حكايات نور محمد الاول
قاطعتها وأنا بشد بابا من إيده: “ربنا فرجها من وسع يا أمي، يلا بينا وماتسأليش عن حاجة دقتي!”
وصلنا المستشفى الاستثماري الكبير، وطول الطريق بابا كان بيسألني باستغراب: “مين الدكتور يا بنتي؟ وجبتي الفلوس منين؟” وأنا أتهرب وأقوله: “لما نوصل هتفهم كل حاجة يا حبيبي”.
أول ما دخلنا من باب المستشفى، لقيت حرم الدكتور رؤوف واقفة مستنيانا عند الرسبشن، وبمجرد ما شافت بابا، ابتسمت بدموع وقالت للممرضين: “جهزو غرفة الكشف الخاصة فوراً، وبلغوا الدكتور رؤوف إن الحاج عبد الرحمن وصل!”
دخلنا العيادة الكبيرة. كان الدكتور رؤوف قاعد ورا مكتبه، حاطط إيده على رُكبته وبيفرك فيهم بتوتر شديد. أول ما باب العيادة اتفتح وبابا دخل ساند عليا، الدكتور رؤوف وقف مرة واحدة، الفوطة البيضا اللي في إيده وقعت، وبص لبابا بنظرة فيها مزيج من الذهول، الرهبة، والإجلال.
بابا كان شايف خيالات ومش مجمع الوشوش، وقال بصوت مرتعش: “السلام عليكم يا دكتور.. أنا عبد الرحمن، بنتي قالتلي إن…”
قبل ما بابا يكمل جملته، الدكتور رؤوف مشي خطوات سريعة ورمى نفسه في حضن بابا! حضنه بقوة وكأنه بيمسك في حبل نجاة، وبدأ يعيط بصوت مسموع! المستشفى كلها كانت عارفة الدكتور رؤوف بشروده وهيبته وقسوته أحياناً مع المساعدين، لكن إنه يعيط بالشكل ده قدامنا؟ ده اللي ذهَل أمي وخلاني أقف مش فاهمة حاجة.
بابا استغرب جداً، ورفع إيده بتوتر وطبطب على كتف الدكتور وقال: “خير يا دكتور؟ انت تعرفني؟ أنا مش شايف وشك والله، النور قطع في عيني من أسبوعين…”
الدكتور رؤوف مسح دموعه بصعوبة، ومسك إيد بابا وحطها على وشه وقال بنبرة مليانة حسرة وامتنان:
“مش فاكر الصوت ده يا حاج عبد الرحمن؟ مش فاكر الطالب اللي كان بيموت من الجوع والخوف في قرية ‘أم قصور’ في أسيوط سنة ١٩٩١؟ مش فاكر الشاب اللي اترمى في الترعة بعد ما العمدة اتهَمَه بالسرقة وظلمه، وكانت البلد كلها عايشة تقتله، وانت الوكيل الوحيد في النيابة اللي وقفت ضد العمدة وضد كل الناس علشان تحميه؟!”
ساد الصمت في الأوضة، وبابا ملامح وشه اتغيرت فجأة.. إيده اللي كانت على وش الدكتور بدأت تترعش، وشفت فجأة شريط ذكريات قديم بيتفتح في عين بابا المطفية.