ضيعت الشغلانه

مديونة.
توقفت السيارة أمام قصر ضخم محاط بحدائق واسعة في منطقة الهرم، بواباته الحديدية العالية تُشبه حصون القرون الوسطى.
دخلتُ، فاستقبلتني مدام مارجريت بنفسها وجهها يطغى عليه الوقار والامتنان. ابتسمت لي بحرارة وقالت
أهلاً يا ابنتي.. تعالي، أدهم في إنتظارك بالمكتب.
فتحت باباً خشبياً ضخماً، فوجدت رجلاً في أواخر الأربعينات من عمره، بملامح حادة، وعيون تعج بالذكاء والسطوة، يجلس خلف مكتب مهيب. وقف فور رؤيتي، وتقدم خطوتين.
قال بصوت هادئ ومحسوب
أهلاً ب أكتشف وأشجع مسعفة في القاهرة.. نورا.
جلستُ على أطراف أصابعي، وقبل أن أستجمع قواي لأتحدث، قطع هو الحيرة وسألني بنبرة حازمة
أعلم تماماً ما حدث قبل ثلاثة أيام.. شركتي الخاصة، النيل للرعاية الصحية، هي التي رفضت تعيينك لأنكِ تأخرتِ عشر دقائق بسبب أمي. وأعلم أيضاً أنكِ تركتِ وظيفة الإسعاف وأنتِ غارقة في الديون.
شعرت بغصة في حلقي من قسوة الحظ، فرددتُ بصوت مهتز لكنه فخور
هذا قدر نصيبي.. ولم أكن لأسيب طنط مارجريت وهي تموت في الشارع مقابل أي وظيفة في العالم.
ظهرت ابتسامة خفيفة وغامضة على وجه أدهم، وقال
ممتاز.. لذلك لن تعودي لعملك القديم، ولن تقبلي بوظيفة عادية في شركتي.
فتح درجا في مكتبه وأخرج ملفاً جلدياً فاخراً وألقاه أمامي على الطاولة.
فتحته لأجد عقدًا رسميًا ل منصب المديرة التنفيذية لقطاع الطوارئ والاستجابة السريعة في مجموعة شركات هارجروف الطبية، وبراتب خيالي يمحو ديوني للأبد، بالإضافة إلى صلاحيات مطلقة لتطوير منظومة الإسعاف والإنقاذ في مصر كلها.
رفعت عيني إليه بدهشة مفرطة
لكن.. أنا مجرد مسعفة بسيطة، كيف أعين في هذا المنصب الضخم فجأة؟
أجابني ببرود وثقة
لأنني لا أبحث عن شهادات ورقية. . أنا أبحث عن إنسان لديه ضمير وإرادة حقيقية لا تشتريها الأموال. أمي هي التي اختارتكِ، وأنا لا أناقش أحكام أمي.
الفصل الأخير ثمن النفوذ
مرّت ستة أشهر كاملة. تحولت حياتي رأساً على عقب كما وعدني تماماً. سددتُ كل ديوني، وأصبحت أدير منظومة طبية ضخمة تنقذ مئات الأرواح يومياً بفضل الصلاحيات التي مُحِيت بها العقبات البيروقراطية.
لكن.. في عالم أدهم هارجروف، لا شيء يأتي مجاناً.
في ليلة ممطرة، كنت أعمل متأخرة في مكتبي بالدور الأخير من برج هارجروف، حين دخل أدهم دون استئذان. كان وجهه شاحباً وعبوساً بشكل غير معتاد. أغلق الباب ووقف أمامي.
قلت بقلق
أدهم.. هل هناك طارئ؟
تنفس الصعداء وقال بصوت غريب
أعداؤنا يا نورا.. علموا بكل شيء. استطاعوا اختراق نظام المستشفيات الخاص بنا، وهم يستهدفون النقطة الوحيدة التي يمكن أن تكسرني.
وقفز الدم في عروقي
تقصد.. مدام مارجريت؟!
أومأ برأسه ببطء، ومد يده بملف سري للغاية وقال
لقد نقلوها لمكان مجهول.. وهم يساومونني على كل شيء أملكه مقابل سلامتها. وأنا لا أثق بأحد في جهازي الأمني.. كلهم تم شراؤهم أو محاصرتهم.
نظر إليّ بعينين تحملان رجاءً خفياً لأول مرة في حياته
الطريقة الوحيدة للوصول لها هي خطط الطوارئ الميدانية القديمة التي لا يعرفها رجال المافيا أو الفاسدون.. الطريقة التي كنتِ تديرين بها أزمات الشارع وأنتِ لا تملكين سوى حقيبة إسعافات أولية.
وقفتُ من مقعدي الجلدي الوثير، وخلعتُ حذائي ذو الكعب العالي، وارتديتُ سترة العمل العملية التي كنت أحتفظ بها دائماً في خزانتي كذكرى.
ابتسمتُ ببرود وثقة، وأخذت الملف من يده وقلت
السيد أدهم.. لقد أنقذتني يومًا حين ضاعت كل فرصة لي.. والآن، حان دوري لأعيد لك أمك، ولن يستطيع أكبر رأس في هذا البلد أن يوقفنا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *