فستان ضرتى
ضرتي بعتتلي فستان هدية وقالت إنها اشترته ومطلعش مقاسها بنتي شافته وقالتلي
ماما، ده نفس الفستان اللي في الصورة عند بابا.
ضحكت وقلتلها
صورة إيه يا بنتي؟
راحت أوضة أبوها ورجعت بصورة قديمة كنت شفتها قبل كده، بس عمري ما ركزت في تفاصيلها.
جوزي كان واقف فيها وهو شاب، وجنبه ست لابسة نفس الفستان بالظبط.
نفس اللون.
نفس التطريز عند الرقبة.
وحتى نفس العلامة الصغيرة عند طرف الكم.
قلبت الصورة أبص على التاريخ المكتوب وراها
وساعتها إيدي اترعشت.
الصورة متصورة من أكتر من 30 سنة.
يعني قبل ما ضرتي تتولد أصلًا.
استنيت جوزي يرجع من الشغل وحطيت قدامه الفستان والصورة وسألته
مين الست دي؟
أول ما شافهم، وشه اتغير.
لكن بدل ما يرد عليا، مسك الفستان بسرعة وقلبه من جوه، كأنه بيدور على حاجة معينة.
ولما لقاها
قعد على الكرسي وسكت.
قربت منه وبصيت للمكان اللي كان مركز فيه.
كان فيه اسم متطرز بخيط باهت من جوه الفستان.
اسم ست عمري ما سمعته في حياتي.
نوال
سألته
مين نوال؟
رفع عينه ليا وقال بصوت مخضوض
دي الست اللي في الصورة.
ومين هي؟
فضل ساكت ثواني، وبعدين قال جملة خلتني أحس إن البيت كله بيلف بيا
المفروض إنها ماټت من 28 سنة.
قبل ما أسأله أي سؤال، موبايله رن.
كانت ضرتي.
رد عليها وحط المكالمة على السماعة.
أول ما سمعت صوتي قالت
الفستان وصلك؟
قلتلها
وصل بس عايزة أعرف جبتيه منين.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا ما اشتريتوش.
جوزي وقف فجأة.
وهي كملت
لقيته من أسبوع في صندوق قديم عند أمي ولما سألتها عنه قالتلي أبعتُه ليكي إنتِ بالذات.
بصيت لجوزي.
وشه كان أبيض.
سألتها
طب أمك تعرف واحدة اسمها نوال؟
المرة دي سمعت صوت حاجة وقعت من إيدها.
وبعدها همست
نوال؟ إنتِ عرفتي الاسم ده منين؟
وقبل ما أرد، سمعت صوت أمها من بعيد بتصرخ
اقفلي يا بنتي! ما تقوليلهاش حاجة عن الفستان!
الخط اتقفل.
جوزي فضل واقف قدامي مش بيتحرك.
وبعدين أخد الصورة من إيدي وقال
أنا لازم أقولك الحقيقة قبل ما أمها توصلك لأن الست اللي في الصورة دي مش مجرد واحدة كنت أعرفها.
بص للفستان، وقال
دي أم ضرتك الحقيقية وأنا آخر واحد شافها قبل ما تختفي.
سكتت للحظة، كأني مش عارفة أصدق الكلام اللي طالع من فمه، ولا عارفة أصدق إن اللي بيقوله ده حقيقة مش كابوس بصحى منه في أي لحظة. قلبي كان بيدق بسرعة كأنه هينفجر من مكانه، والدنيا كلها بقت ضبابية قدامي، والكلام اللي سمعته كان بيتردد في وداني زي الطبول دي أم ضرتك الحقيقية وأنا آخر واحد شافها قبل ما تختفي.
قعدت على أقرب كنبة، ويدي كانت بترتعش لما مسكت حافة الطاولة قدامي، وقولت بصوت مكسور بالكاد يطلع من حلقي
يعني إيه الكلام ده يا كريم؟ يعني إيه أم ضرتك الحقيقية؟ مش أمها اللي عرفتها كل السنين دي؟ مش الست اللي لسه عايشة وبتتصرف وتقول كلام وتفعل أفعال؟
كريم قعد قدامي، ووجهه كان مظلم كأنه شايف قدامه كل الماضي المر اللي حاول ينساه طوال 30 سنة، ومسك إيدي بيده اللي كانت كلها رعشة هو كمان، وقال بصوت خاڤت مليان ۏجع ما شفتوش في عينيه طول عمري
أنا عارف إن ده صعب تصدقيه عارف إن كل حاجة كانت مبنية على كدبة كبيرة، وأنا اللي ساعدت في إخفاءها طول السنين دي بس لازم أروح معاكي من الأول، من أول ما عرفت نوال، لحد ما جيت أنا واتجوزتك، وكل حاجة حصلت في النص.
سكت شوية، كأنه بيجمع كلامه، أو كأنه بيحاول ياخد نفسه من الصدمة اللي رجع فيها لورا سنين وسنين، وبعدين بدأ يحكي
كان عمري 18 سنة، كنت لسه في أول سنة في الجامعة، وكنت شاب طايش ومش عارف
موقع أيام نيوز
حاجة عن الدنيا ولا عن الناس. تعرفت على نوال صدفة كانت بتشتغل في المكتبة القديمة اللي كانت قريبة من الجامعة، ست في منتهى اللطف والجمال، مش جمال المظاهر بس، جمال الروح اللي بيلاقيهش في حد تاني. كانت طيبة لدرجة تخلقك، ومش بتعرف ټؤذي حد حتى لو هو أذاها.
حبنا بعض بسرعة، حب نقي زي ما بيحبوا في الأفلام القديمة، كنا نحلم ببعض وبمستقبل مع بعض، كنا نقول إننا هنتجوز ونعيش حياة سعيدة ومش هنحتاج حاجة من الدنيا طالما مع بعض. بس نوال كانت من عيلة غنية جداً، أبوها كان رجل أعمال كبير وله كلمة في كل حتة، وكان عايزها تتجوز واحد من الأغنياء زيهم، واحد يكون ليه شأن ومركز، مش شاب لسه بيدرس ومش معاه قرش واحد زيي.
عرف أبوها علاقتنا، وڠضب جداً، ومنعها مني بالكامل، وقعد يهددها ويترعبها، يقول لها لو ما بطلتي تشوفيه هفضحك وهخليكي عار على العيلة كلها. بس نوال كانت بتحبني بجد، وكانت مستعدة تضحي بأي حاجة عشان تفضل معايا، فقررت نهرب مع بعض، نسافر لبلد تاني ونعيش هناك بعيد عن كل ضغوطهم وكل كلامهم.
اتفقنا على اليوم والساعة، وكنت مستنيها في المكان اللي اتفقنا عليه، في محطة القطار القديمة، وجيت ومعايا كل فلوسي اللي جمعتها، ومستنيها تيجي ونمشي سوا. جت بس مش لوحدها، جت ومعاها الفستان ده بالظبط، قالت لي ده هدية مني ليك، ده الفستان اللي كنت حلمت ألبسه في يوم جوازنا، مهما حصل خليه معاك. قلت لها ليه بتقولي كده؟ تعالي بسرعة قبل ما يلحقونا.
ضحكت بدموع في عينيها، وقبلتني في جبيني وقالت لي روح إنتَ يا كريم، وأنا هلحقك بعد شوية، عندي حاجة لازم أعملها أول ما أروح البيت، وهجيلك مهما حصل. رفضت أسيبها، قلت لها مش هسيبك أبداً، نمشي سوا ولا نمشيش، بس هي أصرت جداً، دفعتني ناحية القطار وقالت لي استني في المحطة التالية، وهكون عندك قبل ما القطار يوصلها، واثق مني يا كريم؟.
وكنت واثق منها بكل كيان، فسافتني وركبت القطار، واستنيت في المحطة التالية وانتظرت وانتظرت وما جتش.
كل شوية كنت أشوف القطارات تيجي وتمشي، وقلبي بيقطع كل دقيقة بتمر ومش تيجي. رجعت للمحطة الأولى، سألت كل حد هناك، حد ما شافها، حد ما عرف عنها حاجة. رحت لحد باب بيتهم، لقيت الباب مغلق ومحوط بحراس كتير، لما سألت عنها قالولي سافرت مع أبوها لبلد تاني ومش هترجع تاني.
يومها كنت مېت من الحزن، مش عارف أصدق إنها سابتني ومشيت، مش عارف أفهم ليه عملت كده، ليه خدعتني وقالت هتلحقني ومش جت. مرت الأيام والشهور وأنا كل يوم أسأل عنها، كل يوم أروح أسأل أي حد ممكن يعرف عنها حاجة، لحد ما جالي خبر من واحد من الخدم اللي كان شغال عندهم وقالي إن نوال ماټت ماټت في نفس اليوم اللي كنا هنهرب فيه، وقع من الشباك في أوضتها وهي كانت بتحاول تطلع تهرب من البيت.
قلت للراجل ده كذاب، قلت له نوال ماتتليش، هي وعدتني وهتحقق وعدها، بس هو حلف لي وقال لي الډفن كان في سرية تامة، وما حدش شاف الچثة غير أبوها وعدد قليل من الناس، وقال لي إن أبوها منع أي حد يتكلم عنها أبداً، وإن اسمها اتشال من كل الأوراق والصور، وكأنها ما كانتش موجودة من الأساس.
يومها حطمتني الدنيا، سابت الجامعة، وسابت كل حاجة، وكنت عايش زي اللي ملهوش هدف، لحد
ما بعد سنين قابلتك، وحبيتك، وقررت أبدأ حياة جديدة، ونسى كل حاجة مضي، ودفنت نوال في قلبي وقلت خلاص ده نصيبي وده اللي كتبه ربنا عليا.
سكت كريم شوية، ومسح دمعة نزلت من عينيه وهو بيحاول يخفيها، وكمل بصوت أثقل من الأول
وبعدين جيت أعرف إن اللي كانت ماټت مش نوال ولا حتى كانت بنت من بنات العيلة أصلاً. اللي وقعت من الشباك وماټت كانت خادمة عندهم، أبوها دفع فلوس كتير عشان كل حد يقول إنها نوال، واخد نوال وحپسها في مكان ما بعيد، عشان ما تقدرش تيجي لي ولا تقدرش تقابل حد تعرفه، عشان كده ما وصلتنيش أي رسالة منها طول السنين دي.
والمشكلة الأكبر إن نوال كانت حامل وقتها حامل في بنت.
سكت تاني، وبص لي بعينين مليانة خوف وألم، وقال ببطء كأنه كل كلمة بتتقطع من جواه
البنت دي هي منى.
يعني منى مرات ابني هي بنت نوال هي بنتي الحقيقية؟
صړخت الكلمة من غير ما أحس، ووقفت من مكاني كأني اتلسعت من ڼار، وبصيت له بكل عينيا مش عارفة أصدق، مش عارفة أستوعب الكلام اللي قاله
إيه؟ بتقول إيه يا كريم؟ منى بنتك وبنت نوال؟ يعني أنا طول السنين دي كنت عايشة مع بنتك من ست تانية؟ وأنت عارف ده وسكت؟ وعايشة معايا في البيت نفسها وتعاملني كأنني ضرتها وأنا وأنا زي أمها؟
كريم مسك كتفي بيديه وثبتني مكاني، وقال بصوت عالي شوية عشان يخليني أسمعه وأفهم
أنا ما عرفتش ده غير من فترة قريبة جداً يا سيدة! صدقيني ما كنتش أعرف حاجة، ولا كنتش أتخيل إن ده ممكن يصير أبداً. عرفت إن نوال كانت حامل بعد ما عرفت خبر ۏفاتها المزيف، وكنت فاكر إن الطفل ماټ معاها، أو إن أبوها رماه في مكان ما ومحدش يعرف عنه حاجة. وما عرفتش إن منى هي بنتي غير لما جت تعرف علينا، وشبهت نوال في كل حاجة، وبدأت أتأكد شوية بشوية، لحد ما جبت تحليل واتأكدت من كل حاجة بس خفت أقولك، خفت الدنيا تتقلب عليكي، وخفت أهدم البيت اللي بنيناه مع بعض، وخفت من الحقيقة نفسها اللي كانت مخبية جوا كل واحد فينا.
وأم منى اللي بنعرفها دي؟ سألته وأنا لسه مش مصدقة كل ده دي مش أمها؟ دي إيه دورها في كل الكدبة دي؟
دي خالت نوال، اخت أبوها قال كريم أبو نوال لما قرر يخفي نوال ويقول إنها ماټت، جاب اختها الصغيرة، وربت منى عندها، وقال للكل إنها بنتها، وشرط عليها إنها ما تقولش لمنى ولا لحد أي حاجة عن أصلها، وهددها إنها لو فتحت بوقها هتخسر كل حاجة، وهتتعرض هي وبنتها لأذى كبير. وطول السنين دي كانت بتعامل منى كأنها بنتها، بس في نفس الوقت كانت متبعة أوامر أخوها بالحرف الواحد، ومش عارفة تخرج من السچن اللي حپسها فيه هي كمان.
وقبل ما أرد ولا أقول أي كلام، سمعنا صوت الباب بيخبط بقوة، وصوت منى من بره بتقول بصوت مرتعش
بابا ماما سيدة افتحوا الباب عايزة أتكلم معاكم.
كريم راح يفتح الباب، ولقينا منى واقفة بره ووجهها كله دموع، وخلفها أمها اللي كانت واقفة ومش عارفة ترفع عينها لينا، ووجهها أبيض كالورق ومش عارفة توقف من الرعشة.
دخلتهم البيت، وما حدش تكلم دقايق كتير، كل واحد فينا كان عايز يقول حاجة ومش عارف منين يبدأ، لحد ما منى قعدت قدامي ومسكت إيدي وقالت بصوت مكسور
أنا عرفت كل حاجة من ماما
بعد ما قفلت الخط معاكي يا ماما سيدة عرفت إن نوال دي أمي الحقيقية وعرفت إن أبوها كان السبب في كل اللي حصل ليها وعرفت وعرفت إنك أنت يا بابا وبصت لكريم هو أبي الحقيقي.
كريم نزل دموعه ومسك راسها بين إيديه وقبلها في جبينها، وقال
أنا آسف يا بنتي آسف إني سبتك طول السنين دي وما عرفتش أكون جنبك، آسف إني خليتك تعيشي في ظلام ومش عارفة مين أنتِ ولا مين أهلك لو كنت عارف إنك عايشة في الدنيا دي كنت جيتلك من أول يوم وعملت كل حاجة عشانك.
منى بكت بكل قلبها، وسندت راسها على كتفه، وكنت أنا واقفة جنبهم ومش عارفة أمنع دموعي من النزول، قلبي كان مكسور عليهم وعليا كمان، على كل السنين اللي ضاعت، على كل الكدب اللي عشناه، على كل الحاجات اللي كانت مخبية ومحدش عارف بوجودها.
بعدين قربت أم منى، وقفت قدامنا كلها، وقالت بصوت خاڤت مليان ندم وخوف
أنا عارفة إنكم كلكم عندكم الحق تكرهوني عارفة إن كنت شريكة في كل الچريمة دي، وكنت بشاركهم في الكدب رغم إن قلبي كان بيقطع علي نوال وعلى بنتها طول الوقت بس أخوي كان رجل قاسې جداً، كان بيخوفني ويهددني، كان يقول لي إن منى لو عرفت الحقيقة هتتعرض لأذى كبير، وإن نوال نفسها لو ظهرت تاني هتتعرض لما هو أسوأ من المۏت فكنت ساكتة ومش عارفة أعمل حاجة، كنت ماشية ورا كلامه زي العبدة اللي ملهوش قرار.
وأين نوال دلوقتي؟ سألتها كريم بسرعة فينها؟ لحد دلوقتي هي عايشة؟
المرأة هزت راسها ببطء وقالت
عايشة بس مش زي ما إنتو بتتمنوا. أخوي حپسها في بيت قديم في منطقة نائية بعيدة جداً، منع عنها الناس والكل، وكل فترة كان بيبعت لحد يروح لها ويجيب منها أخبار، وكنت أنا اللي باخد الأوامر منه وبشرف على الموضوع ده من بعيد هي عايشة بس مريضة جداً، نفسها تعبانة ومش بتتكلم مع حد، وكل اللي بتعمله طول النهار إنها بتمسك صورة قديمة ليك يا كريم، وتقول اسمك وتنتظرك تيجي.
يوم ما لقيت الفستان ده في الصندوق القديم، كنت خاېفة جداً، عرفت إن ده إشارة من نوال، لأنها كانت طلبت مني قبل كده إن لو حصل أي حاجة وبقيت عايزة تقول الحقيقة، أبعت الفستان ده لحد يفهم معناه وما عرفتش مين أبعته لحد ما جيتي أنتِ وسألتيني عن نوال، وعرفت إن الحقيقة لازم تطلع مهما كان الثمن.
كريم كان واقف ومش عارف يتنفس، وبعدين قال بصرامة ما شفتوش في حياته كلها
أنا رايح أجيبها النهاردة. مش مستنى دقيقة واحدة تانية. لو كانت عايشة لازم أروح لها وأخذها من هناك، ونجيب لها كل العلاج اللي محتاجاه، ونعوضها كل السنين اللي ضاعت منها. ولا يهم حد ولا يهم أي ټهديد، ده حقي وحقها وحق بنتنا.
قلت له بسرعة وأنا مسكة إيده
وأنا جاية معاك. مش هسيبك تروح لوحدك. دي حكايتنا كلنا، ومش هنواجهها لوحدنا.
منى قالت بسرعة كمان
وأنا كمان عايزة أجي معاكم عايزة أشوف أمي عايزة أعرفها وأقول لها إن بنتها كبرت وحبيتها طول السنين دي حتى وهي مش عارفة إنها موجودة.
أم منى قالت
أنا هاجي معاكم كمان أنا عارفة المكان بالظبط، وعندي المفاتيح، وأنا مستعدة أواجه أخوي وكل حاجة، كفاية كدب وكفاية خوف عشناه كلنا.
سافرنا في نفس اليوم، الطريق كان طويل ومتعب، وكل واحد فينا كان في عالم تاني، بيفكر في اللي جاي، بيفكر في نوال اللي
د
قضت كل عمرها وحيدة منتظرة الحب اللي اتحرمته منها، منتظرة تخرج من السچن اللي حبسوها فيه بلا ذنب.
وصلنا للمكان، بيت صغير قديم محاط بأشجار كتير، مفيش حد حوليه، هادي لدرجة تخوف، كأنه مفيش حياة جواه. دخلنا ببطء، وكل خطوة كنا بنخطوها كانت بتثقل علينا، لحد ما وصلنا لأوضه في نهاية الممر، وبابها كان مفتوح شوية.
شفتها كانت قاعدة على كنبة قديمة قرب الشباك، وشعرها كله أبيض رغم إن سنها مش كبير، وعيونها بتتطلع للبعيد كأنها بتشوف حاجة مش شايفها غيرها، وفي إيدها صورة قديمة كانت بتمسكها بكل قوتها.
لما سمعت صوتنا رفعت عينها ببطء، ولما شافت كريم وقفت من مكانها كأنها شافت شبح، ويدها ارتجفت والصورة وقعت من إيدها، وقالت بصوت خاڤت بالكاد يتسمع
كريم؟ إنت جيت؟ أنا كنت عارفة إنك هتيجي في يوم من الأيام كنت عارفة إنك مش هتنساني أبداً.
كريم راح ناحيتها بسرعة ومسكها بين إيديه، وكلاهما بيبكي بلا كلام، وسنوات الفراق والۏجع كانت بتخرج في دموعهم اللي نزلت من غير توقف، وكل واحد فيهم كان بيقول للتاني آسف، وكل واحد كان بيقول للتاني إني كنت منتظرك طول عمري.
منى كانت واقفة ورا كريم ومش عارفة تقرب، لحد ما نوال شافتها، وبصت لها طويلاً كأنها بتشوف نفسها وهي صغيرة، وقالت بصوت مليان دهشة وحنان
شبهي كتير دي بنتي؟ دي منى اللي كنت بحلم بيها كل ليلة؟
منى راحت ناحيتها بسرعة وحضنتها بكل قوتها، وقالت وهي پتبكي
أنا منى يا ماما أنا بنتك وحشتيني كل السنين دي كلها.
كنت واقفة جنبهم وببكي معاهم، وقلبي كان متبسط وموجوع في نفس الوقت، مبسوط لأن الحقيقة طلعت وكل واحد رجع للي ليه، وموجوع على كل الألم اللي عاشوه بلا ذنب.
وبعدين جاء دور مواجهة الأخ، لما عرف إننا أخذنا نوال وإن الحقيقة طلعت لكل الناس، جاي مع مجموعة من الناس عشان ياخدها ويرجعها تاني، بس كريم وقف قدامه بكل شجاعة، وقال له
ده يوم حسابك على كل اللي عملته حبست بنتك وحرمتها من حياتها وحياة اللي بتحبهم، وخليت بنتها تعيش من غير أم ولا أب، وكل ده عشان كبريائك وفلوسك والحق هيغلب مهما مرت السنين، ومش هتقدر تاخدها تاني أبداً.
كان بيحاول ېهدد ويترعب، بس كل اللي كان حوله عرفوا الحقيقة، وكل اللي كان ساعده قبل كده سابوه لما شافوا ظلمه، واخدوه العدالة ليجازيه على كل الچرائم اللي ارتكبها طوال السنين دي.
وبدأنا نعيش حياة جديدة، نوال كانت بتتعالج وبتتحسن يوم بعد يوم، وكانت تعاملني كأختها وصديقتها، وكنت أنا بحبها كتير وبعوضها عن كل اللي شافته، ومنى كانت بين أمها وأبوها تعيش السعادة اللي اتحرمت منها طول عمرها، وعلاقتي بها كانت بتبقى أقوى من أي وقت، مش كضرّة ولا كأم تانية، بل كأخت وصديقة قريبة من كل قلبها.
والفستان ده اللي بدأنا به كل الحكاية، حطيناه في مكان مميز في البيت، مش عشان تذكير بالماضي المؤلم، بل عشان تذكير إن الحق مهما طال بياخد مجراه، وإن الحب مهما حاولوا يدفنوه بيطلع للنور من جديد، وإن كل كدبة مهما كبرت وطالت عمرها لابد يوم تفضح وتنتهي.
وكل يوم كنا بنشكر ربنا إنه أظهر الحقيقة، وجمعنا كلنا مع بعض، وعوضنا عن كل السنين اللي راحت، وعرفنا إن العيلة مش پالدم بس، بل بالحب والترابط والصدق، وإن مهما حصل ومهما طال الزمن، ربنا بيجيب الحق لصاحبه في الوقت المناسب اللي هو عارفه وحده.
وما بقاش في قلب أي منا كره
ولا حقد، بل كل اللي كان فيه حب وتسامح وأمل في مستقبل أحسن، نعيشه كلنا مع بعض، وننسى كل ألم الماضي، ونكتب من جديد صفحات بيضاء مليانة سعادة وهنا، ما فيها غير الحقيقة والحب اللي ما يقدرش أي حد يفرق بينهم أبداً.