عيون زرقاء وكبرياء مكسور حكايات منال عباس الاول

عيون زرقاء وكبرياء مكسور حكايات منال عباس
الاول
في عيد ميلاد بنتي الأولاني، حماتي رفعت الكاس قدام العيلة كلها، وراحت شاكة في مين أبو البنت الحقيقي عشان عيون بنتي كانت ملونة. الكل كان مستنيني أعيط ومنهارة، لحد ما طلعت ظرفين من شنطتي وحطيت الحقيقة قدامهم على الترابيزة.
بنتي كانت لسه متعلمة تسقف.
وعشان كده، في الأول، الكل ضحك.
كانت “لولو” قاعدة على حجرى وفستانها الأبيض أبو كشكشة، وإيديها الصغيرة بتخبط بخفة على قميصي. عيونها الزرقاء الواسعة كانت باصة على النور اللي في القاعة كأن كل لمبة نجمة جديدة. كانت بتكمل سنة، وبوتاج شعر طري نازل على جبهتها مهما عدلته، وفيه فبروت بسكوت على بؤها عشان اتعلمت خلاص إن في العزومات الكبار بينشغلوا والبيبيهات بيستغلوا الفرصة.
القاعة كانت مليانة ورود بيضاء، ومفارش إستنكار، وكاسات بحرف ذهبي، وقرايب بيتكلموا بصوت واطي، كأن الفلوس كمان ليها صوت بيتعرف من علو النبرة.
كانت حفلة جميلة.
جميلة زيادة عن اللزوم.
النوع ده من الحفلات اللي معمول للكباره مش للبيبيهات، عشان يوروا الناس هما يقدروا يدفعوا كام.
حماتي، “تيسير”، كانت مصممة تعملها في نادي خاص في الزمالك، النوع ده من الأماكن اللي الألقاب والعائلات فيه بتهم أكتر من الدعوات، والستات بيسلموا عليك بذوق وهما بيقيسوا جزمك من فوق لتحت.
أنا كان نفسي في حاجة بسيطة في بيت أهلي—تورتة فانيليا، وبالونات ملونة، ولولو تملى وشها شوكولاتة من غير ما حد يعمل فيها مذهول.
بس جوزي، “رامي”، كان قال لي:
“ماما متحمسة. سيبيهاتعمله. دي حفيدتها البكرية.”
حفيدتها البكرية.
كأن لولو دي تخصها هي كمان.
كأن أنا كنت مجرد رحم مستأجر.
الساعة سبعة وأربعين دقيقة بالليل، تيسير رفعت الكاس.
القاعة هديت.
كانت بتملك القوة دي. مش محتاجة تزعق. خبطة بسيطة بمعلقة على الكريستال، والكل بيلتفت. شعرها الأصفر مصبوغ بظبط، وفستانها الأخضر الغامق لا غبار عليه، وعقد الليرز بينور، وابتسامتها كانت ابتسامة ست قضت عمرها كله تدخل أماكن مفيش حد بيجرؤ يقول لها لا.
قالت: “أنا عايزة أنخاب عشان لولو. الطفلة الجميلة دي اللي بتكمل سنة النهاردة.” منال عباس
همسات ناعمة ملت القاعة.
لولو رجعت تسقف تاني، ومبسوطة بالاهتمام.
ضميتها لصدري أكتر.
وبعدين تيسير بصت لها.
مش نظرة جدة.
نظرة قاضي.
كملت بصوتها الحلو اللي بتفتحه جروح من غير ما توسخ إيديها: “مع إني لازم أقول حاجة. عيلة الشاذلي عيونها عسلي من خمس أجيال. جوزي، ولادي، أهلي، أجدادي… الكل. وفجأة تطلع لنا الطفلة دي بعيون زرقاء كده؟”
القاعة اتغيرت.
مبقيتش فضيحة فورية.
كانت أسوأ.
سكتة.
نقلة.
تيار من الفضول، والحكم المسبق، والقسوة الأنيقة.
لولو بطلت تسقف ودفنت وشها الصغير في رقبتي، وهي مستغربة الحدة المفاجئة اللي في الجو. الأطفال مش بيفهموا كلمات زي نسب، خيانة، سمعة، أو ميراث. بس بيفهموا الأماكن. بيحسوا إمتى المكان يبطل يبقى آمن.
رامي كان واقف جنب مامته.
وإيده كانت محطوطة على ظهر كرسي “ندى”.
التفصيل ده فضل معلم في دماغي أكتر من الورود، التورتة، أو المصور اللي واقف جنب ترابيزة الحلويات.
إيد جوزي على كرسي الست اللي مامته كانت دايماً تتمناها ليه.
تيسير بصت لي بلطف مصطنع:
“يا داليا، مفيش حد زعلان. إحنا عيلة. بس بنعتقد إنه من الأفضل نعرف مين أبو لولو الحقيقي.”
حد ضحك ضحكة عصبية خفيفة.
قريب تاني عمل نفسه بيكح.
بنتي بدات تعيط.
وتيسير افتكرت إنها كسبت.
كانت مستنياني أترعش. مستنياني أترجاها إن رامي يدفع عني. كانت مستنية دموع، إنكار، دوشة—مشهد تقدر بعدين تستخدمه عشان تقول:
“شايفين؟ ما هي طول عمرها مش متزنة.”
بس أنا باست شعر بنتي.
تنفسست.
وابتسمت.
عشان جوة شنطتي، تحت المناديل المبللة، الببرونة، بسكوت الطوارئ، والروج اللي ما لحقتش أحطه، كان فيه ظرف مقفول بختم معمل تحاليل.
وتحت الظرف ده، كان فيه ظرف تاني.
تيسير مكنتش تعرف حاجة عن الظرف التاني.
ودي كانت غلطتها.
اسمي داليا سالمان. عندي اتنين وتلاتين سنة. ربيت في شقة صغيرة في العجوزة مع أمي اللي كانت شغال في إدارة مستشفيات وأبويا اللي كان مسئول عن اللوجستيات في شركة نقل. مكنش عندنا بيت مصيف، ولا بورتريهات زيتية، ولا عضويات نوادي، ولا لقب عائلي بيفتح الأبواب.
كان عندنا استقرار.
أمي كانت بتكوي قمصانها يوم الحد. أبويا كان بيصلح العربية بنفسه وعلمني أزاي أغير فردة كاوتش قبل ما يعلمني أزاي أسوق. أعياد الميلاد كانت تورتة فرن العيش، وحاجة ساقعة، وولاد عمي بيجروا فير الطرقة، وكراسي مستلفة من الجيران.
عمر ما ده كسبب لي كسوف.
حاولوا يعلموني الكسوف ده بعدين.
لما قابلت تيسير الشاذلي لأول مرة، أول حاجة بصت عليها كانت جزمي.
رامي أخدني على العشاء في بيت أهله في الزمالك، بيت كبير وهادي بحديقة مثالية لوحاته باين عليها إنها بتعنّف أي حد مش مولود في العالم ده. قبل ما ندخل، ضغط على إيدي.
“ماما ممكن تكون شديدة، بس مش قصدها حاجة وحشة.”
بعد سنين، فهمت إن “مش قصدها حاجة وحشة” هي الكلمة اللي الرجالة بيقولوها لما بيتربوا قريبين أوي من القسوة لدرجة إنهم مبيقوش قادرين يتعرفوا عليها.
تيسير فتحت الباب وهي لابسة ملابس كريمي ولؤلؤ.
قالت: “داليا”، وهي بتمط اسمي كأنها بتجربه لو كان ينفع يدخل بيتها.
على العشاء، سألت أهلي بيشتغلوا إيه قبل ما تسأل أي حاجة عني. ولما رديت، ابتسمت بأسف مصقول:
“ناس مجتهدة أوي.”
بلغتها، ده كان معناه فقراء، بس مقبولين.
رامي ضحك بسرعة، بيحاول ينعمها.
أنا ابتسمت عشان كنت عايزة أتعرف بيهم ويعجبوهم.
وهكذا بدأت القصة.
تيسير بتشتم بلطف. رامي بيترجم ببراعة. وأنا ببلعها بأناقة. والكل كان بيسمي ده انسجام.
الست اللي تيسير كانت دايماً تتمناها لرامي هي ندى. ومفيش حد قالها صراحة في الأول، عشان في العيلة دي، القسوة كانت بتلبس جوانتي. بس ندى كانت بتظهر في كل عزومة كمقارنة.
“ندى لسه مقفلة مشروع عقاري في الساحل.”
“ندى من عيلة صلبة أوي.”
“ندى عندها انضباط يثير الإعجاب.”
ولما كنت حامل في الشهر الثامن، وورمانة وتعبانة، تيسير قالت:
“ندى بتلعب بيلاتس كل يوم. وعيها بجسمها مبهر.”
قعدت هناك ولولو بتخبط في ضلوعي.
بعدين رامي قال لي:
“ما تاخديش الموضوع بشكل شخصي. ماما بس معاييرها عالية.”
بس دي مكنتش معايير.
ده كان احتقار متزبر بعطور غالية.
لما لولو اتولدت، افتكرت إن فيه حاجة ممكن تتغير. رامي عيط لما الممرضة حطتها بين إيديه. لمس خدها وهمس:
“هي مثالية.” بقلم منال عباس
لمدة ساعة، صدقته.
وبعدين تيسير جت أوضة المستشفى بعدها بأربع أيام. باست رامي الأول، وبعدين مدت راسها فوق السرير.
لولو كانت نايمة في بطانية وردية.
تيسير فضلت باصة عليها أكتر من اللازم.
قالت: “عينيها زرقاء.”
رد رامي: “كل المواليد عينهم فاتحة يا ماما.”
قالت تيسير: “آه. بس دي زرقاء أوي.”
كنت تعبانة، وجعاني، وهرموناتي بايظة، ولسه بنزف، والغرز بتتحرق وبنتي معتمدة عليّ في كل حاجة.
قلت لها: “دي لسه عندها أربع أيام.”
تيسير ابتسمت لي.
وهنا بدأ البرد.
مش فجأة. الستات اللي زيها مش بيشتغلوا بالطريقة دي. الأول جه الكلام. وبعدين السكوت. وبعدين رامي يرجع البيت متأخر.
يوم التلات والخميس.
وبعدين الجمعة.
وبعدين أي يوم.
بدأ يبص لي بطريقة مختلفة. مش بغضب، بس كأنه بيقيمني، كأني استثمار مش مضمون.
لما سألته إيه اللي فيه، قال لي:
“مفيش حاجة.”
لما قلت له إني حاساه بعيد، رد وقال:
“يا داليا، ارجوكِ ما تخليش كل حاجة عاطفية.”
كنت لسه والدة.
كل حاجة كانت عاطفية.
أول إثبات جه في عصر ممطر. تليفوني فصل أول ما كنت محتاجة أكلم دكتور الأطفال عشان طفح جلدي عند لولو. تليفون رامي كان في المطبخ وهو بيستحمى فوق. مسكته عشان أعمل المكالمة بس.
الشاشة نورت.
رسالة من تيسير:
“فكر كويس يا رامي. خمس أجيال عيونهم عسلي. ده ما ينفعش يتسكت عليه.”
إيدي اتجمدت.
فتحت المحادثة.
في ناس هتوافق وتقول إني ما كانش مفروض أعمل كده. إني كان لازم أسأل. إني انتهكت خصوصيته.
الناس دي عمر ما الأرض مادت من تحت جوازهم.
تيسير كانت بتكتب له بقالها أسابيع.
“العيون دي جت منين؟”
“ما تخليش الحب يعميك.”
“ندى عمرها ما كانت هتحطك في الموقف ده.”
“ممكن نعمل تحليل سري بهدوء.”
“فيه خيارات.”
ورامي عمره ما دافع عني.
عمر ما قال: “يا ماما، بلاش.”
عمر ما قال: “داليا مستحيل تخونني.”
كان بيرد:
“فكرت في الموضوع.”
“ما تضغطيش دلوقتي.”
“خليني أشوف.”
خليني أشوف.
جوزي شك في بنتنا، مش بسبب أي حاجة أنا عملتها، بس عشان مامته قررت إن الجين المتنحي أهم من خمس سنين حب.
الإثبات التاني جه بعد تلات أسابيع لما رامي ساب اللابتوب بتاعه مفتوح في المطبخ. الناس اللي بتستصغرك بتبقى مهملة. بيفكروا السكوت معناه جهل.
عنوان الإيميل كان:
“هيكلة عيد الميلاد.”
كان موضوع محادثة بين تيسير وندى.
قريته في أربع دقائق.
لما خلصت، كنت قاعدة على أرض المطبخ ولولو نايمة قريبة مني.
ده مكنش شك.
دي كانت خططة.
المرحلة الأولى: زرع الشكوك حوالين النسب.
المرحلة التانية: تقريب رامي وندى في العلن.
المرحلة التالتة: استخدام عيد الميلاد الأول للولو كمسرح. إلقاء اتمام تحت قناع “القلق العائلي”. إهانتي قدام الشهود.
المرحلة الرابعة: رامي يرفع قضية طلاق. محامي تيسير كان جاهز. وتقسيم الثروة لازم يخرجني بأقل قدر ممكن.
في إيميل من الإيميلات، تيسير كتبت:
“بداية جديدة. جه الوقت.”
قعدت على الأرض إحدى عشرة دقيقة.
وبعدين قمت. بقلم منال عباس
عملت قهوة.
أكلت لولو لما صحيت.
وبدأت أجهز طريقي للخروج.
أول شخص كلمته مكنتش أمي.
كانت محامية.
الأستاذة بتول سمعتني من غير ما تقاطعني وأنا بحكي لها عن الرسائل، الإيميلات، ندى، عيد الميلاد، والشك.
لما خلصت، قالت لي:
“يا داليا، أنت محتاجة مستندات، مش مشاعر. المشاعر حقيقية، بس المستندات هي اللي بتشتغل في المحكمة.”
الجملة دي بقت مرساتي.
مستندات، مش مشاعر.
طلبت تحليل نسب خاص ومعتمد.
النتيجة: 99.998%.
رامي هو أبو لولو البيولوجي.
عيطت لما شفتها—مش لأني شكيت، بس عشان الحقيقة المكتوبة على ورق ليها وزن تاني.
تقدر تلمسها.
تقدر تحطها على ترابيزة قدام ناس حاولوا يتفاوضوا مع الواقع.
احتفظت بالرسائل، الإيميلات، الصور، المواعيد، والتحويلات. بتول حققت أكتر ولقيت حاجة أسوأ. تيسير كانت فاتحة حساب ببيانات رامي من وثائق عائلية قديمة. ومن الحساب ده، كانت دافعة لمحامي طلاق وعاملة دفعات شهرية لندى متسمية “استشارات” و”دعم فعاليات”.
الناس اللي زي تيسير مش بيكتبوا، “أنا بدفع لك عشان تساعديني أخرب جواز ابني.”
بس الأرقام بتحكي قصص.
لمدة تلات شهور، كنت ببتسم.
كنت بروح العزومات. وكنت برد على الرسائل. وكنت بسيب تيسير ترتب الحفلة. وكنت بسيبها تصدق إني مش عارفة حاجة.
من بره، كنت باينة أم تعبانة بتحاول تتأقلم.
ومن جوه، كنت ببني باب الهروب قبل ما الفخ يتقفل.
ودلوقتي، في عيد ميلاد بنتي، تيسير لسه قايلة جملتها المثالية.
“يبقى من الأفضل نعرف مين أبو لولو الحقيقي.”
مديت إيدي في شنطتي.
طلعت الظرف الأول.
وأنا شايلة لولو على إيدي، مشيت ناحية تيسير.
كعب جزمتي كان بيخبط على الأرض الملمعة.
حطيت الظرف قدامها.
وقلت: “لو هنتكلم عن الأسرار، افتحي ده.”
الكل في القاعة اتجمد مكانه، الضحكة اختفت من على وشوش الكل، وتيسير بصت للظرف بنظرة فيها توتر خفيف بس حاولت تبان ثابتة وقالت ببرود مصطنع إن دي حركات رخيصة عشان تداري فضيحة، رامي قرب مننا بعصبية وعينيه طايرة من الغضب وقال لي بصوت واطي بس حاد إننا مش في مسرحية وإنها هتبوظ الحفلة، مسكت أعصابي وبكل ثقة بصيت له وطلبت منه يفتح الظرف بنفسه بدل ما هو واقف زي المدافع عن أخطاء أمه، لما مد إيده وفتح الظرف وطلع الورقة، عينيه وسعت لآخرها ولونه خطف والورق بدأ يترعش في إيده، النتيجة كانت قدامه واضحة وصريحة ونسبة التطابق 99.998% يعني بكل وبساطة رامي هو الأب الحقيقي للولو، القاعة اتقلب فيها الصمت لناس بتوشوش بعض بصدمة غير طبيعية، تيسير اتجننت وراحت خطفت الورقة من إيده وهي بتقول إن دي أوراق مزورة وطالبت الأمن يطردنا، بس هنا أنا مكنش هيهمني كلامها لأن اللحظة الحاسمة كانت لسه مجتش، بصيت لها بابتسامة مستفزة تشل وقولت لها إن دي كانت مجرد البرومو، وطلعت الظرف التاني من شنطتي ورميته فوق الترابيزة جنب كاسات الكريستال وقولت بصوت عالي خلى الكل يسمع إن الظرف التاني فيه تفاصيل الحسابات السرية، تحويلات الفلوس، ومحادثات البيه والست ندى وهما متفقين مع محامي الطلاق على خطة تدمير الجواز، رامي بص لإمه بصدمة عمره وهو مش مصدق اللي بيسمعه ولقى نفسه متورط في فضيحة أطرافها أمه وواحدة هو نفسه كان مفكرها البريئة، ندى في اللحظة دي حاجة تانية خالص، وشها جاب ألوان الطيف وبدأت تنسحب بالراحة من وسط العزومة على أمل إن مفيش حد ياخد باله منها، بس فجأة سمعنا صوت كعب جزمة بيخبط بقوة على البلاط وباب القاعة اتفتح على مصراعيه وظهرت شخصية محدش كان متوقع وجودها خالص في الوقت ده….يتبع