حكايات بسمه

الفصل الأول السر
جلست حماتي على الكرسي، وبدت عليها علامات التعب والانكسار، وكأن الجملة اللي قالتها أخرجتها من مكان كانت تختبئ فيه سنين طويلة. كل العيلة كانت ساكتة، النظرات تتنقل بيني وبينها وبين جوزي، ولا حد يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط.
قالت بصوت مهزوز إنت يا ولدي كنت عاوزك تسيبها بإرادتك، من غير ما أكون أنا اللي أقوللك كلمة تضايقك أو تزعل مني. كنت فاكرة إنك لو شفتها مش بتتغير، ومش بتعمل اللي أنا بوصيها بيه هتمل منها وتبعد بنفسك. فكنت بجيب لها أشياء صغيرة، وأقول لها تخسي عشان تضغط على نفسها، وتحس إنها مش كويسة بما فيه الكفاية وتبدأ تحاول تغير نفسها عشانك. ولو ما غيرتش كنت فاكرة إنك هتمل وتسيبها من نفسك.
قلت بصوتي اللي كاد يختفي وعشان كده؟ عشان إنتِ مش عاوزاني زوجة لابنك؟
بصت لي شويه، وبعدين خفضت بصرها وقالت مش إني مش عاوزاكي بس أنا كنت وعدت غيرك.
هنا جوزي قاطعها بلهفة وعدتِ مين يا أمي؟ إيه الكلام الفاضي ده؟
تنهدت بعمق، وكأنها بتستعد لتفضح أسرارًا دفنتها

موقع أيام نيوز

سنين وعدت أبوك قبل ما ېموت. وقبل ما ېموت بوقت قصير، كان بينا كلام طويل. قال لي إنه عاوزك تتجوز بنت صديقه القديم، البنت اللي كانت معاكم في المدرسة زمان سارة. قال لي إنها بنت أصل ونسب، وإن أبوها هيساعدك في شغلك، وإن الجوازة دي هتكون في مصلحتك كلها. وأنا وعدته وعدته قدام وجهه الأخير، إني أعمل كل اللي في وسعي عشان تتم الجوازة دي.
سارة الاسم ده كنت أسمعه من وقت للتاني. كنت أعرف إنها كانت صديقة قديمة لجوزي، وإن أهاليهم كانوا بيتمنوهم لبعض. لكن جوزي كان دائمًا يقول لي إنها مجرد صديقة، وإن ما بينهم شيء أبدًا. وكنت أصدقه.
قلت وعشان وعدة لزوجك حاولي تدمرين حياتي أنا؟ وتجعليني أحس إنني ناقصة، إنني مش كويسة، إنني لازم أتغير عشان أرضاكِ؟ سنتين يا سيدتي سنتين وأنا أتعرض للإهانة بالمقاسات والهدايا اللي ما تلبسها إلا عروسة صغيرة في السن. وكل ده عشان وعدة؟
رفعت حماتي رأسها بسرعة، وكأنها وجدت مبررًا لما فعلته أنا كنت خاېفة عليه! كنت عاوزاله الأفضل! سارة أبوها غني، وهتفتح له أبواب ما تفتحش بغير فلوس ونفوذ. وأنتِ وأنتِ يا بنتي ما معكيش حاجة. وأهلك بعيدين. وكنت خاېفة إنك تضرّه من غير قصد!
هنا جوزي قام فجأة، وصړخ بصوت عالٍ لم أسمعه من قبل كفاية! كفاية كلام يا أمي! يعني كل ده كان مخطط؟ كل اللي مرّت بيه من إهانة وإحراق قدام الناس كلهم كنتِ بتعمليه عشان تخليني أسيبها؟ عشان وعدة لما ماټ؟ وأنا كنت أصدق إنك بتهزر!
دموعه نزلت لأول مرة أشوفه يبكي. بص لي نظرة مليئة بالندم والذنب، وقال سامحيني سامحيني يا حبيبتي، أنا ما كنت أعرف. صدقيني ما كنت أعرف. كنت فاكرها فعلا بتهزر. ما توقعتش تصل لدرجة كده أبدًا.
بصيت له وأنا مش عارفة أرد عليه. كنت حزينة، ومصډومة، ومش عارفة أصدق حد. العيلة اللي كانت موجودة في الصالة سكتة تمامًا، كل واحد باصص على التاني، ولا حد يتكلم. الكلام ده كان كبير، وأكبر من قدرة أي واحد على استيعابه في لحظة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *