امى حكايات منال عباس الاول
امى حكايات منال عباس
الاول
أنا عمري ما كنت أتخيل إن اليوم اللي هقعد فيه أنا وأخواتي حوالين أمي يبقى بداية النهاية لكل حاجة في حياتي
أمي كانت زمان ست البيت اللي الكل يخاف منها ويحترمها كانت هي اللي بتصحينا الصبح وتحضر الفطار وتستنانا نرجع من مدارسنا وتفضل واقفة على رجلها طول اليوم من غير ما تشتكي لكن السنين ليها كلمة والمرض كان أقوى منها سنة ورا سنة لحد ما بقت ما تعرفش تقوم من مكانها من غير حد يسندها
كانت بتبصلي بعينيها وتسألني بصوت ضعيف هو أنا بقيت تقيلة عليكم يا بنتي
كنت أجري أبوس إيديها وأقولها إيه الكلام ده يا أمي ده انتي بركة البيت
تبتسم وهي بتحاول تخبي دموعها وتقول ربنا ما يحرمنيش منك
كل يوم كانت حالتها بتسوء أكتر وكل يوم احتياجها لحد جنبها كان بيزيد كانت محتاجة حد يطعمها ويشربها ويقعد معاها بالساعات ويصحي لها بالليل أول ما تخاف أو تتوجع
الدكتور قال لنا بصراحة حالتها محتاجة رعاية كاملة ومينفعش تفضل لوحدها لحظة
خرجنا من عند الدكتور وكل واحد فينا ساكت كأن الكلام تقيل على لسانه
دخلنا بيت أمي وقعدنا في الصالة والهدوء كان مالي المكان
أخويا الكبير كسر السكوت وقال بصراحة أنا شغلي ما يسمحليش
أخويا التاني قال وأنا عندي عيال ومسؤوليات
بصيت لهم وأنا مستنية حد يقول أنا هشيلها
لكن محدش اتكلم
بعدها مرات أخويا الكبير خرجت من المطبخ وقالت بصوت عالي أنا بقولها من دلوقتي أنا مش هقدر أخدم حد مريض
مرات أخويا التاني قالت وأنا كمان عندي بيتي وعيالي ومش ناقصة مسؤولية زيادة
الكلام كان بيتقال قدام أمي وهي ساكتة
كنت شايفة دموعها بتنزل في صمت وهي عاملة نفسها مش سامعة
قلبي كان بيتقطع
قمت من مكاني ودخلت أوضتها
لقيتها باصة للسقف
أول ما شافتني حاولت تبتسم وقالت متزعليش منهم يا بنتي كل واحد وله ظروفه
حضنتها وأنا ببكي
قلت لها انتي عمرك شيلتينا كلنا ومقولتيش عندي ظروف
مسحت على شعري وقالت ربنا يهديهم
خرجت وأنا حاسة إن نار جوايا
أخويا الكبير قال خلاص بقى لازم نلاقي حل
قلت له إيه الحل
قال ممكن دار مسنين تكون أحسن
الكلمة نزلت على ودني زي السكينة
بصيت له وأنا مش مصدقة
قلت له دار مسنين لأمي
قال وهو بيهرب بعينه من عيني أهو هناك هيلاقوا ناس متخصصين يهتموا بيها
قلت له ولا حد في الدنيا هيهتم بيها زي ولادها
مرات أخويا قالت بعصبية وإحنا ذنبنا إيه نضيع عمرنا
رديت عليها عمر مين اللي هيضيع دي أمنا
قالت أمكم انتوا مش أمي
ساعتها حسيت إن المكان كله بيخنقني
خرجت من البيت وأنا بمشي في الشارع من غير هدف
الليل نزل وأنا لسه ماشية
كل شوية أفتكر أمي وهي لوحدها في الأوضة
كل شوية أسمع صوتها وهي بتناديني
رجعت البيت متأخر
دخلت أوضتها لقيتها نايمة
قعدت جنبها أبص لوشها
كانت ملامحها مرهقة لكن أول ما حست بإيدي فتحت عينيها وقالت جيتي يا بنتي
ابتسمت بالعافية وقلت لها أيوه يا أمي
قالتلي متتعبيش نفسك عشاني
قلت لها وأنا بمسك إيديها أنا لو فضلت أخدمك العمر كله مش هوفيكي حق يوم واحد
ابتسمت ونامت تاني
أما أنا ففضلت صاحية طول الليل
كل دقيقة أفكر
لو أخدتها عندي هيوافق جوزي ولا هيعمل مشكلة
ولو رفض أعمل إيه
ولو وافق هيستحمل قد إيه
أسئلة كتير كانت بتلف في دماغي ومفيش ولا إجابة
وقبل الفجر بلحظات وأنا قاعدة جنب سرير أمي أخدت قراري
قررت إن مهما كانت النتيجة ومهما كان الثمن أنا مش هسيبها لوحدها أبداً حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي بقلم منال عباس
رجعت بيتي وأنا طول الطريق بحاول أقنع نفسي إن جوزي أكيد هيقدر موقفي وإنه مستحيل يطلب مني أسيب أمي وهي بالحالة دي كنت بقول لنفسي ده الراجل اللي عشت معاه سنين وأبو ولادي أكيد هيحط نفسه مكاني ولو مرة واحدة
فتحت باب الشقة لقيته قاعد قدام التلفزيون بيقلب في القنوات من غير ما يبصلي
حطيت الشنطة على الكنبة وقعدت قدامه
قلت له بهدوء عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم
قال من غير ما يرفع عينه اتكلمي
خدت نفس طويل وقلت أمي حالتها بقت صعبة قوي والدكتور أكد إنها محتاجة حد معاها طول الوقت
هز راسه وقال وبعدين
قلت أنا قررت أجيبها تعيش معانا
رفع عينه مرة واحدة وبصلي كأنه سمع حاجة مستحيلة
قال تعيش معانا إزاي
قلت هتكون في أوضة الولاد وأنا هخدمها بنفسي ومش هحملك أي حاجة
ضحك ضحكة باردة وقال وانتي فاكرة إن الموضوع بالبساطة دي
قلت دي أمي يا محمود
قال وأنا مالي
الكلمة خبطتني في قلبي
قلت يعني إيه مالك دي ست كبيرة ومحتاجة بنتها
قال وأنا بيتي مش مستشفى
حاولت أتماسك وقلت مش هتضايق حد والله أنا اللي هشيل كل حاجة
قال وانتي أصلا مقصرة معايا ومع الولاد من دلوقتي بسبب جريك عليها كل يوم
قلت لأنها تعبانة
قال وأنا مش مستعد أعيش بقيت عمري مع واحدة مريضة في بيتي
قلت يعني أعمل إيه أسيبها لوحدها
قال دي مش مشكلتي
حسيت إن دموعي خلاص هتنزل
قلت دي أمك لو مكانها كنت هتعمل إيه
زعق وقال متقارنيش
سكت شوية وبعدها قام وقف قدامي وقال بصراحة ومن غير لف ودوران
يا أنا يا أمك
الجملة دي وقفت الزمن
فضلت أبصله وأنا مش مستوعبة
قلت إيه
كررها بنفس البرود
اختاري يا جوزك وبيتك وولادك يا أمك
كنت مستنية يضحك ويقول بهزر
لكنه كان بيتكلم بكل جدية
قلت يعني عايزني أسيب أمي وهي بتموت
قال أيوه كل واحد مسؤول عن نفسه وإخواتك موجودين
ضحكت بمرارة
قلت إخواتي اللي رموها
قال دي مشكلتهم
قلت وهي تبقى مشكلتي أنا
قال يبقى تتحملي النتيجة
دخلت أوضة النوم وأنا رجلي مش شيلاني
قفلت الباب وانهرت في العياط
بصيت لصورتي معاه يوم الفرح
افتكرت كلامه يومها وهو بيقولي أوعدك عمري ما هخلي دموعك تنزل
ابتسمت بسخرية
كان أول واحد خلاني أبكي بالشكل ده
صحيت الصبح بدري حضرت الفطار للولاد وكأني روبوت بيعمل اللي عليه
كان بيبصلي كل شوية مستني يسمع مني إني غيرت رأيي
لكن القرار كان جوايا اتاخد
بعد ما الولاد نزلوا المدرسة لبست هدومي وخرجت
رحت لأمي
أول ما دخلت لقيتها قاعدة على السرير وسرحانة
ابتسمت لما شافتني وقالت كنت مستنياكي
حضنتها جامد
قالت مالك يا بنتي شكلك معيط
قلت مفيش يا أمي
مسكت وشي بإيديها المرتعشة وقالت متكدبيش عليا أنا عرفاكي
ما قدرتش أتكلم
هي اللي قالت بهدوء
جوزك رفض أجي أعيش عندكم صح
بصيت لها بدهشة
قلت عرفتي منين
ابتسمت وقالت الأم بتحس
نزلت على ركبتي قدامها وبكيت زي الأطفال
قلت سامحيني يا أمي
قالت على إيه
قلت لأني مش عارفة أعمل إيه
حطت إيديها على راسي وقالت لو وجودي هيخرب بيتك سيبيني هنا
رفعت راسي بسرعة وقلت مستحيل
قالت بيتك أهم
قلت لا يا أمي انتي أهم
فضلت تبصلي شوية وهي ساكتة
بعدها قالت كلمة غيرت كل حاجة
قالت أنا ربيتكم عمري كله ومستعدة أموت لوحدي بس مش مستعدة أشوف بنتي تخسر جوزها بسببي
مسكت إيديها وبصيت في عينيها وقلت بكل قوة
أنا خلاص خدت قراري ومهما حصل مش هسيبك أبدا..بقلم منال عباس
رجعت مع أمي البيت وأنا حاسمة أمري خلاص
دخلت الشقة وأنا ماسكة إيديها وبحاول أهون عليها وهي مكسوفة كأنها ضيفة مش صاحبة حق
أول ما جوزي شافنا وقف من مكانه وبصلي ببرود
قال يعني نفذتي اللي في دماغك
قلت أيوه
قال وأنا كلامي مالوش قيمة
قلت أمي مش هتبات لوحدها تاني
بص لأمي وقال من غير سلام ولا حتى كلمة طيبة البيت ده مش هيستحمل
أمي حاولت تقوم وقالت خلاص يا ابني أنا هرجع بيتي
جريت عليها وقلت محدش هيمشي من هنا
جوزي زعق وقال يبقى أنا اللي همشي
قلت براحتك
كانت أول مرة أقوله الكلمة دي من غير خوف
قرب مني وقال انتي شكلك فاكرة إني بهزر
قلت وأنا ببص في عينه أنا كمان مش بهزر
دخل أوضة النوم ورزع الباب وراه بكل قوته
أمي كانت بترتعش
حضنتها وقلت لها متخافيش
قالتلي أنا السبب
قلت لا يا أمي السبب اللي قلبه مات
بدأت أرتب لها الأوضة الصغيرة اللي جنب المطبخ
جبت سرير قديم ونضفته وغيرت الملاية وحطيت صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين على الكومود
أمي فضلت تبص للصورة وتعيط
قالت فاكرة اليوم ده
قلت طبعا ده كان يوم عيد ميلادي وانتي فضلتي ساهرة تعمليلي التورتة بإيدك
ابتسمت وقالت كنت أتمنى أفضل قوية وأخدمك لحد آخر يوم في عمري
حضنتها وأنا بعيط وقلت انتي خدمتي عمرك كله خلاص جه دوري
من اليوم ده حياتي اتقلبت
كنت بصحى قبل الفجر أصلي وبعدها أجهز الفطار لجوزي والولاد
وبعدين أجري على أوضة أمي أغير لها هدومها وأغسل وشها وأمشط شعرها وأساعدها تاخد دواها
وبعدين أصحي الولاد وألبسهم وأوديهم المدرسة
وأرجع أجري على البيت
ما كنتش بقعد دقيقة واحدة
جوزي بقى يتعمد يضايقني
يرمي هدومه في كل مكان
يسيب الأطباق متبهدلة
ولو لقى أمي نايمة يرفع صوت التلفزيون لآخر درجة
وفي مرة دخل الأوضة من غير ما يخبط
ولما لقاها نايمة قال بصوت عالي
هو أنا هفضل عايش في مستشفى العمر كله
أمي سمعت الكلمة
وشها اصفر
ولما خرج نادت عليا
دخلت لقيتها بتعيط
قالتلي خديه على قد عقله يا بنتي
قلت متفكريش في كلامه
قالت أنا تعبتكم كلكم
قلت محدش تعب غير اللي باع ضميره
في نفس الليلة وأنا بحضر العشا سمعته بيكلم أمه في التليفون
كان فاكرني نايمة
قال لها أنا سايبها يومين تلاتة يمكن تعقل
أمه قالت له ولو معقلتش
رد بمنتهى البرود
يبقى أطلقها وأخلص
الكلمة وقفتني مكاني
حسيت إن الأرض بتميد بيا
فضلت واقفة ورا الباب أسمع
أمه قالت له والولاد
قال بسهولة غريبة
الولاد هيفضلوا معايا وهي تروح تخدم أمها براحتها
حطيت إيدي على بقي وأنا بكتم شهقتي
كان بيتكلم عن ولادي كأنهم حاجة هيقسمها في المحكمة
رجعت أوضتي وأنا رجلي مش شيلاني
فضلت أبص للولاد وهما نايمين
كل واحد فيهم حضن لعبته الصغيرة وهو مطمن إن أمه وأبوه موجودين
لكن أنا كنت عارفة إن العاصفة قربت
وتاني يوم الصبح وأنا بلبس الولاد للمدرسة لقيت جوزي خارج من الأوضة لابس هدومه الرسمية وبإيده ظرف أبيض
حطه قدامي على الترابيزة وقال بمنتهى الهدوء
امضي هنا لو مش عايزة اللي جاي يكون أصعب عليكي وعلى أمك وعلى ولادك
بصيت للظرف وإيدي كلها كانت بتترعش وأنا لسه حتى مش عارفة إيه اللي مستخبي جواه….يتبع بقلم منال عباس
