قناع الامومه الاول
“مـراتك دلـوعة وخـابية يا طـارق… ولو كـانت أغمـى عليها، فده عشـان بتعـشق تعيـش دور الضـحية وتكسـب عطـفك.
ده كان أول كلام أسمعه من لسان أمي أول ما فتحت باب شقتي في التجمع، يوم تلات الساعة اتنين الضهر.
لحد اللحظة دي، كنت لسه مغفل ومصدق إن الحاجة كريمة، أمي، جت تعيش معانا عشان “تساعدنا” بعد ما ابني يحيى نور الدنيا. كانت بايعة لي الدور ده ببراعة: بمسكنتها المصطنعة، بعلب الثلاجة المليانة محشي ورق عنب وبط، بسبحتها اللي مابتفارقش إيدها، والكلمة اللي كانت بتكررها قدام القرايب والغرب:بقلم منــال عــلي
“الأم عمرها ما تسيب ضناها وشيلته تقيلة في وقت زي ده.”
مريم، مراتي، كانت والدة قيصري من تلات أسابيع بس. مابتنامش أكتر من ساعة على بعضها، وشها باهت وخاطف، عينيها مطفية من التعب، وبتمشي وهي سانة ضهرها من وجع الجرح اللي لسه مألمها. وأنا، بحكم شغلي كمهندس برمجيات في شركة تكنولوجية إنترناشونال، وعشان أقدر أكفي مصاريف المستشفى والبيت والبيبي، كنت باجي على نفسي وبقبل أي تسليم ومكالمات شغل بالليل وضغط كأني معنديش بيت مستنيني. بقلم منــال عــلي
كنت فاكر إن وجود أمي هيكون طوق النجاة لمراتي.
يا لعمى قلبي!
كل يوم الصبح وأنا نازل، مريم كانت تبص لي وتوشوشني بصوت واطي وضعيف: بقلم منــال عــلي
“متشغلش بالك بيا يا حبيبي.. أنا كويسة، روح شغلك.”
بس إيديها وهي بتعدل لي اللياقة كانت بتترعش. ساعات كنت أرجع ألاقيها واقفة بتغسل المواعين وصوت عياط يحيى واصل لآخر الشارع، وأمي قاعدة في الصالة مشغلة التلفزيون على المسلسل وأعلى صوت. ولما كنت أسأل أمي، كانت تبتسم ببرود وتقول: بقلم منــال عــلي
“هي اللي مابتطقش القعدة يا بني، وبتقول الحركة بركة عشان جرحها يلم بسرعة.. سيبها براحتها.”
وأنا، بكل غباء، صدقت. بقلم منــال عــلي
يوم التلات ده، نزلت بدري على الشغل، بس كان فيه حاجة مش مريحة قلبي. في اجتماع الساعة واحدة، والمدير بيتكلم عن الأرقام والتارجت، حسيت بنغزة ووجع غريب في صدري. طلعت الموبايل وبصيت فيه.. مفيش أي رسالة من مريم، ولا مكالمة فايتة. بس فيه صوت جوايا صرخ وقال لي: “ارجع حالا ب بيتك!”
اعتذرت من الاجتماع، ولميت حاجتي، وسقت زي المجنون في طريق السويس لحد ما وصلت البيت. بقلم منــال عــلي
من قبل ما أدخل من بوابة العمارة، سمعت صريخ يحيى.
مبقاش عياط طفل طبيعي.. كان صريخ بحة ووجع، صريخ طفل مفروس بقاله ساعات بينادي ومحدش بيعبره.
فتحت باب الشقة بالمفتاح. بقلم منــال عــلي
أول حاجة ضربت في وشي كانت ريحة الأكل: تقلية ملوخية، رز بالشعرية، وفراخ محمرة لسه طالعة من الفرن. وعلى ترابيزة السفرة كانت أمي، قاعدة زي الملكة المتوجة، بتاكل ببرود ومزاج رايق. قدامها طبقها المتظبط، وكوباية كركديه ساقعة، والمناديل على حجرها.
وعلى الكنبة… كانت مريم.
مش قاعدة.
كانت مرمية.
جسمها مائل على جنبه، دراعها مدلدل على الأرض، شفايفها بيضا زي الورق، ومغمى عليها تماماً. ويحيى في سريره الهزاز، وشه أحمر دم من كتر العياط، وبيرفص برجليه بهستيريا.
جريت عليها زي المجنون. بقلم منــال عــلي
“مريم! مريم ردّي عليا! مريم بصي لي!”
أمي حتى مكلفتش نفسها تقوم من على الكرسي.
فضلت تمضغ الأكل ببرود.
بصت لجسم مراتي المرمي على الكنبة، وقالت بمنتهى القسوة والجبروت اللي عمري ما هنساه في حياتي: بقلم منــال عــلي
” جرى إيه يا طارق؟ ما تبقاش خفيف بقى! دي بتتمسكن وعاملة لنا هسس.. ألا تكون فاكرة إن الحركة دي هتخليها تتهرب من غسيل حلة المحشي!”
في اللحظة دي، فوق الموقف ده، فيه حاجة جوايا انكسرت واتقسمت نصين. بقلم منــال عــلي
الست اللي ربتني دي مكنتش أم حنينة أبداً.
دي كانت وحش كاسر قاعد في صالة بيتي، بياكل الأكل اللي أجبر مراتي المريضة الضعيفة تطبخه لها لحد ما وقعت من طولها من قلة النوم والتعب.
شيلت مريم بين دراعاتي. وخدت يحيى في دراعي التاني. وخرجت من الشقة من غير ما أنطق بحرف واحد.
وأنا بقفل الباب ورايا، سمعت صوت أمي وهو بيهز الحيطان وبتصرخ ورايا:
“دي شقة ابني! وأنا اللي ليا الكلمة الأولى والأخيرة هنا!”
مكانش يخطر على بالي أبداً، الكوارث والسر اللي هكتشفه بعد كده…
يتبع….
خدت مريم وجريت بيها على أقرب مستشفى خاص في التجمع، ويحيى كان بيصرخ في كرسي البيبي ورا، وأنا قلبي كان حاسس إنه هيقف من الخوف والوجع. في الطوارئ، الدكتورة ماخدتش وقت طويل عشان تأكد لي الشكوك اللي كانت بتاكل في عقلي.
بصت لي الدكتورة بأسف وقالت:بقلم منــال عــلي
“مراتك واصلة لحالة إجهاد بدني ونفسي خطيرة يا بشمهندس.. عندها جفاف شديد، حرمان حاد من النوم، وضغط عصبي مدمر. هي مين اللي كان بيراعيها في البيت؟”
لساني عجز.. معرفتش أرد عليها بـ إيه.
لأن الإجابة كانت واقفة في زوري وزي الجمر بتكويني.
أمي.. أمي هي اللي كانت مفروض “بتراعيها”.
بعد كام ساعة، لما مريم بدأت تفتح عينيها ببطء، أول حاجة عملتها وهي لسه مش واعية قوي إنها تدور على يحيى بصوت مرعوب:بقلم منــال عــلي
“يحيى فين؟ ابني فين يا طارق؟”
“معايا يا حبيبتي، يحيى كويس وجنبي.. إحنا خلاص بعدنا، مفيش حاجة هتحصل.”
أول ما سمعت كلمتي دي، انهاريت تماماً.
بكت بدموع حارقة، كأنها كانت شايلة جبل فوق كتافها وساكتة طول الأسابيع اللي فاتت. بدأت تحكي لي وهي بتترعش وصوتها بيقطع، وأنا ماسك إيدها وببوسها وعيني بتدمع. بقلم منــال عــلي
أمي كانت بتقول لها إنها خايبة.. وإنها ست فاشلة ومش وش نعمة. كانت بتزن في ودنها طول ما أنا في الشغل وتقول لها: “طارق طافح الكوته بره وشقيان عشان يرجع يلاقي بيت يفتح النفس، مش يلاقي عيلة كئيبة وواحدة ضعيفة بتعيط من الهوا.. طارق يستاهل ست بجد تسنده، مش عيلة زيك.”
مش بس كده.. أمي كانت بتاخد منها الموبايل وتخبيه بالساعات.
كانت بتقول لها: “إياكِ تشغليه وتتصلّي بيه تشتكي له وهو في وسع شغله، بلاش خيبة.”
ولما يحيى كان ينام أخيراً ومريم تحاول تغمض عينيها، كانت أمي تدخل الأوضة وتعمل دوشة متعمدة، تفتح النور بكامل قوته، أو تهز سرير البيبي عشان يصحى ويصرخ تاني!
مريم همست لي بكسرة وصوت مبحوح:
“كانت بتقول لي إن الأم الشاطرة مابتنامش وابنها ممكن يحتاجها في أي لحظة.. كانت عايزة تطلعني مجنونة قدامك يا طارق.. كانت عايزاني أنهار.”
في اللحظة دي، حسيت إن فيه شعلة جوايا انطفت.
مكانش مجرد غضب.. كان إحساس بالعار والندم الشديد. أنا اللي دخلت العدو بيتي بإيدي، وأنا اللي قدمت له مراتي وحياتي على طبق من فضة تحت مسمى “بر الوالدين” الأعمى.
في نفس الليلة، حجزت سويت في أوتيل هادي. حلف ميت يمين إننا مش هنعتب باب الشقة دي طول ما أمي لسه جواها.
بعد ما اتأكدت إن مريم ويحيى ناموا أخيراً وارتاحوا، قعدت على طرف السرير وفتحت موبايلي.. فتحت أبلكيشن كاميرات المراقبة اللي مركبها في الصالة والممر. كنا مركبينها للأمان والبيبي سبرتر، وعمري ما تخيلت إنها هتكون الشاهد الوحيد على حقيقة الوحش اللي ربتني.بقلم منــال عــلي
شوفت أمي وهي بتتحرك في الصالة زي القطة الشرسة، رايحة جاية بغل وبتكلم نفسها. بعدها شوفتها بتدخل أوضتنا.. فتحت الأدراج، وقلبت في الورق، لحد ما طلعت الملف اللي فيه شهادات الميلاد، الباسبورتات، وورق شقتنا وعقدها.
دمي اتجمد في عروقي.بقلم منــال عــلي