حماتى حلقتلى شعرى

الصفحة 2
حماتي حلقتلي شعري وأنا نايمة… في نفس الليلة اللي الجيش كرّمني فيها بأكبر ترقية في حياتي.
ولما صحيت وشفت اللي عملته، جوزي بصلي بمنتهى البرود وقال
يا بنتي ده شعر… هيطول تاني. يمكن تتعلمي بقى تسمعي كلامي.
ماعيطتش… ماصوتتش… وما طلبتش منهم حتى يعتذروا.
أنا بس قررت أسترد كل حاجة كانوا فاكرين إنهم مسيطرين عليها.
صحيت على إحساس غريب في راسي.
فضلت ثواني مش فاهمة أنا بحلم ولا إيه… لحد ما حطيت إيدي على شعري، واكتشفت إن فيه أجزاء كاملة اتحلقت، وشعري الطويل اللي كنت بعتز بيه بقى مرمي على المخدة والملاية.
رفعت عيني…
لقيت حماتي سنية واقفة جنبي، وفي إيدها ماكينة حلاقة.
ولا باين عليها ذرة ندم…
بالعكس، كانت واقفة كأنها حققت انتصار.
قلت لها بصوت مخنوق
إنتِ عملتي إيه؟
ردت وهي رافعة راسها
بفكرك بمكانك. طول ما إنتِ مرات ابني، هتسيبي شغلك بكرة وتبقي ست بيت محترمة.
من كام ساعة بس…
كنت واقفة في احتفال رسمي جوه قيادة الجيش، وكل القيادات بتسقفلي.
بعد أكتر من عشرين سنة خدمة، ومأموريات صعبة، وتضحيات محدش يعرفها…
أخدت أكبر ترقية في حياتي، وبقيت عقيد.
واتكلفت بقيادة واحدة من أهم الوحدات اللي فضلت أحلم أوصلها طول عمري.
وأنا راجعة البيت، كنت حاسة إن كل التعب ده أخيرًا جاب نتيجته.
لكن دلوقتي…
كنت قاعدة وسط شعري المقطوع على سريري.
قلت لها وأنا بحاول أتماسك
يعني استنيتي لما أنام وعملتي كده؟
قالت بمنتهى القسوة
أصل البدلة العسكرية دي نفختك. فاكرة نفسك أعلى من الناس. الست مكانها جنب جوزها… مش تقعد تأمر في الرجالة.
في اللحظة دي، جوزي كريم صحى على صوتنا.
خرج من الأوضة، بص على الماكينة، وبص

على شعري اللي مالي السرير، وقال بمنتهى اللامبالاة
يمكن أمي بالغت شوية… بس خلاص يعني.
بصيتله مصدومة.
ده كل اللي عندك؟
هز كتفه وقال
إنتِ اتغيرتي من ساعة ما بقيتي بتترقي. طول الوقت شغل، واجتماعات، ومهمات… والبيت بقى آخر اهتماماتك.
قلتله بهدوء
البيت ده كله أنا اللي بصرف عليه بقالي أربع سنين.
كان عارف.
أنا اللي بدفع القسط، والكهربا، والمية، والغاز، والأكل، وعلاج أمه، وحتى قسط عربيته.
وهو؟
شغال كام يوم في الشهر، ومع ذلك بيتصرف كأنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.
سألته
يعني شايف إني أستاهل اللي حصل؟
قال بكل برود
الشعر هيطلع تاني… لكن الجوازة مش هتكمل لو المرة بطلت تسمع كلام جوزها.
في اللحظة دي…
كل حاجة جوايا سكتت.
عرفت إن الجوازة دي انتهت.
حماتي ابتسمت، وكانت فاكرة إنها كسبت.
وقالت بثقة
بكرة هتقدمي استقالتك… وشغلك خلص.
ما رديتش.
دخلت الحمام.
بصيت لنفسي في المراية.
نص شعري متشوه…
والنص التاني لسه طويل.
وقفت كام ثانية…
وبعدين شغلت الماكينة.
وحلقت الباقي كله بإيدي.
هي كانت فاكرة إنها هتذلني…
لكن أنا أخدت منها آخر حاجة كانت بتحاول تفرضها عليا… حقي في الاختيار.
لما خرجت براسي محلوقة بالكامل…
كريم اتصدم.
قال
إنتِ بتعملي إيه؟
ابتسمت بهدوء وقلت
معاك حق… من بكرة هركز على العيلة وبس.
وش حماتي نور من الفرحة.
وقالت
أهو كده… أخيرًا عقلتي.
ولا واحد فيهم فهم قصدي.
بعد ما ناموا…
قعدت لوحدي على سفرة المطبخ، وفتحت اللاب توب.
في أقل من ساعة…
لغيت كل الكروت البنكية الإضافية اللي كانوا بيستخدموها.
شلت أسماءهم من كل حساباتي.
حولت فلوسي لحسابات محدش يقدر يقربلها.
وقفت كل الخصومات اللي كانت بتنزل تلقائي.
وكلمت المحامي بتاعي، وبلغته إن إجراءات الطلاق هتبدأ من أول الصبح.
كل خطوة كانت قانونية.
كل ورقة موثقة.
وكل قرار… مفيهوش رجعة.
قبل الفجر، طلعت بدلتي العسكرية الرسمية.
علقتها بعناية…
وثبت عليها شارة رتبة العقيد.
كريم وحماتي كانوا فاكرين إني هروح أقدم استقالتي.
لكن الحقيقة…
إني كنت رايحة أستلم قيادة منصبي الجديد.
ولما يصحوا الصبح…
ويلقوا الكروت كلها اترفضت…
والحسابات اتقفلت…
والفواتير مبقتش مدفوعة…
هيعرفوا إنهم لعبوا مع الشخص الغلط.
كانوا فاكرين إنهم هيكسروا واحدة…
لكنهم نسوا إنهم بيتعاملوا مع ست اتدربت طول عمرها على مواجهة الأزمات، وتأمين حقوقها، واستعادة السيطرة مهما كان الثمن.
وفجأة…
الموبايل رن.
رسالة جديدة من المحامي.
فتحتها…
وقريت أول سطر.
وفي اللحظة دي…
اكتشفت إن كريم وحماتي كانوا مخبيين عني سر أخطر بكتير من حكاية شعري… سر ممكن يقلب حياتهم كلها رأسًا على عقب.
فتحت الرسالة وأنا متوقعة إنها مجرد تأكيد بموعد أول جلسة مع المحامي.
لكن أول سطر خلّى قلبي يدق بطريقة مختلفة
قبل ما نبدأ إجراءات الطلاق… لازم تعرفي إن فيه محاولة تمت من أسبوعين لنقل ملكية الفيلا باسم جوزك، باستخدام توكيل مزور.
فضلت باصة للموبايل ثواني.
أنا… عمري ما عملت توكيل.
اتصلت بالمحامي فورًا.
قال بصوت جاد كنت مستني أتأكد قبل ما أقلقك. موظف الشهر العقاري شك في التوقيع، ولما راجعني اكتشف إن البطاقة اللي اتقدمت كانت نسخة مزورة.
سألته مين اللي قدم الورق؟
رد اللي ظهر في الكاميرات… كريم.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن اللي حصل في شعري ماكانش إلا بداية.
كانوا عايزين يكسروني… وبعدها يسرقوا كل اللي تعبت فيه طول عمري.
الساعة كانت سبعة الصبح.
أنا خرجت ببدلتي العسكرية.
دخلت مقر القيادة لأول مرة بصفتي العقيد المسؤول.
كل الضباط وقفوا يؤدوا التحية.
في اللحظة دي افتكرت كلام حماتي مكان الست المطبخ.
ابتسمت.
واضح إن الدنيا كان عندها رد أقوى من أي كلام.
في نفس الوقت…
كريم صحي متأخر.
راح يحاول يدفع فاتورة البنزين.
الكارت اترفض.
جرب التاني.
اتررفض.
جرب الثالث.
مرفوض.
اتصل بيا.
ما رديتش.
بعت رسالة
إيه اللي عملتيه؟
ولا كلمة.
بعد نص ساعة حماتي صرخت من أوضة العلاج.
الصيدلية رفضت تصرف الدوا بالدين لأول مرة.
لأن الحساب اللي كنت بسيبه عندهم اتقفل.
بدأوا يحسوا لأول مرة يعني إيه يعتمدوا على نفسهم.
بالليل…
رجعت البيت ومعايا المحضر الرسمي.
دخلت بهدوء.
حماتي أول ما شافتني قالت وهي بتزعق رجعتي بدري؟ استقلتي؟
حطيت ظرف كبير على الترابيزة.
قلت لا… استلمت منصبي الجديد.
فتح كريم الظرف.
وشه اصفر.
أول ورقة…
دعوى طلاق.
تاني ورقة…
إنذار بعدم التعرض ليا.
تالت ورقة…
بلاغ رسمي بمحاولة الاستيلاء على ممتلكاتي بتوكيل مزور.
وقع الظرف من إيده.
قال وهو بيتلعثم إنتِ… إنتِ فاهمة غلط.
طلعت من شنطتي فلاشة صغيرة.
قلت قبل ما تقول ولا كلمة… شغل دي.
وصلها بالتلفزيون.
ظهر تسجيل من كاميرا باب الفيلا.
كريم خارج الساعة عشرة الصبح.
بعدها بساعتين…
داخل مع شخص غريب شايل ملفات.
بعدها بيوم…
الكاميرا صورت حماته وهي بتفتش في مكتبي، وتقلب كل الأدراج.
سنية اتوترت.
وقالت دي خصوصية.
ابتسمت لأول مرة.
لا… دي أدلة.
الموضوع مكانش خلص.
بعد يومين…
المباحث استدعت كريم.
وهناك حصلت المفاجأة.
الشخص اللي ساعده في التزوير اعترف بكل حاجة.
وقال إن كريم وعده بنسبة من الفيلا بعد نقلها باسمه.
لكن المفاجأة الأكبر…
إن الفلوس اللي كان مستنيها…
كانت عشان يسدد
لمحة نيوز

ديون قمار ضخمة مخبيها من سنين.
أنا كنت بدفع القروض…
وهو كان بيقترض من ورايا تاني.
حماتي لما عرفت الحقيقة…
انهارت.
مش لأنها اكتشفت إن ابنها مجرم…
لكن لأنها اكتشفت إنه خد منها هي كمان دهبها من شهور وباعه عشان يسدد ديونه.
قعدت تعيط وهي بتقول ضحك عليا…
بصيتلها بهدوء.
وقلت زي ما ضحكتوا عليا.
عدت أسابيع.
الطلاق تم.
قضية التزوير اتحولت للمحكمة.
وأي محاولة منهم يقربوا مني بقت مخالفة لأمر قضائي.
قصيت آخر خيط كان بيربطني بالماضي.
بعد ست شهور…
كنت واقفة في احتفال عسكري جديد.
المرة دي…
كانوا بيكرموني على قيادة عملية كبيرة نجحت بدون أي خسائر.
وأثناء الحفل…
لمحت وش مألوف بعيد.
كريم.
كان واقف وسط الناس.
هدومه بسيطة.
وشكله مرهق جدًا.
لما عيني جت في عينه…
قرب بخطوات بطيئة.
وقال ممكن تسامحيني؟
بصيتله ثواني.
وقلت أنا سامحت… عشان أرتاح.
سكت.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
افتكر إنه خد فرصة.
لكن كملت كلامي
بس المسامحة عمرها ما كانت معناها الرجوع.
وسبتُه واقف مكانه.
وأنا راكبة عربيتي…
رن تليفوني.
كان المحامي.
قال عندي خبر أخير.
سألته خير؟
قال المحكمة حكمت النهارده ببطلان كل أوراق التوكيل، وإدانة كل المشاركين في التزوير… لكن أثناء التحقيق ظهر اسم جديد محدش كان متوقعه.
قلت باستغراب مين؟
رد بهدوء
الشخص اللي خطط لكل حاجة من البداية… مش كريم.
بل أخوه الأكبر… اللي كان عايش برة مصر من عشر سنين، وكان بيراقب ثروتك من أول يوم، ومستني اللحظة اللي يوقعكم فيها كلّكم.
سكتُّ للحظة…
وبصيت للطريق قدامي.
عرفت إن المعركة اللي انتهت…
كانت مجرد الفصل الأول.
أما اللي جاي…
فهيكون أخطر بكتير.
وقفت لحظة بعد مكالمة المحامي.
أخو كريم؟
أنا أصلًا عمري ما شوفته.
كان مسافر من قبل ما أتجوز، وكل اللي أعرفه عنه إنه رجل أعمال ناجح، وبيزور مصر كل كام سنة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
المحامي قالي
اسمه ظهر في تحويلات مالية ورسائل واتساب بينه وبين كريم. هو اللي كان بيقنعه ينقل كل أملاكك باسمه، وبعدها يبيعها ويسافروا برة.
بعد يومين، النيابة استدعت الأخ الأكبر.
دخل بثقة وهو فاكر إنه هيطلع منها بسهولة.
لكن المحقق حط قدامه تسجيل صوتي.
كان صوته واضح وهو بيقول
اصبر عليها لحد ما تنقل الأملاك… ولو رفضت، كسّر نفسيتها. أي حاجة تخليها تنهار وتسيب كل حاجة.
لأول مرة… لون وشه اتغير.
وبعد ساعات من التحقيق، اعترف كريم بكل حاجة.
اعترف إن قصة حلاقة شعري ما كانتش مجرد انتقام.
كانت خطة.
كانوا فاكرين إنهم لو كسروني نفسيًا بعد الترقية، هسيب شغلي، وأدخل في اكتئاب، وساعتها يقدروا يضغطوا عليّ عشان أمضي على أوراق من غير ما أراجعها.
لكن اللي حصل كان العكس.
كل خطوة أخدوها ضدي… كانت الدليل اللي أنقذني.
بعد شهور قليلة، صدر الحكم.
إدانة الأخ الأكبر بتهمة الاشتراك في التزوير والتحريض.
وإدانة كريم في قضية التزوير واستعمال محررات مزورة.
أما حماتي…
المحكمة أثبتت إنها اشتركت في إتلاف ممتلكاتي والاعتداء عليّ أثناء نومي.
كل واحد فيهم اتحاسب على اللي عمله.
بعد انتهاء القضايا، رجعت لأول مرة للبيت القديم.
مش علشان أعيش فيه…
لكن علشان آخد آخر حاجة تخصني.
دخلت أوضة النوم.
كانت المراية لسه مكانها.
وقفت قدامها.
افتكرت اليوم اللي شوفت فيه شعري مرمي على السرير.
ابتسمت.
لأن الست اللي كانت واقفة قدام المراية النهارده… ما بقيتش نفس الست.
أنا خرجت من البيت ده من غير خوف.
ومن غير ندم.
ومن غير ما أخسر كرامتي.
قبل ما أمشي، خبطت واحدة على الباب.
كانت بنت صغيرة من الجيران.
قالت وهي مبتسمة
يا طنط… هو صحيح إنتِ عقيد؟
ضحكت وقلت
أيوه.
قالت بحماس
أنا كمان لما أكبر هبقى ضابطة زيك… علشان محدش يقدر يظلمني.
الكلمة دي كانت أغلى من أي وسام أخدته في حياتي.
ربتّ على رأسها وقلت
خليكي قوية… بس افتكري إن القوة الحقيقية مش في الرتبة، القوة إنك تعرفي تحمي نفسك من غير ما تظلمي حد.
بعد سنة كاملة…
كنت واقفة في احتفال جديد.
لكن المرة دي، التكريم ماكانش بسبب مهمة عسكرية.
كان بسبب مبادرة أطلقتها داخل المؤسسة لدعم السيدات اللاتي يتعرضن للعنف الأسري، وتقديم الدعم القانوني والنفسي لهن.
وأثناء الحفل، سألني أحد الصحفيين
بعد كل اللي مريتي بيه… لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتغيري حاجة؟
ابتسمت بثقة، وقلت
أيوه… كنت هرحل من أول مرة شفت فيها قلة الاحترام. لأن اللي بيكسر حدودك مرة… هيحاول يكسر حياتك كلها لو سمحتله.
ساد الصمت للحظات…
ثم دوّى التصفيق في القاعة.
رفعت رأسي، ونظرت إلى شارة العقيد على كتفي.
تذكرت خصلة شعري التي سقطت على الوسادة في تلك الليلة.
كانت بداية ظنّوها نهايتي…
لكنها كانت، في الحقيقة، أول خطوة نحو أفضل حياة عشتها.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *