حكايات زهرة الربيع الثالث والاخير

قلت بصوت واطي ومحسوم: «عشان خاطر أمي.. وعشان خاطر التراب اللي بتتمشى عليه، أنا مش هرمي الورق ده دلوقتي. هسيبك لغاية ما تدخلي أوضة العمليات وتولدي بالسلامة وتطمني على الولد.. وفي لحظة ما الولد ينزل، هتشوفي قراري النهائي يا غادة. إما تطلعي من المستشفى دي على بيت أبوكي بـ ورقة طلاقك، أو هتشوفي شرطي الوحيد اللي مستحيل تتخيليه عشان تفضلي على ذمتي!».

غادة بصتلي برعب وقالت: «شرطك إيه؟!»

قلت لها: «مش هتعرفيه غير بعد ما تقومي من البنج والطفل في حضنك.. وقتها بس هتختاري بنفسك بين الشرط ده، أو إنك تصحي تلاقي نفسك مطلقة ورجلك متخطيش العمارة دي تاني!».

سيبتها في الأوضة بتغلي من الحيرة والخوف، وخرجت أنا وأمي وحمايا نقعد في الطرقة مستنيين اللحظة الحاسمة.. اللحظة اللي غادة هتدخل فيها أوضة العمليات عشان تنزل روح جديدة للدنيا، وتعرف شرطي الأخير اللي هيدمر كبرياءها للأبد أو ينهي جوازنا بضربة قاضية!

مرّت الساعتان أمام غرفة العمليات وكأنهما دهور. صمت قاتل يُخيّم على الطرقة، لا يقطعه إلا صوت دعاء أمي وصوت المونيتور الخافت من خلف الأبواب المغلقة. كنت أقوم وأجلس، والملف المحفوظ في جيبي يُذكّرني بأن كل لحظة ألم مرت بها أمي لا بد أن تُحسم اليوم.

فجأة، انفتح الباب المعدني الكبير، وخرجت الممرضة تحمل لفافة بيضاء ناصعة.

قفتُ في مكاني، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله. قربت الممرضة وقالت بابتسامة دافئة: «ألف مبروك يا أستاذ محمود، ولد زي القمر، والمدام بفضل الله قامت بالسلامة واتنقلت لغرفة الإفاقة».

استلمتُ ابني بين يديّ.. طفل صغير بنظرات بريئة، لا يعلم كم من الصراعات تحيط بقدومه. بكت أمي وقبلت رأسه الصغير، وأذّنتُ في أذنه بدموع حارة؛ كانت دموع الراحة والشعور بأن حق هذه الروح الجديدة وحق أمي لن يضيع.

بعدما استعادت غادة وعيها تماماً من أثر البنج، دخلتُ أنا وأمي وحمايا وحماتي إلى الغرفة.

كانت غادة ترقد على السرير، وجهها شاحب وجسدها يرتجف ببطء. أول ما وقعت عينها على الطفل في يد أمي، انهمرت دموعها بصوت جاف، ومسكت طرف الملاءة بقوة وقالت بنبرة كسيرة مشوبة بالخوف: «محمود.. أرجوك.. أرجوك هات أشيل ابني.. هات أشيله عشان خاطر ربنا».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *