عشق على صفيح ساخن نورهان العشرى الاول

عشق على صفيح ساخن بقلم نورهان العشري ج١

كنتُ في شهري الثامن من الحمل، وأتسوق بالخفاء من أجل طفلي عندما التقيتُ فجأة بطليقي والذي هو أخطر وأكثر زعماء المافيا رعباً في نيويورك.

لكن في هذه اللحظة التي لاحظت فيها صديقته الجديدة بطني، تغير كل شيء داخل ذلك المتجر الفاخر…

انفتح الباب دون إصدار أي صوت

فقط زجاج سميك ينزلق في صمت بينما أخطو داخل أفخم متجر لملابس ومستلزمات الأطفال في شارع “ماديسون آفينيو”.

استقرت إحدى يديّ تلقائياً أسفل بطني المنتفخ. في الشهر الثامن من الحمل، باتت كل حركة تبدو أثقل، وأبطأ، ويستحيل إخفاؤها لفترة طويلة.

معطفي الأسود الفضفاض كان يخفي معظم بطني عن الغرباء.

لكن ليس تماماً.

وليس في مكان كهذا.

كانت تفوح من المتجر رائحة خفيفة من خشب الأرز . أسرّة أطفال مصنوعة يدوياً تصطف في صالة العرض تحت إضاءة ذهبية، بينما استقرت أغطية الأطفال المصنوعة من الكشمير مطوية بجانب مهود تفوق تكلفتها إيجار منازل معظم الناس.

لم يكن هذا المتجر للأمهات العاديات.

لقد بُني للسلالات الحاكمة.

للعائلات القوية التي تمتلك أسماؤها نفوذاً كافياً لإسكات القضاة وترهيب السياسيين.

في ما مضى، كنتُ أنتمي إلى هذا العالم.

في ما مضى، كنتُ “سارة الزيني”.

زوجة “جاسر الزيني”—أصغر زعيم مافيا يقود إمبراطورية “الزيني” في نيويورك على الإطلاق.

رجلٌ كفيلٌ باسمه وحده أن يُخلي غرفه من الناس بمجرد سماعه. ورغم كل شيء… كنتُ قد أحببته. أحببته حقاً.

ذلك النوع من الحب الذي يجعل النساء يتجاهلن علامات التحذير حتى تتحول تلك التحذيرات إلى ندوب.

الآن، عدتُ “سارة عصمت” مجدداً، أختبئ تحت اسم عائلتي قبل الزواج، وأحمل طفلاً لم يكن من المفترض لـ “لجاسر” أن يعلم بوجوده أبداً.

تحركتُ ببطء نحو الجزء الخلفي من صالة العرض حيث يقف مهد من خشب البلوط الباهت تحت إضاءة ناعمة. بدا بسيطاً للوهلة الأولى، لكني لاحظتُ إطاره المقوى على الفور. قوي. آمن..

هذا تماماً ما يحتاجه طفلي.

لامست أصابعي الخشب المصقول برفق، فدوى شيء مؤلم داخل صدري. وكأن طفلي شعر بالخطر

*(أنا جنبك و هحميك).*حكايات نورهان العشري

لم أجرؤ على همس الكلمات بصوت مسموع.

في عالم “جاسر”، حتى الوعود قد تصبح خطيرة إذا تم التجسس عليها.

لأشهر، عشتُ مختبئة بمفردي داخل منزل صغير في بروكلين. كنت أدفع نقداً كلما أمكن ذلك. أطلب البقالة عبر الإنترنت. وأتعامل مع أطباء لا يطرحون أسئلة.

اشتريتُ ملابس أطفال مستعملة.

مصباحاً ليلياً صغيراً على شكل قمر.

كرسياً هزازاً من متجر للأشياء المستعملة.

لكن بعض الأشياء لم يكن ممكناً جلبها من أماكن عادية.

ليس عندما يكون طفلك معرضاً لوراثة الأعداء قبل حتى أن يتعلم المشي.

كنتُ بحاجة إلى الأمان.

الضحكة التي جاءت خلفي كانت هادئة.

مجرد ضحكة رجولية منخفضة.

لكن جسدي بالكامل تجمد في اللحظة ذاتها.

لأنني أعرف تلك الضحكة جيداً.

رفعتُ رأسي ببطء والتفتُّ إلى الوراء.

وهناك كان يقف.

كان “جاسر الزيني” يقف بالقرب من المدخل، يرتدي معطفاً من الكشمير الأسود جعله يبدو تماماً كما هو الثراء، الخطر، والقوة، مجتمعين في رجل واحد وسيم بشكل مدمر.

الزمن لم يجعله أكثر ليونة.

بل على العكس، زاده حدة وقسوة.

شعر داكن. عينان رماديتان باردتان.

نفس الهدوء المرعب الذي كان يجبر الرجال البالغين يوماً ما على خفض أصواتهم في حضوره. لكنه لم يكن بمفرده.

كانت هناك امرأة تقف بجانبه، تضع يداً أنيقة بتملك على ذراعه.

“راما الجندي”.

بالتأكيد.

كل عائلة قوية في نيويورك تعرف اسمها.

ثراء فاحش متوارث، أخلاق مثالية، وجميلة بأكثر الطرق قسوة ممكنة.

كان الألماس يتلألأ حول عنقها بينما ينسدل معطفها الباهت على جسدها بشكل مثالي وكأنها خرجت للتو من غلاف مجلة.

وقعت عيناها عليّ أولاً.

ثم انخفضت ببطء نحو بطني. وفجأة

ابتسمت.

قالت راما بنبرة ناعمة سمح صوتها لمنتصف المتجر بسماعها: ” ايه دا ؟ معقول دا يحصل!

ضرب نبضي بقوة ضد ضلوعي لمرة واحدة.

أما جاسر فلم يتحرك بعد.

ولم يتكلم.

لأنه كان يحدق مباشرة في بطني الآن.

ليس بنظرة عابرة، وليس بنظرة مهذبة.

بل بنظرة حادة ومكثفة.

وكأن العالم بأكمله من حوله قد توقف عن اتخاذ أي منطق.

ابتلعتُ ريقي بحذر وشددتُ كتفيّ.

“أهلًا يا جاسر”.حكايات نورهان العشري

بدا صوتي وكأنه أيقظه من الصدمة التي جمدته في مكانه. اشتد فكه غضباً وضيقاً.

” اختفيتِ فجأة!”.

لم يقل مرحباً.

ولم يقل كيف حالكِ.

فقط اتهام مباشر.

نظرت راما بيننا بفضول متزايد.

ثم تشنجت نظرتها فجأة.

لقد أدركت الأمر.

سألت بهدوء: “أنتِ في الشهر الكام؟”.

لم أجب.

لأن جاسر كان يعلم بالفعل.

رأيت ذلك يحدث في ملامح وجهه.

ذلك الاستنتاج المرعب الذي يضرب عقله وجسده دفعة واحدة.

أظلمت عيناه على الفور.

قال ببطء: “ألماسة…”.

لم ينادِني أحد بهذا الاسم منذ أشهر.

التف الخوف بعنف داخل معدتي.

ليس خوفاً منه.

بل خوفاً مما سيحدث بعد ذلك.

لأن رجالاً مثل جاسر الزيني لا يتخلون أبداً عما يخصهم.

وعندما ارتفعت عيناه من بطني لتعود إلى وجهي، أدركتُ بيقين مرعب

أنه يعتقد بالفعل أن هذا الطفل هو طفله.

ثم اتخذ جاسر خطوة واحدة بطيئة نحوي…

وفي تلك اللحظة، تحرك كل الحراس الشخصيين المسلحين داخل المتجر نحو أسلحتهم في نفس الجزء من الثانية.

 

ا. تظاهر الزبائن بعدم التحديق وهم يتراجعون بحذر إلى الخلف، وحتى موظفو المتجر بدا عليهم التجمد؛ فلا أحد في مانهاتن يرغب في أن يعلق وسط مواجهة تخص عائلة “الزيني”، خاصة إذا كانت تتعلق بوريث مخفي.

أجبرتُ نفسي على البقاء هادئة وقِلت:

— “عن اذنكوا ورايا حاجات كتير”.

فسأل جاسر وهو يتجاهل حديثي: “جيتي لوحدك؟”.

— “أيوا”.

تحدث بغضب مكتوم

— “من غير حراسة؟”.

أجابته بتحدي

— “مبقتش محتاجة لرجالتك عشان يمشوا ورايا في كل حتة”.

اشتد فكه غضباً بشكل ملحوظ وقال:

— “دي مش اجابه”.

هنا ارتفع صوت “راما” بحدة طفيفة:

— “جاسر الناس حوالينا، سامعين و شايفين كل اللي بيحصل”.

أخيراً، التفت بنظره نحوها لبرهة وجيزة، لكني رأيتُ في تلك النظرة شيئاً مهماً: جفاءً وبروداً… ذلك النوع من الانفصال العاطفي الذي يستحيل إخفاؤه إذا كنتِ تعرفينه جيداً، وأنا أعرف “جاسر” أكثر من أي شخص آخر.

لاحظت “راما” ذلك أيضاً، ومعه أدركت شيئاً آخر: مهما كانت قوية، ومهما كانت جميلة، ومهما كان اسمها مرتبطاً به علناً… فهي لم تأخذ مكاني قط.حكايات نورهان العشري

ومضت لمحة من عدم الأمان على وجهها قبل أن تختفي خلف قناع الأناقة المعتاد، وقالت:

— “بيتهيقلي احنا

مفروض نمشي”.

— “لا”.

وقعت الكلمة المفردة كطلقة رصاص. نظر “جاسر” إليّ مجدداً وقال:

— “ارجعي على البيت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *