زعيم المافيا الملياردير
زعيم المافيا الملياردير كان فاكر إن الجرسونة الغلبانة مستحيل تفهم عربي… ففضل يهينها قدام رجالته. لكن أول ما بصتله في عينه وقالتله: “إنت جبان.” بالعربي، وبعدها ترجمت همسة كانت كفيلة تولع إمبراطوريته كلها… المطعم كله اتجمد من الصدمة.
قالتها بهدوء.
قالتها وهي لابسة مريلة سودا عليها بقع قديمة، وفي شنطتها إنذار متأخر بدفع إيجار الشقة، وركبتها المصابة بتوجعها مع كل خطوة.
والأخطر من كل ده…
إنها ما كانتش خايفة.
مطعم “الثور المذهب” كان من أفخم مطاعم شيكاغو. ريحة اللحمة المشوية وإكليل الجبل والجلد الفاخر مالية المكان، والناس اللي بتدخله كانوا بيدفعوا 400 دولار في طبق ستيك… مش عشان طعمه، لكن عشان سعره.
فريا سوليفان كانت واقفة عند محطة التقديم، بتلمع كوباية نبيذ تحت نور أصفر هادي، وبتحاول تتجاهل الوجع اللي طالع من ركبتها الشمال لحد مفصل الحوض.
بقالها سبع ساعات شغالة من غير راحة.
كل خطوة كانت بتحسها كأن مسمار بيتدق في ركبتها.
وفجأة…
زميلها توبي قرب منها، ووشه أصفر من الخوف.
قال:
“فريا… أنا مقدرش.”
رفعت عينها وقالت:
“ماتقدرش تعمل إيه؟”
أشار ناحية ترابيزة في آخر المطعم.
“ترابيزة رقم أربعة.”
بصت هناك.
أربع رجالة قاعدين.
تلاتة منهم ضخام جدًا، شكلهم يكفي يخلي أي حد يغير طريقه.
أما الرابع…
فكان قاعد بهدوء، حاطط إيده جنب موبايله.
قال توبي بصوت واطي:
“ده جابرييل ميرسر.”
الاسم لوحده خلاه يهمس.
فريا فضلت تبص عليه.
جابرييل ماكانش شبه زعماء العصابات اللي في الأفلام.
لا سلاسل دهب.
ولا خواتم مبالغ فيها.
ولا ابتسامة مزيفة.
كان شكله رجل أعمال ملياردير، يشتري الشركات الخسرانة، يطرد نص الموظفين، ويسمي اللي عمله “إعادة هيكلة”.
بدلته متفصلة بإتقان.
شعره متظبط.
ملامحه جامدة.
وهو الوحيد في المطعم اللي كان هادي بشكل مرعب… كأن دوشة المكان كلها واقفة بعيد عنه.
توبي بلع ريقه وقال:
“أخويا شغال جنب الميناء… بيقول إن الراجل ده مسيطر على نص المواني، والنص التاني بيخاف منه.”
وسكت لحظة.
“أنا هوقع حاجة عليهم… أنا عارف نفسي.”
ابتسمت فريا وقالت:
“دول بني آدمين جايين ياكلوا ويشربوا.”
قال بسرعة:
“واحد من رجالتهم رمى واحد من إزاز عربية الشهر اللي فات.”
ردت من غير ما يتهز فيها شعرة:
“يبقى ماتقعدهمش جنب الشباك.”
توبي بص لها مذهول.
تنهدت، وخدت نوتة الطلبات.
وقالت:
“أنا هروح.”
رد بسرعة:
“هغسل المطعم كله مكانك.”
ابتسمت.
“لأ… هتنضف الركن بتاعي بس.”
“اتفقنا.”
عدلت المريلة…
ومشت ناحية الترابيزة.
من أربع سنين…
كانت قاعدة في عربيات اتصالات عسكرية، لابسة سماعات، وبتسمع مكالمات بين مسلحين بيتكلموا عن أسلحة، وطرق، ومستشفيات، وموت.
فقالت لنفسها…
أكيد خدمة أربع رجالة في مطعم أسهل.
أول ما قربت…
الحراس الثلاثة سكتوا.
أما جابرييل…
فما رفعش عينه حتى من على الموبايل.
قالت بابتسامة مهنية:
“مساء الخير يا فندم… تحبوا تبدأوا بإيه؟”
الراجل الكبير اللي قاعد على يمينه، واللي مناخيره مكسورة وفي جنب راسه ندبة طويلة، بص لها باحتقار.
وقال:
“إحنا ماطلبناش جرسونة.”
ردت بهدوء:
“بس أنا جيت أهو… عندنا بوربون مميز النهارده، أو أسيبكم دقيقة كمان.”
الراجل حرك إيده ناحية الجاكيت…
لكن جابرييل رفع صباع واحد بس.
إشارة صغيرة…
لكنها كانت كفاية تخليه يقف مكانه.
فضل جابرييل باصص في الموبايل.
وسابها واقفة حوالي عشرين ثانية…
متعمد يحسسها إنها ولا حاجة.
لكن هي ما اتحركتش.
استنت.
وبعدين…
تنهد بضيق، ولف ناحية الراجل اللي جنبه، وقال بالعربي الشامي:
“دي أمريكانية غبية ومزعجة… قولها تجيب قايمة النبيذ وتختفي قبل ما تفسد شهيتي.”
الكلام نزل على فريا كأنه صفعة.
في ثانية…
المطعم اختفى من قدامها.
افتكرت نفسها في الصحراء.
لابسة السماعات.
بتسمع نفس اللهجة في أجهزة اللاسلكي.
افتكرت الحر.
والتراب.
وريحة السلوك المحروق والدم.
جابرييل كان فاكر إن العربي بيحميه.
وفاكر إن جرسونة غلبانة مستحيل تفهمه.
الراجل اللي جنبه ابتسم…
واستعد يترجم.
لكن فريا سبقته.
وقالت بالعربي بطلاقة:
“الجرسونة الغبية فهمتك كويس جدًا.”
في اللحظة دي…
التلاتة الحراس اتجمدوا.
أما جابرييل…
فرفع راسه لأول مرة.
كانت عيونه رمادي فاتح…
باردة بشكل يخوف.
بصتله من غير ما ترمش.
وقالت بنفس اللهجة:
“لو عندك ذرة شجاعة… اشتمني باللغة اللي إحنا الاتنين بنفهمها.”
وقربت سنة صغيرة.
وقالت الكلمة الأخيرة بصوت واطي…
لكن كل الرجالة على الترابيزة سمعوها.
“جبان.”
الراجل الكبير قام من مكانه وهو بيزعق:
“إنتِ يا…”
لكن جابرييل رفع كفه.
فسكت.
ورجع قعد.
الغضب مولع في وشه.
أما جابرييل…
ففضل يبصلها.
بص للمريلة القديمة.
وللتعب اللي في عينيها.
ولطريقة وقفتها.
ولاحظ إنها بتحمل وزن جسمها كله على رجل واحدة…
كأن التانية مصابة.
عشر ثواني كاملة…
ولا كلمة اتقالت.
نبض قلب فريا كان بيدق بعنف.
لكنها ما بعدتش عينها عنه.
أخيرًا…
حط موبايله على الترابيزة.
وقال بالإنجليزي:
“هاتيلنا أربع كوبايات من البوربون المميز.”
ردت بهدوء:
“حاضر.”
لفت ومشيت.
من غير ما تجري.
ومن غير حتى ما تبص وراها.
لكن أول ما دخلت المطبخ…
صوابعها بدأت تترعش.
رجعت بالمشروبات.
وجابرييل كان بيتابع كل حركة بتعملها.
إزاي بتمسك الكوبايات.
وإزاي وقفت في مكان يخليها شايفة الأربع رجالة مرة واحدة.
طلبوا الأكل.
قدمتلهم الستيك.
ولا حد فتح موضوع الإهانة.
بعد ما خلصوا…
جابرييل حط كام ورقة مية دولار جوه فاتورة الجلد.
وقال:
“الباقي ليكي.”
ماكانتش مجاملة.
كانت طريقة يقولها:
“إنتِ خلصتي.”
قفلت الفاتورة…
ومشيت.
بعد عشر دقايق…
كانت بتنضف الترابيزة بعد ما مشيوا.
وفجأة…
مدير المطعم جري عليها، ووشه كله خوف.
وقال بصوت حاد:
“على المكتب… حالًا.”
دخلت وراه.
أول ما قفل الباب…
انفجر فيها:
“إنتِ اتجننتي؟!”
وسكت لحظة، وبعدين قال وهو مرعوب:
“إنتِ أصلًا عارفة الراجل اللي كلمتيه بالطريقة دي ده مين؟!”
كان مدير المطعم، “مارك”، بيلف حولين المكتب كأنه فار محبوس في مصيدة، عرق الخوف جاري على وشه، وصوته بيترعش وهو بيزعق:
— “فريا”! الراجل ده “جابرييل ميرسر”! إنتِ مش بس شتمتيه… ده أبسط كلمة عنده بتطير فيها أرواح! ده إمبراطور المواني وتهريب أسلحة السوق السوداء في الولايات المتحدة كبار المافيا بيوطوا راسهم قدامه! إنتِ مرفودة! اترمي بره المطعم حالاً وقبل ما يبعت ناسه يخلصوا عليكي وعلينا هنا!
فريا بصتله بثبات عسكري عجيب، ملامحها متهزتش. قلعت المريلة السودا بهدوء، وحطتها على مكتبه:
— أنا مش خايفة يا مارك… اللي عاش وسط نيران المدافع وصوت الرصاص، مش هيخاف من واحد لابس بدلة بـ 10 آلاف دولار وشايل موبايل.
سابت المكتب وخرجت للممر الخلفي للمطعم. المطر كان بينزل على شيكاغو بغزارة، والبرود في الهواء يقطع العظام. ركبتها كانت بتوجعها جداً، بس صدمة الأحداث كانت أشد.
وفجأة…
نور إضاءة ليد أبيض قوي انضرب في وشها من عربية كاديلاك سوداء مصفحة واقفة في الظلمة.
الباب الخلفي للعربية اتفتح ببطء…
وجاء صوت جابرييل ميرسر وهو قاعد جوه، ماسك كاس كريستال وبينور السيجار بتاعه، ونفس الصوت البارد قال بالعربي الشامي:
— “فريا سوليفان”… 36 سنة، ضابطة اتصالات وتجسس عسكرية سابقة في القوات الخاصة. أخدت تقاعد طبي بعد إصابة بشظية في مفصل الحوض أثناء مهمة في الشرق الأوسط… وبعدها اختفيتِ في زحمة شيكاغو بتشتغلي جرسونة عشان تدفعي إيجار شقة مكركبة.
فريا وقفت مكانها، ما رجعتش خطوة ورا. حطت إيدها جوه جاكيتها القديم، وقالت بثبات بنفس اللهجة:
— وعرفت كل ده في الخمس دقائق اللي فاتت يا جابرييل؟ طبعاً… رجالكت شاطرين في التفتيش، بس ناقصهم الذكاء.
جابرييل نزل من العربية ومشي تحت المطر لحد ما وقف قدامها. الحراس التلاتة كانوا محاوطين المنطقة، والأجواء كانت مرعبة.
بص في عينيها وقال بصوت واطي ومُركّز:
— أنا ما نزلتش عشان أقتلك يا فريا… أنا نزلت عشان نسيت أرد على الجملة اللي همستيها تحت نَفَسِك وإنتِ بتشيلي الأكل… الجملة اللي الترجمة بتاعتها تعني إنك عارفة الشفرة الخاصة بـ “عملية الميناء رقم 9”.
فريا ابتسمت ابتسامة هادية لكنها مرعبة:
— أنا مكنتش بس بصنّت على مكالمات المسلحين في الصحراء يا جابرييل… أنا كنت الضابط المسؤول عن تتبع التمويل الأجنبي لصالح المافيا الدولية. والرمز اللي أنت استخدمته في المكالمة الشفرية على الموبايل وإنت قاعد في المطعم “نخيل شاطئية”، هو نفس الرمز اللي شفت بسببه زمايلي بيموتوا قدام عيني من أسلحة مهربة عن طريق المواني بتاعتك.
جابرييل اتجمد. عينيه الرمادية لأول مرة تظهر فيها علامات الفزع الصريح.
كملت فريا وهي بتقرب منه خطوة:
— أنت فاكر إنك مسيطر على المواني… بس مش عارف إن التسجيل الصوتي اللي سجلتهولك بسماعة أذني الصغيرة الموصولة بهاتفي وأنت قاعد تاكل الستيك، جاري تحليله فوراً وإرساله للـ FBI ووكالة الاستخبارات العسكرية! إمبراطوريتك المليارديرة… تولع في خلال ساعتين من دلوقتي.
جابرييل بسرعة مد إيده عشان يمسكها، لكن الحارس الكبير اللي جنبه صرخ وفجأة…
أنوار أجهزة الليزر الحمراء غطت جسم جابرييل ورجالته بالكامل من أسطح العمارات المحيطة!
صوت مكبرات الصوت الخاصة بالقوات الفيدرالية انطلق في الشارع:
“جابرييل ميرسر! أنت محاصر! حط إيدك على راسك وانزل على ركبتك فوراً!”
جابرييل بص حوليه بذهول وصدمة مش مصدقها. إمبراطوريته اللي بناها في 20 سنة بالدم والفلوس والنفوذ… انهارت بساعات قليلة، بسبب جرسونة بـ “مريلة سودا” فاكرها مستحيل تفهم لغته أو تبص في عينيه.
فريا بصتله للمرة الأخيرة وقالت بهدوء:
— الشجاعة مش إنك تهدد الضعفاء يا جابرييل… الشجاعة إنك تخوض حرب، وأنت عارف إن الحق هيغلبك في الآخر.
النهاية:
تم القبض على جابرييل ميرسر وشبكته الدولية في أكبر عملية مداهمة شهدتها مواني شيكاغو، وتم التحفظ على مليار و200 مليون دولار من أمواله وممتلكاته المصادرة.
أما فريا سوليفان… فقد كافأتها السلطات الفيدرالية وصرف لها معاش عسكري استثنائي ومكافأة كشف الشبكات الإجرامية. سابت شغالة التمريض والجرسونة، وافتتحت مركزها الخاص لدعم وتأهيل المصابين من قدامى المحاربين.
ورجعت ركبتها تتعالج، وعاشت في هدوء وهي مرفوعة الرأس… لأن القوة الحقيقية عمرها ما كانت بالفلوس أو النفوذ، القوة في الشرف والأمانة.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والظلم مهما اتغلف بالمال والنفوذ… الحق كفيل يهد إمبراطوريته في لحظة واحدة 🦋🦋🦋