حكايات زهرة الربيع الثالث والاخير

قالت لي الجارة بنبرة خافتة مليئة بالذهول:

* “يا سما يا بنتي.. العمارة عندنا مقلوبة! النيابة العامة جابت خبرا ماليين وفتشوا شقة الحجة سعاد ومكتب ماجد، واكتشفوا إن الفواتير المزورة اللي سعاد استخدمتها في الفرح كانت مجرد رأس جبل الثلج!”

اتضح أن التفتيش الضريبي الذي فُتح بسبب فواتير القاعة كشف عن تلاعب ضريبي ضخم ومخالفات مالية جسيمة في الشركة الصغيرة التي يديرها ماجد باسم أمه للتهرب من الديون. والمصيبة الأكبر، أن العقود والخصومات التي كانت سعاد تستولي عليها لحسابها الخاص طوال السنوات الماضية جعلتها مديونة لشركات توريد وفنادق أخرى بمبالغ طائلة لا تستطيع سدادها بعد أن تجمّدت حساباتها!

أما نورهان، فقد انقلبت حياتها رأساً على عقب؛ بعد فسخ خطبتها وجوازها من “عمر” وانتشار قصة الفضيحة والسرقة في الوسط التجاري بالإسكندرية، رفعت عائلة النويري دعوى قضائية لاسترداد كافة الهدايا والمبالغ والمصروفات التي أُنفقت بناءً على ادعاءات كاذبة من سعاد. نورهان أغلقت على نفسها الغرفة وقطعت علاقتها بأمها تماماً، محمّلة إياها مسؤولية خراب حياتها وضياع عريس الغفلة.

وفي يوم أربعاء داكن بالغيوم، وأنا أغادر مبنى الشركة الفخم في منتصف النهار برفقة زياد لنذهب لشراء مستلزمات مدرسته الجديدة، وجدتُ ماجد يقف عند ناصية الشارع.

كان شكله قد تغير تماماً في أيام معدودة؛ الذقن طالت، والبدلة التي كان يتباهى بها أصبحت مجعدة ومبتلة برذاذ المطر، وعيناه ممتلئتان بالانكسار الشديد.

عندما رآني أتقدم بثبات، ورأى زياد يرتدي ملابسه الجديدة وابتسامته تملأ وجهه، خطى خطوة نحونا وقال بصوت يرتجف:

* “سما.. زياد..”

وقف زياد خلفي واحتضن يدي بقوة، لكن دون خوف. نظرتُ لماجد بجمود وقلت:

* “عايز إيه يا ماجد؟ الأوراق اتسجلت والطلاق تم والفلوس رجعت.. مفيش حاجة بيننا تتفاوض عليها.”

نزل ماجد على ركبتيه على الرصيف، أمام الناس في الشارع، وقال بدموع حارقة:

* “أنا اتدمرت يا سما.. الشركة اتقفلت بسبب الضرائب، وأمي جايلها ضبط وإحضار في قضايا شيكات بدون رصيد، ونورهان سابت البيت ومشترية شقة إيجار وبترفض تتكلم معانا.. أنا خسرت كل حاجة في لحظة! خسرت شغل أمي، وخسرت ابني، وخسرتك أنتِ اللي كنتِ شايلاني وشايلاهم من غير ما أحس!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *