الساعة 2
الساعة 2 فجرًا سقط رجل غارق في الدم أمام مطعمها لكن عندما فتحت معطفه ورأت الطفلين المربوطين على صدره اكتشفت سرًا مدفونًا منذ 24 عامً
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل، ولما رنا عبد الحميد نزلت ستارة المطعم الصغير بتاعها في شبرا، كانت المطر نازلة على القاهرة كأن حد فوق بيفضي جراكن مية على المدينة كلها.
يافطة مغلق كانت لسه بتتمايل مع الهوا لما حاجة خبطت الباب الخلفي.
ماكانش خبط عادي.
كان جسم إنسان.
رنا اتجمدت مكانها، ماسكة فوطة مبلولة بإيد، والإيد التانية على صدرها، حاسة إن قلبها هيطلع من مكانه.
وفجأة
خبطة تانية هزت الباب الحديد.
مين هناك؟
محدش رد.
بس كان فيه صوت نفس متقطع وتقيل، كأنه واحد بيزحف من آخر الدنيا.
رنا عندها 24 سنة، ساكنة في أوضة صغيرة فوق المطعم، وبقالها 3 سنين شغالة ليل ونهار بعد ما سابت كلية التمريض علشان تقعد جنب أمها المريضة.
أمها ماتت.
لكن الديون فضلت.
والمطعم اللي اسمه مطعم الحاجة ليلى كان آخر حاجة حاسة إنها لسه تربطها ببيتها.
المفروض تتصل بالنجدة.
لكن الجزء اللي جواها ولسه فاكر إنها كانت طالبة تمريض، خلاها تتحرك ناحية الباب.
مسكت سكينة كبيرة من المطبخ وفتحت الباب سنة صغيرة.
وفجأة
الراجل وقع لجوا.
كان طويل، عريض الكتفين، هدومه غالية بشكل واضح رغم إنها كلها مغموسة دم.
وفي جنبه إصابة رصاص.
وشه متخربش كأنه اترمى على الأسفلت واتسحب.
بص لها بعينين تقال وقال بصوت واطي
متتصليش بالشرطة.
رنا بلعت ريقها.
إنت مضروب بالنار.
متتصليش.
طب إسعاف؟
قفل عينه من الألم.
لا.
كانت فاكرة إنه فقد عقله.
لكن لما حاول يتحرك واتفتح الجاكيت شوية
شافت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقها.
ماكانش لابس واقي رصاص.
كان شايل طفلين صغيرين مربوطين على صدره.
ولد وبنت.
عندهم حوالي ست شهور.
متلففين في بطانية رمادي.
ساكتين بشكل يخوف.
الراجل لاحظ نظرتها.
ولأول مرة وشه القاسي اتغير.
بص للطفلين
وبعدين ليها وهمس
خبيهم أرجوكي.
في نفس اللحظة نور عربية ضرب آخر الشارع.
وصوت كاوتش وقف قدام الباب.
رنا ما فكرتش.
قوم بسرعة.
سندته من كتفه وجرجرته لحد المخزن اللي ورا المطبخ بين شكاير الرز والزيت وكراتين البضاعة.
وقع على الأرض من التعب.
قفلت الباب نص قفلة وقالت
ماتغمضش عينك.
ورجعت جري.
جابت كلور وصابون وبدأت تمسح الدم من الأرض بجنون.
لأن حياتها فجأة بقت متعلقة بكل نقطة دم تختفي.
بعد ثواني
سمعت خطوات.
رجالة.
أصواتهم قريبة.
دوروا كويس ماقدرش يبعد.
مقبض الباب اتحرك بعنف.
رنا استخبت ورا الكاونتر وحطت إيدها على بقها.
الثواني عدت كأنها ساعات.
وبعدين
الخطوات بعدت.
والعربية مشت.
ساعتها بس اكتشفت إنها كانت بترتعش.
رجعت للمخزن ومعاها شنطة الإسعافات.
لقته قاعد على الأرض.
والطفلين فوق رجليه.
حاضنهم بذراعاته رغم إنه بينزف.
الولد طلع صوت خافت.
فالراجل عدل البطانية عليه بحنان غريب.
حنان مايركبش على شكل واحد زي ده.
ركعت رنا جنبه.
وريني الإصابة.
بصلها مباشرة.
عيونه سودا ومتعبة.
وقال
الأول لازم تعرفي أنا مين.
قول بسرعة.
أخد نفس بالعافية.
وقال
اسمي أحمد الشاذلي.
رنا حست إن الأرض بتتهز تحتها.
الاسم ده ماكانش اسم شخص عادي.
كان الاسم اللي بيتقال في الأخبار كل شوية.
اسم مرتبط بصفقات مشبوهة واختفاء ناس وحكايات محدش بيجرؤ يحكيها بصوت عالي.
وفي اللحظة دي
ومع صوت موتور عربية بيقرب من جديد برا المطعم
رنا فهمت إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش.
الجزء الثاني
رنا كانت ماسكة الدركسيون بإيديها الاتنين، لكن الحقيقة إن أعصابها هي اللي كانت ماسكاها بالعافية.
العربية القديمة كانت بتجري على الطريق الزراعي وسط الضلمة، وصوت الموتور أعلى من صوت أنفاسها.
أما أحمد الشاذلي فكان قاعد جنبها، وشه أبيض زي الورق.
والطفلين، عمر وملك، بيعيطوا ورا.
العربية السودا كانت لسه وراهم.
بتقرب.
كل دقيقة أكتر.
كل ثانية أخطر.
مش هنعرف نهرب كتير بالشكل ده.
قالها أحمد وهو ضاغط على جنبه النازف.
رنا بصتله بعصبية.
طب اقترح حاجة غير الموت.
ابتسم ابتسامة متعبة.
عندك حق.
فجأة تليفونه اللي كان مقفول طول الوقت نور.
رسالة واحدة وصلت.
رقم مجهول.
أحمد فتحها.
ولأول مرة الرعب الحقيقي ظهر في عينيه.
إيه؟
سألته رنا.
مدلهاش التليفون.
في الصورة كان فيه قبر.
وعليه اسم واحد بس.
ليلى الشاذلي
وتحت الصورة رسالة قصيرة
الدور على بنتها.
رنا حست إن قلبها وقف.
أمي؟
رفع أحمد عينه ليها.
هما عرفوا إنك بنتها.
إزاي؟
لأن في حد وسطنا بيسرب كل حاجة.
سكت لحظة.
وبعدين همس
ويمكن يكون أقرب واحد ليا.
في اللحظة دي العربية السودا زودت سرعتها.
وخبطت العربية من ورا.
صرخة خرجت من رنا.
والعربية اتمايلت بعنف.
ملك بدأت تعيط.
وعمر كمان.
أحمد لف بسرعة وبص من الإزاز الخلفي.
وفجأة وشه اتغير.
يا نهار أسود.
إيه؟
دي مش عربية رجالة أخويا.
أمال مين؟
صوته نزل بشكل مرعب.
دي عربية الأمن الخاص بتاع أبويا.
رنا بصتله مصدومة.
أبوك؟
المفروض مات من عشر سنين.
الصمت نزل بينهم زي حجر.
إيه يعني المفروض؟
أحمد بلع ريقه.
لأن الجثة ما اتعرفش عليها ساعتها.
رنا حست إن الدنيا بتلف.
يعني أبوه ممكن يكون عايش؟
يعني كل اللي بيحصل ده وراه راجل المفروض ميت؟
قبل ما حد ينطق
نور كشافات قوية ظهر قدامهم.
بوابة حديد ضخمة.
بيت قديم وسط أرض زراعية واسعة.
أحمد أشار بعصبية.
هناك.
ده بيت جدتك؟
أيوه.
رنا دخلت العربية بسرعة.
وقفلت البوابة وراهم.
لكن العربية السودا وقفت برا.
ما دخلتش.
وده كان أغرب حاجة.
كأن اللي جوا البيت أخطر من اللي بره.
نزلوا بالعافية.
أحمد كان شبه فاقد للوعي.
رنا سندته.
ودخلوا البيت.
أول ما فتحت الباب حسّت بريحة تراب وخشب قديم.
المكان مهجور من سنين.
لكن واضح إن حد كان بيزوره أحيانًا.
لأن فيه نور شغال.
وفيه أكل جديد.
وفيه آثار أقدام.
رنا اتجمدت.
إحنا مش لوحدنا هنا.
وفجأة
صوت جه من آخر الصالة.
أخيرًا وصلتوا.
رنا شهقت.
وأحمد رفع راسه بالعافية.
وكانت الصدمة أكبر من أي حاجة.
اللي واقف قدامهم كان راجل في أواخر الأربعينات.
نفس لون عيون رنا.
نفس ملامح أمها.
نفس الابتسامة.
الراجل بص لرنا.
ودموعه لمعت.
وقال
أخيرًا شوفتك يا أختي.
رنا رجعت خطوة لورا.
إيه؟
أحمد همس بصوت مخنوق
مستحيل
الراجل ابتسم بمرارة.
لا مش مستحيل.
أنا الطفل التاني.
أنا ابن ليلى الشاذلي.
أنا أخو رنا التوأم.
الصمت انفجر جوا المكان.
رنا كانت حاسة إن عقلها مش قادر يستوعب.
إنت؟
أيوه.
إنت اللي كانوا بيدوروا عليه؟
من يوم ما اتولدت.
أحمد رفع عينه ليه.
وإنت اللي باعت الرجالة؟
الراجل هز راسه.
لا.
أحمد اتجمد.
يعني إيه؟
الراجل بص ناحية الشباك.
ناحية الضلمة برا.
وقال
لأن اللي باعتهم واقف بره دلوقتي.
في اللحظة دي
نور عربيات كتير قوي ملأ الأرض كلها.
عشرات العربيات.
رجالة مسلحين.
وأبواب بتتفتح.
والبيت كله اتحاصر.
ثم نزل رجل عجوز من عربية سوداء فخمة.
شعره أبيض.
لكن وقفته مرعبة.
أحمد فقد لونه تمامًا.
لا
همس.
مستحيل.
الرجل العجوز رفع عينه ناحية البيت.
وبعدين ابتسم.
ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروق الكل.
وقال بصوت وصل لحد جوا
افتحوا الباب
أنا جيت أخد عيلتي.
وكان ده أول مرة تدرك فيها رنا إن الكابوس اللي بدأ عند باب المطعم
كان مجرد البداية.
الجزء الثالث
البيت كله كان ساكت.
ساكت بشكل يخوف.
برا، عشرات العربيات محاصرة المكان.
وجوا، رنا واقفة وهي حاضنة ملك وعمر، وعينيها بين الراجل اللي ظهر فجأة وقال إنه أخوها التوأم، وبين العجوز اللي واقف قدام البيت.
أحمد الشاذلي كان أول واحد كسر الصمت.
أبويا مات.
العجوز ضحك.
ضحكة باردة خلت رنا تقشعر.
وأنا زعلان إنك مصدق الحكاية دي لحد النهارده.
أخو رنا التوأم اتنهد.
أنا قلتله زمان إنه هيكتشف الحقيقة بنفسه.
أحمد بصله بغضب.
إنت كنت عارف؟
من سنين.
وساكت؟
لأن الكلام وقتها كان هيقتل ناس أكتر.
العجوز رفع عصايته الخشبية وضربها في الأرض.
خلصنا لمّ شمل العيلة؟
الكل بصله.
ابتسامته اختفت.
وحل مكانها وش تاني.
وش واحد عمره ما عرف الرحمة.
افتحوا الباب أو هدخل أخده بنفسي.
رنا أخدت خطوة لقدام.
لأول مرة.
إنت
لمحة نيوز
مين بالضبط؟
العجوز بص لها.
ولثواني طويلة ما ردش.
كأنه بيتأمل ملامحها.
ملامح بنته.
ملامح ليلى.
وفجأة اتغيرت عينه.
إنتي شبهها أوي.
رنا اتوترت.
أمي؟
بنتي.
الكلمة وقعت على المكان كأنها قنبلة.
رنا شهقت.
بنتك؟
ليلى كانت بنتي الوحيدة.
لا
أيوه.
أحمد قفل عينه.
واضح إنه كان عارف جزء من الحقيقة.
لكن مش كلها.
العجوز كمل
أنا بنيت إمبراطورية كاملة.
ناس كتير أكلت وشربت واغتنت بسببي.
لكن بنتي قررت تدمر كل حاجة.
أمي ما كانتش مجرمة.
صاحت رنا.
العجوز ضحك.
عشان كده هربت.
عشان كانت أنضف من كل اللي حواليا.
سكت لحظة.
وبعدين قال
ولما اكتشفت الأسرار اللي مخبياها بقت خطر.
أخو رنا قبض إيده.
إنت اللي قتلتها؟
الصمت نزل فجأة.
العجوز بصله.
وبعدين قال بهدوء مرعب
لا.
الكلمة خلت الكل يتجمد.
أمال مين؟
سأل أحمد.
العجوز لف ناحية أحمد.
أبوك.
الهواء نفسه وقف.
أحمد حس إنه مش قادر يتنفس.
إيه؟
أبوك الحقيقي.
إنت أبويا.
لا.
أحمد رجع خطوة.
العالم كله بدأ ينهار حواليه.
العجوز قال
أنا ربيتك.
لكن أبوك كان أخويا.
وأخويا هو اللي قتل ليلى.
رنا حست إنها هتقع.
كل دقيقة الحقيقة بتطلع أبشع من اللي قبلها.
أخوها التوأم اتكلم لأول مرة.
وقبل ما يقتلها أخدت منه الملفات.
العجوز هز راسه.
أيوه.
والملفات لسه موجودة.
أحمد رفع عينه بسرعة.
فين؟
أخو رنا بص ليها هي.
بس ليها.
عندك.
رنا اتصدمت.
عندي أنا؟
أيوه.
مستحيل.
فكري كويس.
بدأت الذكريات ترجع.
صندوق خشب قديم.
كانت أمها مخبياه تحت السرير.
وكانت دايمًا تقول
لو جرالي حاجة ما تفتحيهوش غير لما تعرفي الحقيقة.
الصندوق!
الصندوق لسه في المطعم.
في أوضتها.
وفجأة كل الأنظار بقت عليها.
العجوز ابتسم.
أخيرًا افتكرنا.
أحمد اتوتر.
لازم نوصل قبله.
لكن قبل ما حد يتحرك
دوى صوت رصاص.
الإزاز انفجر.
والكل نزل على الأرض.
ملك صرخت.
وعمر عيط بعنف.
الرصاص بدأ يضرب البيت من كل اتجاه.
العجوز بص للشباب اللي معاه بغضب.
مين اللي بدأ ضرب النار؟!
واحد من رجالته جري ناحيته.
وشه
شاحب.
مش رجالتنا يا باشا.
أمال مين؟
الرجل بلع ريقه.
في قوة تالتة وصلت.
الصمت رجع تاني.
العجوز اتجمد.
أحمد اتجمد.
حتى أخو رنا.
كلهم عرفوا الاسم قبل ما يتقال.
الرجل همس
الشاذلي الكبير.
العجوز فقد لونه.
لأول مرة.
مستحيل
الرجل كرر
عايش.
والد أحمد الحقيقي.
الرجل اللي الكل افتكره مات من عشر سنين.
وصل.
ووصل علشان ياخد الملفات.
وياخد الأطفال.
وياخد أي حد يعرف الحقيقة.
ورنا كانت واقفة وسط كل ده وهي حاضنة الطفلين.
وفهمت أخيرًا إن اللي بدأ كليلة مطر قدام مطعم صغير في شبرا
بقى حرب كاملة.
وحرب زي دي
محدش بيطلع منها زي ما دخل.
الجزء الرابع
الرصاص كان بينزل على البيت زي المطر.
الإزاز اتكسر كله تقريبًا.
والصراخ جاي من بره ومن جوه.
رنا كانت ضامة عمر وملك لصدرها، وحاسة إن قلبها هيقف من الخوف.
لكن وسط الفوضى دي كلها، حاجة واحدة كانت واضحة.
الصندوق.
الصندوق اللي أمها خبّته طول عمرها.
الصندوق اللي بسببه ناس بتموت وناس بتطاردهم من سنين.
أحمد الشاذلي ضغط على جنبه المصاب وقال بصوت متقطع
لازم نخرج من هنا حالًا.
أخو رنا التوأم هز راسه.
لو فضلنا هنا هنموت.
العجوز كان واقف عند الشباك المكسور، بيبص بره بصدمة.
لأول مرة شكله ماكانش شكل رجل متحكم في كل حاجة.
كان شكل واحد خايف.
خايف بجد.
رنا بصتله.
مين الراجل ده؟
العجوز رد بصوت واطي
الشيطان اللي علمني أبقى شيطان.
قبل ما حد يسأله أكتر، انفجار ضخم هز الأرض كلها.
سقف الأوضة اترج.
وتراب وقع عليهم.
أحمد صرخ
من الباب الخلفي!
الكل جري.
نزلوا من ممر ضيق ورا البيت كان مستخدم زمان كمخزن.
الدنيا بره كانت ضلمة.
لكن أصوات العربيات والرصاص كانت مالية المكان.
وصلوا لعربية دفع رباعي قديمة مستخبية وسط الأشجار.
أخو رنا فتح الباب بسرعة.
اركبوا!
رنا دخلت ومعاها الطفلين.
أحمد دخل بالعافية.
أما العجوز فوقف لحظة.
بص ناحية البيت.
وبعدين قال
لو خرجت من هنا النهارده يبقى دي معجزة.
أخو رنا جذبه لجوا.
والعربية انطلقت.
خلفهم كانت النيران بدأت تمسك في البيت القديم.
وكأن كل أسرار الماضي بتتحرق معاها.
لكن الحقيقة ما كانتش هناك.
الحقيقة كانت في القاهرة.
في أوضة صغيرة فوق مطعم الحاجة ليلى.
بعد أربع ساعات.
وصلوا شبرا مع أول ضوء للنهار.
الشارع كان فاضي.
والمطعم مقفول زي ما رنا سابته.
نزلت من العربية وهي بتجري.
طلعت السلم.
فتحت أوضتها.
ووقفت فجأة.
كل حاجة كانت متلخبطة.
الدولاب مفتوح.
المرتبة متقطعة.
الأدراج مقلوبة.
حد سبقهم.
حد كان بيدور على الصندوق.
رنا حست برعب.
لكنها افتكرت حاجة.
أمها كانت دايمًا تقول
لو ضاع المفتاح بصي ورا الصورة.
جرت ناحية الصورة القديمة اللي فيها هي وأمها.
رفعتها.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحيطة.
جواه مفتاح نحاس قديم.
إيديها كانت بترتعش.
نزلت على الأرض.
وسحبت لوح خشب من تحت السرير.
وظهر الصندوق.
نفس الصندوق.
بترابه القديم.
وقف الكل حواليه.
الصمت كان تقيل.
رنا فتحت القفل.
ولما الغطا اترفع
الكل اتصدم.
ماكانش فيه فلوس.
ولا دهب.
ولا أوراق مهمة.
كان فيه جهاز تسجيل صغير.
ومعاه فلاشة.
وظرف مكتوب عليه بخط أمها
لرنا لو وصلتي للحقيقة.
دموع رنا نزلت غصب عنها.
فتحت الظرف.
كانت فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
يا بنتي
لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجودة.
وأعرفي إن كل كلمة قولتهالك كانت حقيقية.
أنا اخترت أبقى أمك قبل ما أبقى أي حاجة تانية.
لكن فيه أسرار لازم تعرفيها.
لأن ناس كتير ماتت علشانها.
رنا ماقدرتش تكمل.
أحمد شغل جهاز التسجيل.
وفجأة
طلع صوت أمها.
صوت الحاجة ليلى.
نفس الضحكة.
نفس الحنان.
ونفس الدفا.
لكن الكلمات اللي قالتها خلت الكل يتجمد.
اسمي الحقيقي ليلى الشاذلي.
وأنا ما هربتش لوحدي.
أنا هربت ومعايا بنتي.
أما ابني
فأخدوه مني غصب.
والشخص اللي أخده
ماكانش عدوي.
كان أقرب إنسان ليا.
أخو رنا رفع راسه ببطء.
وكأنه عارف الجملة الجاية.
الصوت كمل
أخويا.
العجوز وقع على الكرسي.
أحمد اتصدم.
رنا بصت ناحية أخوها.
أما هو فكان ساكت.
ساكت بشكل مخيف.
التسجيل كمل
أخويا هو اللي سلّم ابني.
وأخويا هو اللي بلغ عن مكاني.
وأخويا هو السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
الأنظار كلها اتحولت ناحية العجوز.
وجهه بقى شاحب.
مرعوب.
وكأنه لأول مرة في حياته اتكشف.
رنا همست
يعني أنت
لكن قبل ما تكمل
صوت كسر جامد جه من تحت.
وبعدين صوت باب المطعم بيتخلع.
وبعدين خطوات.
كتير.
قوية.
جاية على السلم.
الكل بص لبعضه.
وأحمد سحب نفس طويل.
وقال
وصلوا.
ثم دوى صوت رجل من أسفل السلم
خلص وقت الهروب.
افتحوا الباب.
لأن المرة دي
مفيش حد هيخرج عايش.
وانتهى كل شيء عند تلك اللحظة
لحظة الوقوف وجهًا لوجه أمام الحقيقة الأخيرة.
الجزء الخامس
الصمت نزل على الأوضة كأنه كفن.
الخطوات كانت بتقرب.
درجة
درجة
درجة.
حد طالع السلم.
وكل خطوة كانت بتخبط جوه صدر رنا.
عمر وملك كانوا نايمين أخيرًا من التعب، لكن الكبار محدش فيهم كان قادر حتى ياخد نفس طبيعي.
أحمد الشاذلي وقف بالعافية وسند نفسه على الحيطة.
أخو رنا التوأم قرب من الباب.
أما العجوز فكان قاعد مكانه.
منهار.
لأول مرة من ساعة شافوه.
صوت الرجل جه من بره تاني
افتحوا يا ولاد الشاذلي.
احنا تعبنا من الجري.
رنا بصت لأحمد.
تعرف الصوت؟
أحمد وشه شحب.
شحب بشكل مرعب.
وبص للعجوز.
هو.
العجوز قفل عينه.
كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
أيوه
هو.
الباب اتهز بعنف.
ثم ضربة تانية.
وثالثة.
وفجأة
اتكسر.
ودخل الراجل.
كان عنده حوالي سبعين سنة.
شعره أبيض.
لكن جسمه مستقيم.
وعيونه حادة بشكل مخيف.
عيون واحد متعود ياخد اللي عايزه.
حتى لو هيكسر الدنيا كلها.
وقف في نص الأوضة.
وبص لكل واحد فيهم.
لحد ما عينه وقفت على رنا.
وساعتها
ابتسم.
ابتسامة خلتها ترتعش.
شبه أمك.
رنا ما ردتش.
الرجل دخل أكتر.
وكأنه صاحب المكان.
ثم بص للعجوز.
وقال
عامل إيه يا أخويا؟
العجوز نزل عينه في الأرض.
أول مرة.
أول مرة حد يشوفه بالشكل ده.
الرجل ضحك.
أخيرًا اتعلمت الخوف.
أحمد قرب خطوة.
إنت قتلت ليلى؟
الرجل بصله.
وبعدين ضحك أكتر.
لا.
كداب.
أنا ما قتلتهاش.
الصمت نزل.
والرجل كمل
لأنها ماتت وهي بتحاول تهرب من رجالتك إنت.
أحمد اتجمد.
إيه؟
الحقيقة عمرها ما كانت بسيطة.
التسجيل اللي سمعته ناقص.
ليلى هربت.
وأخويا خانها.
وأنت حاولت ترجعها.
والكل جرى وراها.
وفي الآخر
العربية اتقلبت بيها وهي بتحاول تنقذ بنتها.
رنا حست إن رجليها مش شايلينها.
أمها
ماتت لوحدها.
بعد كل السنين دي.
الرجل طلع ظرف قديم من جيبه.
ورماه على الأرض.
تقرير الحادث.
أخو رنا التوأم فتحه بسرعة.
وبدأ يقرأ.
وملامحه اتغيرت.
كل كلمة كانت بتكسر حاجة جواه.
لأن التقرير كان حقيقي.
مختوم.
ومؤرخ.
وفيه تفاصيل محدش يعرفها.
ليلى ماتت فعلًا في حادث.
لكن سبب الحادث كان المطاردة.
مطاردة عيلتها ليها.
يعني الكل مذنب.
مفيش بريء.
العجوز بكى.
بكى لأول مرة.
أنا كنت عايز أحميها.
الرجل ضحك بسخرية.
وإنت دمرتها.
أحمد قفل عينه.
وأنا كمان.
رنا كانت واقفة وسطهم.
حاسّة إن الحقيقة أثقل من الكذب أوقات.
لأن الكذب كان بيديها عدو واضح.
أما الحقيقة
فكانت بتقول إن كل واحد
ساهم بطريقة ما.
وفجأة
ملك بدأت تعيط.
الطفلة الصغيرة فتحت عينيها ومدت إيديها ناحية رنا.
رنا شالتها بسرعة.
وعمر صحي هو كمان.
يبص حواليه ببراءة.
الرجل العجوز وقف ساكت.
بص للطفلين.
ثم نزلت عينه.
لأول مرة.
ظهرت عليه ملامح ندم.
ندم حقيقي.
كل ده
علشان طفلين.
همسها لنفسه.
أخو رنا قال بمرارة
لا.
علشان طمع.
علشان سلطة.
علشان ناس افتكرت إن الدم أهم من الرحمة.
الصمت رجع.
لكن المرة دي كان مختلف.
كان نهاية.
نهاية حرب استمرت أكتر من عشرين سنة.
الرجل بص لرنا.
وقال
الملفات فين؟
رنا سكتت.
وبعدين مدت إيدها ناحية الفلاشة.
الكل شد أعصابه.
لكنها فجأة مشت ناحية الشباك.
وفتحت الإزاز.
وألقت الفلاشة للخارج.
الجميع صرخ.
حتى أحمد.
عملتي إيه؟!
رنا كانت دموعها نازلة.
لكن صوتها كان ثابت.
كفاية.
دي كانت الأدلة.
صرخ أحمد.
لا.
دي كانت لعنة.
بسببها ماتت أمي.
واتدمرت عائلات.
واتيتم أطفال.
وسالت دماء كتير.
أنا مش هورث الخراب ده.
الكل سكت.
حتى الرجل العجوز.
وبعد لحظات طويلة
ابتسم لأول مرة.
ابتسامة حزينة.
وقال
طلعتي فعلًا بنت ليلى.
بعد شهور
اتفككت الإمبراطورية اللي كانت مخوفة البلد كلها.
بعض الناس دخلت السجن.
وبعضهم اختفى.
وبعضهم خسر كل حاجة.
أما أحمد الشاذلي فاختفى من الحياة العامة.
وقضى وقته في تربية عمر وملك.
وأخو رنا فتح مشروع صغير بعيد عن أي نفوذ أو سلطة.
أما رنا
فأعادت افتتاح المطعم.
بنفس الاسم القديم.
مطعم الحاجة ليلى.
وعلقت صورة أمها على الحيطة.
كل يوم تبصلها وتفتكر حاجة واحدة.
إن العيلة مش اللي بيشاركك نفس الدم.
العيلة هي اللي بتختارك.
واللي يفضل جنبك لما الدنيا كلها تقرر تمشي.
وفي ليلة مطر بعد سنة كاملة
كانت رنا بتقفل المطعم.
لما سمعت ضحكة عمر.
وضِحكة ملك.
فابتسمت.
لأن أخيرًا
بعد كل الدم والوجع والأسرار
بقى عندها بيت.
وبقى عندها عيلة.
ودي كانت الحاجة اللي أمها بتحارب عشانها من البداية.