طليقي عزمني علي حفلة حكايات انجى الخطيب الاول
وقفت مكانها.
لكن لما عينيها وقعت على الأطفال…
وشها اتغير تمامًا.
إيدها ارتعشت.
الكوباية وقعت من إيدها.
واتكسرت على السلالم الرخام.
— “يا نهار أبيض…”
همستها خرجت بس بصوت عالي
آدم شد إيدي وبص لها.
وقال ببراءة:
— “ماما…”
وبعدين بص للحاجة نوال.
— “هي دي جدتي؟”
الست ما ردتش.
كانت بتبص للأربعة وكأنها شايفة شبح.
وفي اللحظة دي، بدأ باقي أفراد العيلة يخرجوا من جوه. ضباط كبار متقاعدين.قيادات عسكرية.
أقارب. أزواج وزوجات. وأصدقاء قدامى للعيلة.
كلهم كانوا متجمعين لعزومة ترقية محمود طلبقي
لكن أول ما دخلنا…
الصالة كلها سكتت.
حتى الموسيقى اللي كانت شغالة وطيت، وكأن المكان نفسه حس إن في حاجة غريبة بتحصل
دخلت وأنا ماسكة إيد مريم وليان.
أما آدم وعمر، فكانوا ماشيين جنبي.
وفي آخر الصالة… كان واقف محمود.
لابس الزي الرسمي.
واقف قدام المدفأة، وحواليه أفراد العيلة.
وبجانبه كانت واقفة ست جميلة اسمها داليا.
الست اللي كان ناوي يعلن خطوبته عليها في نفس الليلة. وفي إيده… كان ماسك علبة خاتم مفتوحة.
واضح إنه كان مستني اللحظة المناسبة عشان يركع قدامها.
لكن بمجرد ما عينه وقعت عليا…
ابتسامته اختفت.
وبعدين عينه نزلت على الأطفال.
واحد… اتنين… تلاتة… أربعة.
وشه بدأ يشحب. إيده ارتعشت.
داليا بصت له باستغراب. وقالت:
— “محمود… مين دول؟”
محمود فتح بقه.
لكن مفيش ولا كلمة خرجت.
أنا قربت خطوة.
وحطيت إيدي بهدوء على كتف ليان.
وبصيت له في عينه. وقلت:
— “كل سنة وإنت طيب يا عقيد.”
علبة الخاتم وقعت من إيده.
ودارت على الأرض لحد ما وقفت جنب حذائه العسكري.
والحاجة نوال رجعت خطوة لورا، وهي ماسكة في طرف الباب عشان ماتقعش.
بصيت لكل الموجودين في الصالة. وقلت بهدوء:
— “أنا قلت إن الوقت جه. سكت لحظة. وبعدين كملت:
— “الوقت جه إن عيلة عبدالرحمن تتعرف على أحفادها الأربعة…”
وشيّدت نظري ناحية محمود.
— “اللي اتقال لهم من تمان سنين إنهم عمرهم ما اتولدوا.”
صوت شهقة طلع من كذا شخص في نفس الوقت.
محدش كان فاهم. محدش قادر يستوعب.
لكن قبل ما حد يسألني…
آدم خرج من جنبي.
ومشى بخطوات صغيرة لحد ما وقف قدام محمود مباشرة. رفع راسه وبص له.
وببراءة الأطفال، سأله:
— “حضرتك هو بابا؟”
في نفس اللحظة…
اتفتح باب الاستراحة.
ودخل منه اتنين من رجال التحقيق العسكري اللي كانوا مستنيين بره.
وساعتها…
الصالة كلها سكتت تمامًا.
لأن السؤال البسيط اللي سأله آدم…
ماكانش مجرد سؤال طفل.
كان بداية كشف الحقيقة اللي محمود دفنها تمن سنين.
والحقيقة دي…
كانت أخطر بكتير مما أي حد في العيلة كان يتخيل.
#انجي_الخطيب
ساد صمت مرعب في القاعة، صمت أثقل من صوت محركات الهليكوبتر اللي كانت لسه بره. محمود اتسمر في مكانه، نظراته اتثبتت على آدم اللي واقف قدامه، لابس الجاكيت الكحلي وبتلمع في عينيه نفس النظرة الرمادية اللي محمود بيشوفها كل يوم في المراية.
إيد محمود ارتعشت، حاول ينطق، شفايفه تحركت بكلمات مش مسموعة، وتبدلت ملامحه من الصدمة للذهول المطلق. بص لآدم، وبعدين رفع عينه لسلمى، وبعدها للرجلين اللي دخلوا بالزي العسكري الكامل ووقفوا بثبات على يمين سلمى وشمالها.
واحد من الضباط أدّى التحية العسكرية لسلمى بصوت جاد هز الصالة:
— “يا فندم، القوة بره مأمنة المكان بالكامل، وأمر الضبط والإحضار الخاص بالعقيد محمود عبدالرحمن جاهز للتنفيذ.”
الكلمات نزلت زي الصاعقة على كل الموجودين. الحاجة نوال شهقت بصوت مكتوم، والدبوس الذهبي اللي كان على صدر محمود بدا وكأنه بيخنقه. داليا رجعت خطوتين لورا، وبصت لمحمود بذهول وقالت بصوت متقطع:
— “ضبط وإحضار؟! محمود… إيه اللي بيحصل هنا؟ مين الأجهزة دي؟ ومين الست دي وأولاد مين دول؟”
محمود ما ردش عليها، عينه كانت متثبتة على سلمى. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز ومبحوح:
— “سلمى… أنتِ بتعملي إيه؟ جاية في وسط أهلي وقياداتي تعملي مسرحية؟ طيارة… وضباط… وأطفال؟ أنتِ فاكرة إنك بالكدبة دي هتهدي اللي بنيته في تمان سنين؟”
سلمى ما تهزتش. قربت خطوة واثقة، وصوت كعب جزمتها كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع في الصالة. وقفت جنب آدم، وحطت إيدها على كتفه بهدوء، وبصت لمحمود بنظرة ثلجية مفيهاش ذرة ضعف.
— “كدبة؟”
قالتها سلمى بابتسامة صدمت الجميع، وبصوت مسموع للكل:
— “الكدبة يا عقيد… هي اللي أنت عشت فيها تمان سنين. الكدبة هي التقرير الطبي المزورة اللي أختك الدكتورة نهى عملته في المستشفى العسكري عشان تقنعك إني عقيم وما بخلّفش… بس الحقيقة اللي جاية عشانها أصعب بكثير من مجرد خلفة وأطفال.”
في اللحظة دي، خرجت الدكتورة نهى من بين الحضور، وشها كان أصفر زي الورق الميت، وجسمها كله بيرتعش. حاولت تتكلم وصوتها بيقطع:
— “سلمى… أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ أوهامك دي…”
سلمى قاطعتها بصوت حاد يقطع الناشف:
— “اثبتي مكانك يا نهى! التقرير اللي زورتيه من تمان سنين عشان تخلصوا مني، كان بداية خيط. محمود ما كانش يعرف إن التزوير ده ما كانش مجرد حيلة عائلية… محمود كان شريك معاكي في تغطية ق\ضية أعمق وأخطر بكتير.”
الصالة كلها حبست أنفاسها. اللواء المتقاعد، والد محمود، وقف وهو متكئ على عصايته وبص لسلمى بحدة وقال بصوت جهوري:
— “سيادة المقدم سلمى! أنتِ في استراحة عسكرية، وبتوجهي اتهامات لضابط كفء ولعيلتي… لو معندكيش إثبات، المسائلة العسكرية مش هترحملك تصرفك ده!”
سلمى شالت ملف أسود من إيد أحد الضباط اللي معاها، وفتحت أول صفحة فيه، وبصت للواء بهدوء:
— “الاتهام مش مجرد تزوير ملف طبي يا سيادة اللواء… محمود استغل منصبه في الإدارة العسكرية تمان سنين عشان يغطي على شبكة تزوير وثائق وتهريب مستلزمات طبية وأدوية كان أدق تفاصيلها بتعدي من تحت إيده لحساب أخته نهى والشبكة اللي معاها. والتقرير المزيف بتاعي… كان أول وثيقة رسمية محمود يمررها بختمه الشخصي عشان يحمي نهى من التفتيش، مقابل مبالغ اتدفنت في حسابات بره مصر.”
محمود وشها اسودّ، خطواته ترنحت للورا، وبص لأخته اللي انهارت وقعدت على الأرض بتعيط بانهيار ورعب.
آدم بص لمحمود تاني، وبصوت طفولي نقي يخلو من أي كره، سأله بنفس السؤال:
— “هو أنت بابا اللي ماما كانت بتقولنا إنه سافر بعيد؟”
السؤال كان كفيل إنه يكسر أي كبرياء في الصالة. محمود بص لآدم، ولأول مرة عينيه اتملت بالدموع. التفت لعيون الأطفال الأربعة… أربع نسخ منه، بنفس الغمازات والعيون الرمادية، واقفين بتمسك في أمهم وبشموخ مش بتاع أطفال في سنهم.
