جوزى حكايات منال عباس

جوزي زقني وأنا في الشهر السابع، وميتين من الأغنياء المتبرعين كانوا بيفرجوا عليا وأنا بتكعبل في هرم من كاسات الشمبانيا البلور. عمل كده الساعة تسعة وربع بالليل في ليلة سبت، ومعاه عشيقته واقفة جنبه، عشان كان عايزها تشوف هيمنته على الست اللي على ذمته. اللي جوزي “جلال” ما كانش عارفه إن أنا قضيت الثلاث شهور اللي فاتوا بجمع أدلة بصمت تهدد أكتر بكتير من مجرد جوازنا. أول كاس لسه ما وصلش أرضية الرخام إلا وكان جلال قدّملي الهدية الوحيدة اللي كنت محتاجاها: شهود عيان.
لحقت حرف الترابيزة قبل ما أقع، بس وجع شديد ضرب تحت ضلوعي وابني اتحرك بعنف جوة بطني. جلال ما مدش إيده يلحقني ولا سألني لو كنت اتأذيت. عدل كم جاكيت البدلة وقال بصوت عالي: “بطلي تعملي فيلم درامي”. ولحسن حظه السيء، الميكروفون بتاع منصة المزاد كان لسه مفتوح، وكل فرد في قاعة فندق الجراند مرلو سمع كلامه.
“سارة” كانت واقفة جنبه لابسة حرير فوشيا وماس، وشكلها زي الست اللي فاكرة إنها كسبت خلاص. من ثلاث شهور وأنا عارفة موضوع اوض الفنادق، والزيارات المتأخرة لشقتها، واجتماعات الاستثمار اللي ما حصلتش أصلًا. ولقيت كمان حاجة تقلق أكتر: مدفوعات استشارية وعقود تبرعات رايحة لشركات تخص عيلة سارة. ما نطقتش بحاجة لأني كنت عايزة دليل قاطع قبل ما جلال يعرف إني بجهز لخلعه.
اتعدلت ببطء، وحطيت إيدي تحت بطني، وبصيت له دغري. ما صرختش، ولا ضربت سارة بالقلم، ولا فضحت الخيانة قدام المتبرعين. كل اللي قلته: “كتر خيرك. كده كفاية قوي”. ملامح وش جلال اتغيرت عشان كان عارفني كويس لدرجة تخليه يفهم إني ما كنتش بتكلم عن الزقة.
دكتورة “إيمان”، جراحة أطفال ووحدة من أقدم صديقاتي، جريت عليا وسألتني لو كنت حاسة بوجع. ولما اعترفت إني حاسة بانقباضات في بطني، طلبت إسعاف فورًا. جلال قرب وقال للناس إن أنا اللي فقدت توازني. والجملة دي كمان طلعت في الميكروفون، بينما التليفونات بدأت تترفع في كل حتة في القاعة.
سارة حاولت تنقذه وقالت بصوت متبوع: “يا جماعة من فضلكوا، ندى كانت عاطفية الأيام دي”. بصيت لكاس الشمبانيا اللي كان بيترعش في إيديها، وفهمت أنها مرعوبة حتى وهي بتحاول تبتسم. كانت عارفة حاجة جلال ما قالهاش للقاعة، وفجأة سألت نفسي هو حكى لها إيه عن فلوسي، وجوازنا، والشركة اللي بنيناها مع بعض؟
جلال حاول يبرر تاني، وقال للكل إن فترة الحمل كانت صعبة عليا. صلحته بهدوء وشرحت إن ضغط دمي كان مظبوط في كشفي الصبح والبيبي بينمو زي ما الكتاب بيقول. حذرني باسمي، وبالنبرة الهادئة اللي بيستخدمها كل ما يحب يفهمني إن وراء كلامه عقاب. رديت عليه وقلت إن ميتين بني آدم لسه شايفينه حاطط إياديه الاتنين عليا.
سارة قربت منه وهمست له: “خرّجها من هنا”. الميكروفون التقط دي كمان. همهمة سرت في القاعة، ولأول مرة حسيت إن جلال أدرك إن القاعة مبقاش بتسمع كلامه. ممكن يضحك على مستثمرين، ومقاولين، وسياسيين، وصحفيين، بس مستقدرش يخلي ميتين بني آدم يمسحوا من ذاكرتهم اللي لسه شايفينه بعنيهم.
أمن الفندق وصل، وإيمان قالت لهم إني محتاجة رعاية طبية. جلال قال إني كويسة، بس إيمان وقفت بيننا وقالت له إنه مش مؤهل ياخد قرار زي ده. ولما حاول يفكر الناس إنه جوزي، ردت وقالت: “دلوقتي هي ست حامل جالها انقباضات في بطنها بعد ما زقها بإيده”. جلال وقف مكانه مبلم.
ساعتها “مراد” قام من على الترابيزة التلاتة. مراد كان محامي أبويا قبل ما يبقي محاميّ، وكان ماشي بهدوء وكيل نيابة سابق مابيقاطعش راجل وهو بيحفر قبره بايده. جلال شافه جاي ناحيتي، والخوف اللي ظهر على وشه كان فوري لدرجة نستني سارة لثواني. زعق وقال: “هو جاي هنا بيعمل إيه؟”
مراد رد وقال إنه مدعو من ائتمان عيلة بيومي. أبويا، دانيال بيومي، كان متوفي من ست سنين، بس مجرد سيرة الصندوق ده خلت جلال ينشف في مكانه. ولما جلال زعق وقال إن أبويا مات، مراد رد عليه وقال: “في مسؤوليات بتعيش بعد موت صاحبها”. ما كنتش فاهمة ليه الكلمات دي خوفت جوزي أكتر من عربيات الإسعاف اللي كانت صفارتها بتقرب بره.
المسعفين وصلوا، وجلال عمل محاولة أخيرة عشان يرجعني لطاعته. قال: “يا ندى تعالي هنا”، وكأن لسه مفروض أسمع كلامه بعد كل اللي حصل ده. قلت لا، وسمحت للمسعفين يمشوا معايا للباب، وقولت لنفسي إني بحمي ابني الأول وبعدين أحاسب جوزي. وفي طريقي وأنا معدية جنبه، جلال همس لي وقال إني ما أعرفش إني بدمر إيه.
مراد مشي جنبي لحد العربية، وكان ماسك نفس شنطة الجلد اللي دخل بيها الحفل. وقبل ما نعدي الباب، قرب مني وقال إن أبويا ساب أمانة معاه من ست سنين. وقال إنه أُمر ما يفتحهاش إلا لو شرط واحد اتحقق. ولما سألته إيه هو الشرط ده، مراد بص وراه ناحية جلال واداني إجابة خلت بطني تقبض لسبب تاني خالص.
“يوم ما جوزك يحاول ياخد منك كل حاجة”. حكايات منال عباس
ركبت عربية الإسعاف ودقات قلبي سريعة وخايفة على اللي في بطني، وعينيا على الشنطة الجلد اللي مع مراد اللي أكد لي إن أبويا كان حاسس باللي هيحصل وساب لي سند يكسر شوكة الراجل اللي فكر إنه ملكني؛ الإسعاف اتحركت بسرعة في شوارع مصر المليانة بالهوس، ومراد كان قاعد جنبي بيطمني وبهدوء قال لي إن كل الأوراق اللي تثبت ممتلكاتنا وتحويلات الشركات بقت في أمان تام معاه، وإن الجلسة الجاية في المحكمة هتكون أقوى بكتير من نفوذ جوزي اللي مفكر نفسه فوق الكل، وفي المستشفيات الدكاترة تعاملوا معايا بحرص شديد ونقلوني على أوضة المتابعة عشان يطمنوا على الجنين وسط دعوات الحبايب اللي جم ورانا، ودكتور العيلة طمني وقال لي إن النبض منتظم بس لازم راحة تامة وبُعد عن أي انفعال، ولقيت تليفوني بيرن رسايل تهديد ومكالمات من جلال اللي حس إن الكرسي بيبتدى يهتز تحتيه وإن اللعبة خلصت، لكن أنا قفلت الموبايل خالص ورميته على الكومودينو وبصيت لمراد وقلت له بابتسامة ثقة إن الحساب الحقيقي بدأ حالا.حكايات منال عباس
مراد سحب كرسي وقعد جنب السرير وقال لي اهدي خالص يا ندى الدكتور طمننا والحمد لله النبض سليم والبيبي في أمان كامل، بس اللي جاي أهم بكتير لأننا لازم نستعد للمعركة الصح اللي هترجع لك كل حقوقك وتخلي جلال يعرف إن الطغيان ملوش أمان، وطلع من شنطة الجلد ملف تقيل مليان مستندات رسمية وحسابات بنكية سرية وأوراق شركات وهمية كانت بتسحب أموال من الشركة الأصلية لحسابات عشيقته وأهلها، وقال لي بالحرف الواحد إن جوزي وقع في شر أعماله وإن المفاجأة اللي أبويا سابها له مش مجرد أوراق عادية دي مستندات قانونية تنهي نفوذه تمامًا وتخليه يفقد منصبه وشركته وكل جنيه ملكه، وفي اللحظة دي حسيت بنار الإنتصار بتطفي وجع قلبي وجهزت نفسي إني أخد حقي بالقانون ومن غير ما أتنازل عن نقطة مية واحدة.حكايات منال عباس
فتحت الملفات بنفسي وبدأت أراجع كل ورقة وتفصيلة قانونية بتركيز شديد، ولقيت إن جلال ما سابش ثغرة إلا واستغلها لسرقة أصول الشركة وتدمير اسم عيلتي، لكن الأمانة اللي سابها أبويا كانت عبارة عن توكيل عام ووثائق تأسيس سرية بتديني الحق المطلق في تجميد كل حساباته الشخصية والتجارية فورًا وبأثر رجعي، ومراد بدأ يجهز الإنذارات الرسمية عشان نتحرك بيها مع أول ساعات الصباح ونحاصر جلال بكل تهم النصب وخيانة الأمانة، وفي نفس الوقت كانت الممرضة بتطمني إن الضغط استقر تمامًا وإن البيبي بصحة جيدة، ورغم إن التعب كان مالي جسمي إلا إن الإحساس بالقوة رجع لي، وطلبت من مراد إنه يبدأ في تنفيذ الخطوة الأولى من غير أي تردد عشان نفاجئ جلال بضربة قاضية تنهي غروره وتخليه يعرف إن اللي يستهين بحقوقنا يدفع الثمن غالي.حكايات منال عباس
الصبح طلع والشمس دخلت من شباك الأوضة، ومراد كان خلص تجهيز كل الثغرات القانونية اللي هتقفل السكة في وش جلال، وفعلاً بدأنا التحرك وبعثنا الإنذارات الرسمية للجهات المختصة والشركات عشان نربط إيديه تمامًا ونمنعه من أي محاولة لتهريب الأموال أو تغيير العقود، وفي اللحظة دي الباب خبط ودخلت صديقتي دكتورة إيمان ومعاها التقرير الطبي اللي بيثبت حالتي الصحية المستقرة وبيأكد إن البيبي بقى في أمان تام، ودهدني دفعة معنوية كبيرة خلاني مستعدة أكتر لمواجهة المعركة الكبيرة اللي هتكشف كل ألاعيب جوزي قدام الرأي العام والقانون، وقبل ما نتحرك للخطوة اللي بعدها لقيت تليفون مراد بيلف بمكالمة من محامي جلال اللي كان بيحاول يجس نبضنا ويعرض تسوية سريعة ومهينة، لكن مراد رد بكل برود وحسم ورفض أي كلام قبل ما جلال يدفع الثمن كامل ويمضي على التنازل عن كل شيء سرقه، ووقفت قدام المراية أعدل هدومي وأنا حاسة إن القوة اللي جوايا بقت أكبر بكتير من أي خوف، وجهزت نفسي للنزول عشان أواجه جلال في عقر داره وأعرفه إن النهاردة هو اليوم اللي هيفقد فيه كل ممتلكاته ونفوذه اللي بناه على ظلمنا. حكايات منال عباس
وصلنا للمقر اللي كان فيه جلال قاعد بيلعب آخر ورقة عنده، ودخلنا مرفوعين الراس من غير أي خوف لأن القانون وحق أبويا كانوا في ظهرنا، ولما شافنا جلال ومراد داخلين وبإيدنا كل ملفات الإدانة والسيطرة، الملامح اللي كلها غرور اتمسحت من على وشة وحل محلها الرعب والصدمة الحقيقية، ووقف قدامنا بيحاول ينطق بكلمة واحدة تدافع عن نفسه بس لسانه كان متخشب مكانه ومش عارف يجمع جملة مفيدة، وساعتها فهم إن كل حيل التلاعب والنفوذ اللي كان مستند عليها سقطت للأبد، وإن الحساب اللي استناه سنين جه وقته ومش هيقدر يهرب منه ولا يشتري حريته بفلوسه المسروقة، ووقفت قدامه بثبات وقولت له بهدوء إن اللعبة انتهت وإنه حان الوقت عشان يدفع تمن كل ظلم عمله.حكايات منال عباس
جلال حاول يتكلم ويطلب فرصة تانية أو تسوية ودية تضمن له إنه يخرج من الورطة دي بأقل خسائر ممكنة، بس مراد قدم له العقود النهائية اللي بتثبت تنازله الكامل عن كل الشركات والأموال والممتلكات لصالحي، وطالب منه يوقع فورًا من غير أي نقاش إضافي، وبصيت له نظرة أخيرة وأنا شايفة غروره كله بيتحطم قدامي، وكتبت إمضائي الأخيرة على المستندات اللي رجعت لي حقي وحق ابني كامل من غير نقص.
بعد ما وقّع على كل أوراق التنازل وخسر كل حاجة بناها بالباطل والظلم، خرج جلال من المكان وهو منكسر وذليل، مفيش في إيده غير الندم والخيبة بعد ما أدرك إن الظلم مهما طال وقته مصيره للزوال وإن الحق دائمًا بيرجع لأصحابه مهما طال الزمن؛ وفي اللحظة دي حسيت بسلام عميق وسكينة جوة روحي بعد ما استرديت كرامتي وحافظت على حق ابني اللي جاي في الدنيا، وبعدها بكم شهر ربنا رزقني بأحلى مولود نور حياتي وعوضني عن كل وجع ودمعة نزلت مني، وبقيت أنا ومراد وإيمان إيد واحدة نبني مستقبل جديد نضيف ومشرف، وعلّمتني التجربة دي إن الإنسان القوي مش ببطشه ولا بفلوسه، بل بعدله وبإيمانه إن الحق فوق الجميع، وفتحت صفحة جديدة مليانة أمل وبداية مشرفة تليق بيا وبابني اللي هيكون سند وضهر في الدنيا.
تمت