واحدة ورا التانية.
نزل منها رجال مسلحون.
لكنهم مش تبع رأفت.
ولا تبع سامي.
في النص…
نزل رجل في السبعينات من عمره.
بدلة كحلي أنيقة.
وعصاية فضية.
كل الموجودين، حتى سامي، وشه اصفر أول ما شافه.
همس بخوف:
ـ مستحيل…
الرجل بص لسامي وقال بهدوء:
ـ واضح إنك استعجلت يا ابني.
رأفت عقد حواجبه.
ـ مين ده؟
عم سيد، اللي دخل مع الرجال، همس وهو بيرتجف:
ـ ده…
الحاج سليم البحيري.
ـ مين الحاج سليم؟
عم سيد بلع ريقه.
ـ الراجل اللي كانت كل عائلات الميناء بتحلف باسمه.
الحاج سليم وقف قدام سامي.
وبدون أي مقدمات…
رفع عصايته.
وضربه على وشه بقوة.
سامي وقع على الأرض وهو ماسك خده.
صرخ:
ـ إنت ضربتني؟!
الحاج سليم رد ببرود:
ـ الضربة دي…
متأخرة تلاتين سنة.
وبص ناحية رأفت.
ـ سامحني يا ابني…
أنا السبب إن الحقيقة اتدفنت كل السنين دي.
رأفت قال بحدة:
ـ تقصد إيه؟
الحاج سليم تنهد.
ـ لأن سامي…
مش ابني.
الصمت رجع يسيطر.
الحاج سليم كمل:
ـ أنا لقيته طفل مرمي قدام جامع وربّيته.
لكن لما كبر…
باع نفسه للفلوس والسلطة.
سامي قام وهو بينزف.
وضرب كف بكف وهو بيضحك بجنون.
ـ خلاص…
طالما وصلتوا للحقيقة…
يبقى مفيش داعي أخبي أكتر من كده.
مد إيده ببطء…
وضغط على زر صغير كان مخبيه في ساعته.
وفجأة…
بدأ عدّاد أحمر يشتغل على الشاشة المعلقة في العنبر.
09:59… 09:58… 09:57…
داليا شهقت.
ـ ده إيه؟!
سامي ابتسم ابتسامة مرعبة.
ـ قنبلة.
رأفت صرخ:
ـ إنت مجنون!
سامي رد وهو بيضحك:
ـ لو أنا هقع…
هوقعكم كلكم معايا.
حكايات شروق خالد
العداد الأحمر كان بينزل بسرعة.
09:41… 09:40…
صوت صفارة خافتة بدأ يملأ المصنع.
داليا بصت لرأفت بخوف.
ـ هنعمل إيه؟
رأفت بص حواليه بسرعة.
كل زاوية في المصنع بقت مصدر خطر.
الحاج سليم قرب وهو بيحاول يلتقط أنفاسه.
ـ القنبلة مش هنا.
رأفت لف ناحيته.
ـ تقصد إيه؟
ـ سامي عمره ما يحطها في نفس المكان اللي واقف فيه.
بص للسقف، وبعدين للميناء.
ـ القنبلة غالبًا في السفينة القديمة اللي ورا المصنع… لو انفجرت، هتنسف المصنع كله.
سامي ضحك.
ـ واضح إنك لسه ذكي يا حاج سليم.
رأفت بص للحراس.
ـ فتشوا المكان… بسرعة!
الحراس اتفرقوا في كل اتجاه.
في اللحظة دي، داليا لاحظت حاجة.
سامي كان بيتراجع ببطء ناحية باب جانبي.
همست لرأفت:
ـ بيهرب.
رأفت جري ناحيته.
ـ سامي!
سامي لف وضرب رصاصة.
طاخ!
الرصاصة عدت جنب كتف رأفت، وخبطت في الحيطة.
رأفت كمل جري.
الاتنين خرجوا من الباب الجانبي ووصلوا لرصيف الميناء.
البحر كان هادي بشكل غريب.
سامي وقف على طرف الرصيف، وابتسم.
ـ انتهت اللعبة يا رأفت.
ـ بالعكس… لسه بدأت.
ـ إنت فاكر إنك كسبت؟
ـ كفاية إن الناس عرفت حقيقتك.
سامي ضحك.
ـ الحقيقة؟
أشار بإيده ناحية البحر.
ـ بص.
رأفت بص.
سفينة شحن قديمة كانت بتتحرك ببطء بعيد عن الرصيف.
سامي قال:
ـ القنبلة جواها.
رأفت اتجمد.
ـ إيه؟
ـ بعد خمس دقايق هتنفجر… وهتولع الميناء كله.
رأفت قبض على إيده.
ـ ليه؟
ـ علشان تختفي كل الأدلة.
وفجأة…
سامي طلع جهاز تحكم صغير.
رفع إصبعه على زر أحمر.
ـ ولو مستني الخمس دقايق كتير…
أقدر أنهي كل حاجة دلوقتي.
في نفس اللحظة…
من بعيد، داليا خرجت من باب المصنع.
أول ما شافت الجهاز في إيد سامي، فهمت إنه مفتاح الكارثة.
من غير ما تفكر…
جريت بكل قوتها.
صرخت:
ـ رأفت… ابعد!
ورمت نفسها على سامي.
الجهاز وقع من إيده واتزحلق على الرصيف.
رأفت جري بسرعة، لكن سامي مسك داليا من دراعها بقوة.
ـ إنتِ اللي اخترتي.
رفع مسدسه.
ووجهه ناحية صدرها.
رأفت صرخ:
ـ لاااا!
وفي اللحظة اللي سامي كان هيدوس فيها على الزناد…
دوّى صوت طلقة واحدة.
طاخ!
سامي وقف مكانه.
بص على صدره.
بقعة دم كبرت على قميصه.
لف ببطء…
ولقى بسمة واقفة وراها، ماسكة مسدس بإيد مرتعشة.
دموعها كانت نازلة وهي بتقول:
ـ دي… دي النهاية.
سامي بص لها بعدم تصديق.
ـ إنتِ…؟
بسمة ردت وهي بتبكي:
ـ ضيعت عمري… وخليتني أعيش كذابة.
ثم وقع سامي على الأرض، وسقط المسدس من إيده.
رأفت جري بسرعة وأخذ جهاز التحكم قبل ما يوصل للمياه.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت أحد خبراء المفرقعات وهو بيصرخ من بعيد:
ـ لقيت القنبلة… لكن عندنا أقل من دقيقتين!
حكايات شروق خالد
خبير المفرقعات كان بيجري وهو بيصرخ:
ـ دقيقة واحدة بس… لو ما فصلناش الدائرة الرئيسية، الميناء كله هيتحول لرماد!
رأفت بص للجهاز اللي في إيده.
الشاشة كانت بتعد:
00:59… 00:58…
الحاج سليم قال بسرعة:
ـ الجهاز ده هو مفتاح الإيقاف!
الخبير هز راسه بعصبية.
ـ لأ… ده جهاز تشغيل عن بعد، لكن فيه كود لازم يتكتب.
رأفت زعق:
ـ والكود فين؟
الخبير رد:
ـ مع سامي… أو في ذاكرة الجهاز.
الكل بص ناحية سامي.
كان واقع على الأرض، بينزف، لكنه لسه عايش.
رأفت جثا جنبه.
ـ قول الكود.
سامي بصله وهو بيضحك بصعوبة.
ـ حتى لو مت… مش هتعرفوه.
رأفت مسكه من هدومه.
ـ لو انفجرت القنبلة، هتموت إنت كمان.
سامي ابتسم.
ـ يبقى نموت كلنا.
في اللحظة دي…
بسمة قربت من سامي.
ركعت قدامه.
دموعها كانت بتنزل.
وقالت بصوت مكسور:
ـ ليه عملت فيا كده؟
سامي بص لها لأول مرة من غير غرور.
ـ لأنك كنت وسيلة… مش أكتر.
بسمة قفلت عينيها.
ثم فتحتها وقالت:
ـ وأنا كنت غبية… صدقتك.
وفجأة شدت السلسلة اللي كانت في رقبته.
طلع منها فلاشة صغيرة.
الخبير خطفها بسرعة.
وصلها بجهازه المحمول.
بعد ثوانٍ ظهرت شاشة فيها الكود.
صرخ:
ـ لقيته!
بدأ يكتب الأرقام بسرعة.
العداد وصل:
00:10…
00:09…
الكل حبس أنفاسه.
00:05…
الخبير ضغط آخر زر.
ثانية…
اتنين…
وفجأة…
صدر صوت طويل.
بييييييييب…
ثم انطفأت الشاشة.
العداد اختفى.
القنبلة اتعطلت.
تنفس الجميع الصعداء.
أما سامي…
فابتسم ابتسامة أخيرة.
وقال لرأفت:
ـ المرة دي… كسبت.
ثم أغمض عينيه…
ولفظ آخر أنفاسه.
—
بعد ستة أشهر…
وقفت داليا قدام قبر حسن منصور.
حطت وردة بيضا فوق قبره.
وقالت وهي بتبتسم وسط دموعها:
ـ يمكن ما كنتش أبويا بالدم…
لكن كنت أبويا بالقلب.
وعمري ما هلاقي أب زيك.
وقف رأفت جنبها.
وقال بهدوء:
ـ التحقيقات أثبتت براءته، وكل ممتلكاته رجعت باسمه.
داليا هزت راسها.
ـ ده أقل حقه.
أما بسمة…
فقدمت نفسها للنيابة، واعترفت بكل اللي كانت تعرفه عن جرائم سامي وفؤاد، وساعدت في القبض على باقي أفراد الشبكة، ثم اختفت من حياة الجميع، وبدأت تعيش في مدينة بعيدة، تحاول تصلح أخطاء الماضي.
وعم سيد…
قرر يسيب الخدمة بعد أكثر من أربعين سنة، وفتح دار رعاية صغيرة للأيتام، وقال:
ـ يمكن أقدر أكفر عن اللي فات.
أما رأفت…
باع كل الأعمال المشبوهة اللي ورثها، ونضف اسم عيلة الديب، وحول جزءًا كبيرًا من ثروته لمشروعات خيرية ومستشفى مجاني لعلاج غير القادرين، تنفيذًا لوصية والده.
وفي يوم افتتاح المستشفى…
كانت داليا واقفة تتفرج على الناس وهي داخلة تتعالج.
ابتسم رأفت وقال:
ـ فاكرة أول يوم شفتك فيه؟
ضحكت داليا.
ـ يوم ما اتكسرت الصينية فوق دماغي؟
ابتسم.
ـ لأ…
يوم ما علمتيني إن كرامة الإنسان أغلى من أي سلطة.
سكت لحظة.
ثم مد إيده لها.
ـ ينفع نبدأ حياتنا من جديد… بعيد عن الدم والانتقام؟
بصت له داليا، وابتسمت.
ومدت إيدها في هدوء.
ـ المرة دي… هنبني حياتنا على الصدق.
تشابكت إيديهما، بينما كانت شمس الغروب تنعكس على البحر.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر الاثنان أن الماضي انتهى أخيرًا، وأن المستقبل أصبح يستحق أن يُعاش.
تمت.
أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب
حكايات شروق خالد