الضابط القادم مع سلمى قرب من محمود وطلع الكلبشات العسكرية:
— “العقيد محمود عبدالرحمن… أنت قيد التحفظ بناءً على قرار النيابة العسكرية والإدارة العامة للتحريات.”
محمود صرخ بصوت مكسور وهجم خطوة ناحية سلمى قبل ما الضباط يمسكوه:
— “سلمى! التمان سنين دول… الولاد دول ولادي؟ الأربعة دول ولادي أنا؟!”
سلمى بصت له بثبات وقالت كلمتها الأخيرة قبل ما تلتفت للباب:
— “دول ولادي أنا يا محمود… أنت اخترت تصدق الكدبة وتبيع، وأنا اخترت أحمي الحقيقة وأربي. والنهاردة… الحساب القديم والجديد اتقفل.”
صوت الكلبشات وهي بتقفل على إيدين محمود كان بيتردد في القاعة كلها وسط ذهول القيادات وبكاء أمه، بينما سلمى مسكت إيدين أولادها الأربعة، ومشت بثبات ناحية ساحة الهليكوبتر…
كان صوته وهو بيتقرجر لبره بيشق سكوت القاعة، إيديه مقفول عليها الكلبش ورا ضهره، وعينيه مش مفارقة أطفاله الأربعة. كان بيصرخ كأنه بيصحى من كابوس تمان سنين:
— “سلمى! كلميني! استني هنا! الولاد دول عيوني… دول شبهي يا سلمى! أرجوكي خليني ألمسهم بس! أرجوكي يا سلمى ما تحرمينيش منهم!”
لكن خطوات سلمى ما أترددتش لحظة واحدة. كانت متجهة مع أولادها ناحية الباب الخارجي، ووراها القاعة بتغلي زي البركان. الحاجة نوال جرت وراها على السلم الرخام، رجلها كانت بتخبط في قزاز كباية العصير المكسورة وهي مش حاسة بالوجع، ومسكت في طرف جاكيت سلمى العسكري وهي بتبكي بانهيار:
— “سلمى… يا بنتي أرجوكي استني! سامحينا يا بنتي… دول أحفادي؟ دول عيال محمود؟ تمان سنين انحرمنا منهم وبنقول مفيش عيل يحمل اسم العيلة؟ يا نهار أسود عليكي يا نهى… عملتي فينا إيه يا دكتورة الندامة!”
سلمى وقفت مكانها، ونزلت نظرتها لإيد الحاجة نوال اللي ماسكة في جاكيتها. بكل هدوء وثبات، شالت إيدها بالراحة، وبصت في عينيها المليانين دموع وندم:
— “تمان سنين يا طنط… تمان سنين كنتوا بتشربوا فيهم شاي في نفس القاعة دي، وأنا كنت بسهر بطول الليل بفرّق كمد الحرارة بين أربع أطفال في وقت واحد لوحدي. لما جيتلكم زمان أترجاكم تسمعوني، محمود رمى يمين الطلاق في وشي وأنتِ قفلتي الباب في وشي وقولتيلي ‘الورق بيقول إنك بور وما تلزمينامش’.. الحقيقة ما جاتش متأخرة يا طنط، الحقيقة جات في وقتها بالظبط.”
عمر شد إيد سلمى جامد، وبص للحاجة نوال بعيون رمادية واسعة، وسألها ببراءة توجع القلب:
— “أنتِ بتعيطي ليه يا طنط؟ هو عمو اللي خدوه ده عمل حاجة عيب؟”
الكلمة نزلت على الحاجة نوال زي الخنجر، صرخت وحطت إيدها على وشها وقعدت على السلم تبكي بحرقة وتضرب على صدرها، في الوقت اللي كانت الدكتورة نهى بياخدوها الضباط وهي بتصرخ وتتهم أخوها إنه كان عارف كل حاجة وشريك معاها. أما داليا، العروسة اللي كانت مستنية الخاتم، سابت العلبة المرمية على الأرض ومشيت بسرعة وهي بتبص للعيلة بنظرة قرف وصدمة.
خرجت سلمى للساحة الخارجية، وصوت هواء الهليكوبتر كان بيضرب في الوش والجو ساقعة. الأطفال كانوا ماشيين جنبها بثقة، كأنهم حاسين إن أمهم ردت لهم كرامتهم وحقهم في اللحظة دي.
بس قبل ما يوصلوا لدرج الطيارة…
صوت سرينة عربية شرطة عسكرية ثانية دخلت الساحة بسرعة جبارة ووقفت قدام سلمى بالظبط. نزل منها عميد في التحريات العسكرية، ملامحه جادة ومشفرة.
قرب من سلمى، وأدّى التحية العسكرية بسرعة وقدم لها جهاز اللاسلكي وهو بيقول بنبرة مشدودة:
— “سيادة المقدم سلمى… التحقيقات المبدئية والتحفظ على تليفون العقيد محمود والدكتورة نهى كشفوا حاجة خطيرة جدًا… العملية مش مجرد تزوير تقارير طبية وتغطية على شبكة تهريب أدوية.”
سلمى ضيقت عينيها وبصت له بتركيز:
— “في إيه يا فندم؟”
العميد قرب منها خطوة عشان الصوت ما يوصلش للأطفال، وقال بصوت واطي:
— “في ملف مسرب من إدارتك أنتِ بالذات من سنتين… ملف القضية الكبيرة اللي شغالين عليها. التسريب ده كان بيطلع من حساب بنكي متوصل بالشركة اللي أسستها نهى ومحمود. وفي اسم تاني كبير جدًا في الوزارة ظهر في المكالمات الأخيرة اللي تمت قبل ما تدخلي الحفلة بربع ساعة… الشخص ده أدى أمر حالًا بتجميد كل وثائق الأطفال الأربعة في السجل المدني!”
سلمى كزت على سنانها، وعينيها لمعت بغضب حاد، ورفعت اللاسلكي لإيدها وقالت بثبات يهد جبال:
— “يفتكروا إنهم يقدروا يمسحوا وجود ولادي بالورق؟ جهزلي القوة فورًا يا فندم… احنا مش راجعين الإدارة، احنا طالعين على المكان اللي فاكرين نفسهم متداريين فيه.”
التفتت سلمى فورًا للنقيب مي الشاذلي اللي كانت نزلت من الهليكوبتر وجريت عليها. مسكت سلمى إيد مي وقالت بصوت قاطع لا يقبل النقاش:
— “مي… تأمني الولاد بنفسك. الهليكوبتر ترجع بيهم فورًا على مقر الوحدة، وتدخلي معسكراً مقفولاً عليهم تحت حراسة خاصة من رجالتي… محدش يلمس شعرة منهم ولا يقرب من السجل المدني لحد ما أرجع.”
آدم مسك في طرف جاكيت سلمى وعينيه الرمادية فيها قلق:
— “ماما… أنتِ رايحة فين؟ مش هنرجع سوا؟”
نزلت سلمى على ركبتها قدامه، وبست راسه وراس عمر ومريم وليان، وابتسمت بنبرة دافية مطمنة:
— “ساعة واحدة يا حبيبي… رجعة لكم فورًا. ماما رايحة تجيب باقي حقكم اللي افتكروا إنهم يقدروا يسرقوه.”
وقفت سلمى بثبات، وبصت للعميد اللي واقف جنب عربية الشرطة العسكرية المصفحة، وقالت له:
— “يلا يا فندم… طالعين على التجمع الخامس.”
في الطريق، كانت السرينات بتشق الشوارع، وعربيات الحراسة محاوطة المصفحة من كل اتجاه. سلمى كانت قاعدة جنب الشباك، ماسكة تليفونها المشفر وبتتابع حركة السيرفرات والتسريبات بنفسها. العميد بص لها وقال بوجوم:
— “اللواء رضا الغندور… مستشار الأمن القطاعي. اسم كبّار وورا هيبة مالهاش حدود. هو اللي كان حامي نهى ومحمود في كل عمليات التهريب، ولما حس إن محمود وقع وممكن يكرّ قدام التحقيقات العسكرية، أدّى أمر فوري لمصادرة ملفات السجل المدني عشان يلغي نسب الولاد رسمياً، ويطلعك أنتِ قدام القيادات مجنونة أو بتدّعي نسب أطفال مش عيال محمود!”
سلمى ابتسمت ابتسامة حادة زي المشرط، ورفعت حجبها بثقة:
— “هو فاكر إن جرة قلم في السجل المدني هتخفي أربع بني أدمين عايشين وموجودين؟ الغندور افتكر إنه لما يمسح الورق من السيستم هيحمى نفسه… بس هو نسي إن اللي عملت السيرفرات وتتبعت الحسابات دي كلها هي الوحدة بتاعتي أنا.”
بعد نص ساعة، وقفت المصفحات بفرامل قوية قدام بوابة فيلا فخمة ومحاطة بكاميرات مراقبة وحراسة شديدة في منطقة هادية. الحراس بره اتفاجئوا بقوات التحريات والأمن الوطني بتنتشر في الساحة وبتطوق السور بالكامل.
حارس البوابة حاول يرفع إيده ويمنع القوة:
— “أنتوا رايحين فين؟! دي فيلا سيادة اللواء رضا! معندكوش إذن تدخلوا هنا!”
سلمى نزلت من العربية، وخطت خطوة واثقة نحو البوابة وهي بتشاور للضباط بفرقعة صوابع، الضباط دفعوا البوابة بكل قوتهم ودخلوا، وسلمى كملت طريقها للداخل وهي بتقول ببرود:
— “إذن النيابة العسكرية بيفتح أجدعها باب يا كابتن… ابعد عن طريقي.”
طلعت السلم الخارجي ودخلت صالون الفيلا الفخم. كان اللواء رضا الغندور قاعد على كرسيه الجلد العريض، ماسك كباية سيجار في إيد والموبايل في الإيد التانية، وملامحه فيها ثقة متكبرة كأنه مستني وصولهم.
بص لسلمى بنظرة استعلاء وقال بابتسامة خبيثة:
— “أهلاً يا سيادة المقدم… فاكرة نفسك في الإدارة العامة للتحريات هتفردي عضلاتك عليا؟ جاية بزيّك العسكري تقتحمي بيتي؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا سلمى؟”
سلمى قربت من مكتبه، وحطت إيدها الاثنين على الخشب الأرو الفاخر، ووطت بشرها وقربت من وشّه:
— “أنا مانسيتش نفسي يا سيادة اللواء… بس أنت اللي نسيت إن نهى، أخت محمود الدكتورة، كانت أدى منك في التفكير… وكانت خايفة منك ومن غدرك.”
رضا اختفت ابتسامته تدريجيًا، والسيجار بين صوابعه ثبت في الهواء.
كملت سلمى بصوت واطي ومسموم:
— “نهى ما كانتش بتشغل شبكة التهريب والتزوير لحسابك ببلاش… نهى كانت سجّلت كل مكالمة، وكل أمر تحويل بنكي، وكل أمر مسح بيانات بعتّهولها على تليفونها الشخصي… والتليفون ده حالاً مع رجالتنا في المعمل الجنائي بيفرغوا كل حاجة عليه. وأمر تجميد السجل المدني للولاد اللي أديته من نص ساعة؟ كان القشة اللي قطمت ضهرك رسمياً لأن المكالمة اتسجلت بالصوت والصورة من سيستم الإدارة عندي.”
في اللحظة دي، تليفون رضا المكتبي رن. إيده ارتعشت وهو بيمدها عشان يرد. رفع السماعة، وسمع صوت رئيس النيابة العسكرية بيكلمه بنبرة قاطعة:
— “سيادة اللواء رضا الغندور… أنت موقوف حالاً عن العمل، وقوة الحراسة اللي عندك مأمورة بتسليمك فوراً للإدارة العامة للتحريات العسكرية.”
السماعة وقعت من إيد رضا، وشحوب الموت غطى وشه. التفت لسلمى وهو مش مصدق إن الإمبراطورية اللي بناها في سنوات اتكشفت في سويعات.
أما سلمى، فرفعت راسها بثبات، وعدلت جاكتها العسكري، وقالت له وهي بتبص له بقرف:
— “الورق اللي حبست بيه ولادي تمان سنين… هو نفس الورق اللي حط الكلبش في إيدك النهاردة.”
ودار الضباط حوالين رضا وحطوا الكلبشات في إيده، وفي نفس اللحظة جيلها إشعار على تليفونها من مي:
— “يا فندم… الولاد في أمان في الوحدة، وفي ضابط من السجل المدني وصل حالاً بقرار فوري لإعادة توثيق شهادات ميلادهم الرسمية باسم محمود عبدالرحمن وباعتبارك الولية الطبيعية عليهم.”
سلمى اتنفست بعمق، وخرجت من الفيلا وهي حاسة إن الهواء الساقع بيغسل أخيرًا وجع التمان سنين… لكن أول ما خرجت للساحة، لقيت عربية نقل جنود تانية واصلة، ونزل منها ضابط برتبة نقيب، جري عليها ومسك ملف أحمر ومهموس:
— “سيادة المقدم… محمود طلب يتكلم معاكي من المحبس… وبيقول إن في سر تاني تخص العيلة، لو ما عرفتيهوش حالاً… حياة واحد من أطفالك الأربعة هتكون في خطر!”
حكايات انجى الخطيب
