زياد وميرال نورهان العشرى الرابع

حكاية زياد و ميرال بقلم نورهان العشري ج٤

دخل اسم أخي في هذا الصباح البارد كشرخ قاطع في الزجاج. كان “يوسف المسيري” عبارة عن جاذبية وسحر يرتدي ملابس مصممة بأبهظ الأثمان؛ كان يدير المزادات الخيرية، يبتسم للكاميرات بلطف، لكنه كان يحمل في قلبه غلًا وحقدًا دفينًا تجاهي منذ الطفولة؛ لأنني ورثت أسهم والدتي وحسابات والدي الائتمانية قبل أن يولد هو في الفصل الثاني من حياة العائلة. سألتُه:

— “طارق قال إيه بالظبط؟”

— “بيقول إن يوسف هو اللي أصدر الأمر بنقل ميرال من الباب الجانبي. وشيرين كانت بتتخانق معاه بسبب الموضوع ده.”

حدقتُ في “مازن” بذهول:

— “شيرين كانت بتتخانق معاه؟”

— “بناءً على كلام طارق، أيوة. كانت عايزة ميرال تفضل فوق لحد ما والدك يوقع على حاجة معينة. بس يوسف خاف واتوتر لما لقى ميرال بيغمى عليها، وقال إن لو حصل لها حاجة في البيت، كل المستور هيكشف واللعبة هتبوظ.”

بدأ عقلي يعيد ترتيب قطع الأحجية. كانت “شيرين” تتحكم في المال والوصول إليها. وربما كان “يوسف” يتحكم في عملية النقل والإخفاء. وكان “طارق علام” يحمل المستندات الهامة. وحاول والدي التدخل لإنقاذ الموقف.

وقالت “ميرال” في رسالتها إن هناك شخصًا آخر يساعد “شيرين”. ربما كانت مخطئة في التقدير..

ربما كانت “شيرين” هي التي تساعد شخصًا آخر!

سألتُ:

— “أبويا كان المفروض يوقع على إيه بالظبط؟”

أخرج “مازن” نسخة مطوية من مستند وقال:

— “طارق كان مصور الورقة دي.”

فتحتها لأقرأ.

في الأعلى كان الشعار الرسمي لمؤسسة “المسيري العائلية”. كان المستند عبارة عن مقترح لتعديل شروط الإرث. ملأت لغة قانونية معقدة وجافة معظم الصفحة، لكن “مازن” كان قد حدد فقرة واحدة باللون الأصفر الفسفوري:

*«في حال ثبوت وجود نسل وُلد للمدعو زياد عاصم المسيري خارج الإطار الزوجي الحالي أو بعد وقوع الطلاق والانفصال، فإن هذا النسل لا يؤهل تلقائيًا للحصول على المخصصات الإرثية المقررة لعائلة المسيري، إلا في حال إقراره وموافقة أغلبية مجلس الأمناء بالتصويت.»*

قرأتها مرتين.

وعندها ضربني المعنى بقوة .

— “كانوا بيحاولوا يمنعوا ابن ميرال من الميراث الشرعي.”

أومأ “مازن” برأسه:

— “أو يتحكموا في شروط توريثه.”

— “يوسف…”

— “واضح إنه كدة فعلاً.”

لم يكن أخي يهتم بأمر “ميرال” أو يكرهها لشخصها؛ كان يهتم بما يمثله طفلها فهو وريث جديد لعائلة “المسيري”.

وريثي أنا شخصيًا. حياة جديدة يمكن أن تغير موازين القوى، وحقوق التصويت، والإرث، وكل ما كانت العائلة تتصارع عليه في الخفاء لسنوات طويلة. لكن كانت هناك ورقة أخرى مرفقة. ملاحظة مكتوبة بخط اليد، تم تصويرها بشكل سيئ ولكنها لا تزال مقروءة:

*«عاصم بيه لازم ميعرفش بموضوع حمل ميرال لحد ما تعديل شروط الإرث يخلص ويتوقع عليه بالكامل.»

وفي الأسفل توقيع بالحروف الأولى: **ع. م.**

“عاصم المسيري”.

والدي.

نظرتُ باتجاه غرفة المستشفى حيث كانت “ميرال” تخضع للفحص.

— “يوسف كان مخبي الموضوع ده عن أبويا هو كمان.”

— “أيوة.”

— “طيب وليه دخل شيرين معاه؟”

أجاب “مازن” بملامح جادة وصارمة:

— “عشان شيرين هي اللي بتتحكم في البيت وإدارة القصر. ويوسف بيتحكم في جناح مجلس الأمناء. وبتحالفهم مع بعض، قدروا يعزلوا ميرال تماماً عنك وعن والدك.”

لأول مرة، تتخذ الخيانة والخدعة شكلاً واضحاً أمامي.

ليست كاملة التفاصيل بعد.. لكنها مرئية.

عائلة تستميت لحماية الأموال من طفل لم يولد بعد.

امرأة تستميت لحماية مكانتها وسطوتها في قصر بُني على أنقاض حزن قديم.حكايات نورهان العشري

وأخ يحول صلة الدم والقرابة إلى حسابات وأرقام باردة.

وفي المنتصف من كل هذا.. “ميرال”. وحيدة، حامل، منهكة، ولا تزال تحاول بشتى الطرق إيصال الدليل والحقيقة إليّ. انفتح باب غرفة “ميرال”، وخرجت الدكتورة “صفا”.

وقالت:

— “هي بتسأل عليك.”

طويتُ المستند ووضعته في جيب معطفي قبل أن أدخل الغرفة. كانت “ميرال” تجلس مسندة الظهر على السرير بارتفاع أعلى قليلاً، وبدأ اللون يعود ببطء إلى شفتيها. نظرت إليّ بتركيز يشوبه الحذر.وسألتني بصوت خافت:

— ” الشقة بتاعتي أمان؟”

— “هنخليها أمان متخافيش.”

— “مش ده اللي سألته يا زياد.”

ارتسمت على شفتيَّ ابتسامة صغيرة دافئة رغم كل شيء:

— “لأ.. فعلاً مش ده اللي سألتيه.”

التفتت بنظراتها إلى “مازن” الواقف خلفي وقالت:

— “أنا شلت نسخ تانية.”

— “أنا عارف.. إنتي كتبتي كدة في الرسالة.”

— “ومش كلهم في مكان واحد،” وابتلعت ريقها بصعوبة، “أنا بعت حاجة بالبريد النهاردة.”

— “لمين؟”

ثبتت عيناها في عينيَّ:

— “ليك إنت.”

تصلبتُ في مكاني:

— “على الشقة بتاعتك”

— “لأ،” قالت بصوت ضعيف ولكن ثابت، “بعتها للمكان الوحيد اللي كنت متأكدة إن محدش من عيلتك هيقدر يوصل له أو يلمسه.”

انتظرتُ بلهفة لتكمل.

— “بيت جدتي في الفيوم.”

فتح الاسم خزانة ذكريات قديمة في عقلي؛ “ميرال” حافية القدمين على شرفة المنزل في خريف هادئ، تضحك وتلهو ذلك البيت الريفي الصغير الأبيض القريب من البحيرة؛ مكان لا توجد فيه أنظمة أمان عائلة “المسيري”، ولا مكاتب الحراسة، ولا الموظفين.

سألتُها:

— “بعتي إيه بالظبط؟”

— “سجلات دفع المبالغ بتاعت شيرين.. ونسخ من الورق اللي ورتهوني،” وأغمضت عينيها لثوانٍ تستجمع قوتها، “ومعاهم تسجيل صوّتي.”

تغير نبض قلبي:

— “تسجيل لشيرين؟”

فتحت “ميرال” عينيها وهمست:

— “لأ.. تسجيل ليوسف.”

بدت تفاصيل الغرفة وكأنها تزداد حدة ووضوحًا.

سألتُ بلهفة:

— “كان بيقول فيه إيه؟”

وقبل أن تجيب “ميرال”، تدخلت الدكتورة “صفا” قائلة:

— “كفاية كدة دلوقتي.. هي محتاجة ترتاح.”

ظلت عينا “ميرال” معلقتين بعينيّ برجاء مستعجل:

— “زياد…”

— “هجيبه.. متقلقيش.”

— “لأ،” وتشنجت أصابعها بضعف على البطانية، “بلاش تبعت حد من طرف عيلتك.”

— “مش هبعت حد منهم.. أوعدك.”

— “أوعدني بجد.”

— “أوعدك يا ميرال.”

ثبتت نظرتها في عيني لثانية إضافية، قبل أن يغلبها الإرهاق الشديد وتستسلم للنوم مجددًا. لم تكن فاقدة للوعي هذه المرة، بل غارقة في نوم عميق مستقر، وتنفسها منتظم مع دقات جهاز المراقبة.حكايات نورهان العشري

وقفتُ بجانب فراشها لثوانٍ طويلة.

ثم التفتُّ إلى “مازن”:

— “ابعت أميرة فوراً للفيوم.”

أومأ برأسه:

— “حاضر.. وفريدة؟”

رمشتُ بعدم فهم:

— “فريدة؟”

— “صاحبة ميرال هانم.. المدرسّة اللي من شبرا. كلمت المستشفى مرتين، وإدارة المستشفى رفضت تديها أي معلومات، بس كان صوتها قلقان و ميت من الخوف عليها.”

تذكرتُ “فريدة كامل” من يوم زفافنا؛ صديقة “ميرال” المقربة من أيام الجامعة، الفتاة الشجاعة والدافئة التي أخبرتني يوم الفرح بجرأة ووضوح أنها لو علمت يومًا أنني كسرت قلب “ميرال”، فلن تحتاج للانتقام مني؛ لأن شعوري بالذنب والندم سيتكفل بالقيام بالواجب بدلاً منها.

قلتُ:

— “خليها تيجي فوراً.”

كانت “ميرال” بحاجة إلى أهلها و اصدقائها ومع اقتراب منتصف النهار، وصلت “فريدة” ممسكة بحقيبة قماشية، وعيناها حمراوان من البكاء وضيق التنفس. وتوقفت فجأة وهي تراني واقفًا في الممر. لثانية واحدة، شعرتُ أنها قد ترفع يدها لتصفعني على وجهي.

لكنها بدلاً من ذلك، اقتربت وقالت بحدة وغضب:

— “هي كويسة؟”

— “أيوة.”

— “والبيبي؟”

— “نبضه قوي وبخير.”

سقط كتفاها فجأة وكأنها كانت تحمل السقف على عاتقها طوال هذا الوقت.

ثم نظرت إليّ بغضب عارم مستعر:

— “إنت اختفيت وسبتها!”

— “عارف.”

— “كانت محتاجاك يا زياد!”

— “أنا عارف.”

— “لأ يا سيادة المستشار.. متقولش عارف دي كأن الكلمة هتقلل من حجم المصيبة اللي عملتها!”

تقبلتُ كلماتها اللامعة بالصدق دون دفاع:

— “عندك حق في كل كلمة.”

نزع اعترافي السريع أسلحة دفاعها؛ فتقطبت عيناها بدهشة وسألت: حكايات نورهان العشري

— “إيه اللي حصل بالظبط؟”

— “كنت فاكر إن بعدي عنها هو اللي هيحميها.”

تغيرت ملامح وجه “فريدة”؛ لم يكن غفرانًا، بل ربما تفهمًا مشوبًا بخيبة أمل أعمق بكثير من الغضب:

— “إنت دايماً كنت بتفتكر إن الوجع في صمت بيخلي الرجالة تظهر بمظهر النبل والشهامة.”

كدتُ أبتسم بسخرية من نفسي، فكم كانت كلماتها تحمل من الحقيقة المرة.

قلتُ لها:

— “هي سألت عليكي.”

امتلأت عيناها بالدموع فورًا:

— “هي صحيت؟”

— “بتصحى لفترات قصيرة.”

— “ممكن أشوفها؟”

— “هطلب من الدكتورة صفا تدخلِك.”

نظرت “فريدة” متجاوزة كتفي نحو الباب وقالت:

— “زياد؟”

— “نعم”

— “لو عيلتك هي اللي عملت فيها كدة.. بلاش تتعامل معاهم ببرود لغة عيلة المسيري.”

التقيت عيناها بعينيَّ وقلتُ بيقين:

— “هتعامل معاهم بلغة راجل بيحبها ومستعد يهد الدنيا عشانها.”

ظلت الكلمات تتردد في عقلي لفترة طويلة بعدما سمحت الدكتورة “صفا” لفريدة بالدخول إلى الغرفة.

وفي تمام الساعة الثانية ظهرًا، اتصلت “أميرة” من الفيوم.

وضع “مازن” المكالمة على مكبر الصوت (الاسبيكر).

قالت بصوت يقطع فيه صوت الهواء القوي:

— “أنا لقيت الطرد والجواب يا مازن.. كان في صندوق البوسطة زي ما مدام ميرال قالت بالظبط.”

سألتها بلهفة:

— “الورق معاكي دلوقتي؟”

— “أيوة.. ومقفول بختم الشمع. بس يا مازن بيه.. كان في حد تاني هنا.”

تصلب “مازن” في وقفته:

— “مين؟”

— “معرفش.. راجل راكب عربية سودة . كان راكن على أول الطريق لما وصلت. ولما شافني باخد الجواب، دور العربية وجري بسرعة.”

— “لقطتي نمرة العربية؟”

— “جزء منها.. بعتهولك في رسالة حالا.”

قال لها “مازن” بصرامة حاسمة:

— “اوعي ترجعي لوحدك خالص. روحي على مركز شرطة الفيوم واقعدي هناك ومتحركيش.”

— “أنا في الطريق للمركز فعلاً.”

وأُغلق الخط.

الطرد موجود إذن.. والتسجيل الصوتي موجود بالفعل..

وهناك من حاول اعتراض طريقه وسرقته قبلنا.

مر اليوم بإيقاع متوتر ومشحون بالقلق. استيقظت “ميرال” مرتين، وكانت “فريدة” تجلس بجانبها، تضع قطع الثلج على شفتيها وتحدثها عن أمور عادية وبسيطة لتشتت ذهنها؛ عن كلب الجيران، وعن تلميذ في الفصل ناداها بالخطأ ماما، وعن الشوربة السيئة في بوفيه المستشفى. ابتسمت “ميرال” ابتسامة خفيفة للغاية، وكان مرأى تلك الابتسامة يقع على قلبي أشد وأقسى من أي اتهام أو عتاب.

وظللتُ واقفًا خارج الغرفة، لا أدخل إلا إذا طلبت هي وجودي.

وكان هذا أصعب اختبار انضباط مارسته في حياتي كلها.

وفي تمام الساعة 4:40 عصرًا، عاد “مازن” من مكالمة هاتفية، ووجهه كأنه منحوت من الصخر والجمود.

وقال: حكايات نورهان العشري

— “أميرة في أمان والشرطة أمنت الطرد والجواب بالكامل.. وعندنا صور من المحتوى بتاعه دلوقتي.”

ناولني الجهاز اللوحي.

كانت الصور الأولى عبارة عن مستندات؛ تحويلات مالية مستمرة من حساب مصاريف عائلة “المسيري”، وعقد إيجار الشقة، وإيميلات متبادلة من مساعدة “شيرين”، ومذكرة قانونية تخص مخاطر توريث نسل جديد لعائلة “المسيري”.

ثم جاء الملف الصوتي.

نظر “مازن” إليّ وقال:

— “لازم تسمع ده في مكان لوحدنا وبخصوصية.”

ذهبنا إلى غرفة استشارات فارغة في المستشفى، وانضمت إلينا “فريدة” في اللحظة الأخيرة بعدما نامت “ميرال”، ووقفت متكتفة الذراعين

بجانب الباب.

ضغط “مازن” على زر التشغيل.

في البداية لم يكن هناك سوى صوت تشويش ساكن.

ثم ظهر صوت “ميرال”، مرتجفًا ولكنه واضح للغاية:

“إنتوا بتعملوا فيا كدة ليه؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *