لو نفسك منى السيد الثاني والاخير
أحمد رفعه راسه بسرعة، مسح عينيه بإيده واستجمع قوته بالعافية، وطبطب على راس مريم وقالها:
— لا يا حبيبتي… بابا مش بيعيط، بابا بيستوعب بس. روحي جوة أوضتك يا مريم دلوقتي يلعب باللعب بتاعتك.
مريم بصتلي، أنا هزيت لها رأسي بمعنى روحي، ومسكت إيدها ودخلتها الأوضة وقفلت الباب بالراحة. لما رجعت الصالة، لقيت الوضع اتغير. أحمد ما كانش منكسر زي من شوية، كان فيه نظرة جديدة في عينيه… نظرة راجل ما بقاش عنده حاجة يخسرها.
أحمد بص لأمه وقال بصوت هادي جدًا، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ:
— ماشي يا أمي. سامح كاتب عليا شيكات على بياض، وإنتِ فرحانة ومبسوطة إن ابنك البكر بيلوي دراع ابنك الصغير. تمام. إحنا مستنيين سامح لما ييجي. مش هو فاضل له ساعة وييجي؟ خلونا قاعدين ومستنيين.
حماتي ارتبكت من هدوء أحمد، كانت فاكراه حيعيط أو يتوسل لها عشان تتدخل عند سامح وما يرفعش الشيكات. وقالت بتوتر:
— إيه؟ هتستنى إيه؟ إنت فاكر إنه هيخاف منك؟ سامح جاي وياخدني من هنا، وإنت ترجع لعقلك وتديني الورق اللي مع جمالات ده تحرقه قدامي، ساعتها بس هخلي سامح يسلمك الشيكات ونسامحك على اللي عملته النهاردة!
جمالات ضحكت وقالت:
— تحرق الورق؟ ده إنتِ بتحلمي يا أم سامح! الورق ده مش هيتحرق، ده صورة طبق الأصل، الأصل محفوز في مكان أمين محدش يعلم بيه غير ربنا وأنا! والورق ده هو اللي هيطير رقبتكم إنتِ وابنك!
في اللحظة دي، خبط جامد على باب الشقة. الخبط كان متوتر وسريع، كأن اللي برة بيهد الباب.
أحمد قام ببطء، مشى ناحية الباب وفتحه.
كان سامح.
سامح دخل الشقة ووشه جايب ألوان، العرق نازل على جبهته رغم إن الجو ما كانش حر. كان باين عليه الخوف والاضطراب. بص لأحمد، وبعدين بص لجمالات اللي كانت واقفة مربعة إيدها، وبعدين بص لأمه.
سامح نطق بصوت عالي وهو بيحاول يفرض سيطرته:
— إيه الجنان اللي بيحصل هنا ده؟ إنتِ إيه اللي جابك يا جمالات؟ جاية بعد السنين دي كلها عشان تعملي فتنة بين الأخوات؟ وأنت يا أحمد… إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله في التلفون ده؟ تزوير إيه ونيابة إيه؟ إنت اتجننت؟
أحمد ما ردش بشرة، وقف وسد طريق الصالة، وبصلو بمنتهى الثبات وقال:
— أهلاً يا سامح. اتفضل أدخل. كنت مستنيك عشان تحل الفزورة دي. أمك بتقول إنك كاتب عليا شيكات على بياض من أربع سنين، وإنك جنيت عليّ وخليتني أوقع على إقرارات دين عشان لو طلبت بحقي في ورث أبويا تلبسني قض..ية وتوديني السجن. الكلام ده صح يا أخويا الكبير؟
سامح اتلعثم، وبص لأمه بعتاب شديد وكأنه بيلومها إنها كشفت السر، وقال متوتر:
— شـ… شيكات إيه؟ أمك بتقول أي كلام عشان كانت زعلانة منك! أنا أعمل فيك كده يا أحمد؟ ده إنت أخويا الصغير!
جمالات اتكلمت بصوت عالي:
— بلاش تمثيل يا سامح! الوش ده حافظاه كويس من أبوك الله يرحمه ومن أمك! الكذب في دمكم! اخلص وقول للراجل إنت ناوي على إيه، عشان أصل العقود الحقيقية اللي معاها إعلام الوراثة المزيف المكتوب باسمك جاهزة تنزل للنيابة بكرة الصبح!
سامح مسح العرق من على وشه، وبص لجمالات بغضب:
— إنتِ تسكتي خالص! ما تدخليش بيني وبين أخويا!
وبعدين بص لأحمد وقرب منه، وغير نبرة صوته لنبرة هادية ومخادعة:
— أحمد… يا حبيبي، تعالى نتكلم في الأوضة جوة لوحدنا. بلاش الكلام قدام الحريم. الحريم هما اللي بيخربوا البيوت. تعالي نتفاهم يا أخويا.
أنا اتدخلت وقلت بصوت حاسم:
— لا يا سامح! مفيش كلام في الأوضة لوحدكم! الكلام كله هيبقى هنا وقدام الكل! أحمد ما بقاش أعمى، وأنا مش هسيبك تستفر بيه تاني وتضحك عليه بكلمتين حنينين!
سامح بص لي بغل وقال:
— إنتِ تسكتي خالص! إنتِ السبب في كل ده! من يوم ما دخلتي العيلة دي وإنتِ شايلة الغل والكره لمراتي ولابني، والنهاردة طالعة تعملي مشكلة عشان شوية جمبري أمه كانت رايحة تديه لابني؟!
أحمد صرخ بصوت هز جدران الشقة، وصوته كان مليان غضب سنيين مكتوم:
— الشتيمة في مراتي خط أحمر يا سامح! مراتي دي هي اللي كانت بتستحمل أمك وطلباتها وقرفها ست سنين كاملين! مراتي دي هي اللي كانت بتدبر قرشين البيت عشان أعرف أدفع علاج أمك وأدويتها اللي إنت ما دفعتش فيها جنيه واحد! مراتي دي هي اللي حارمة بنتها من الأكل الغالي والفاكهة عشان أمك تخبيه وتديه لابنك! بلاش تتكلم عن المبادئ والأخلاق وإنت لابس عباية التزوير والنصب!
سامح وشّه اسودّ، وفهم إن المحايلة مش هتجيب نتيجة مع أحمد. ملامحه اتغيرت وشخصيته الحقيقية ظهرت، وقف بشر وقال:
— ماشي يا أحمد… طالما جادد في كلامك ومش عايز تتراجع، أه… الشيكات معايا! ومعايا إقرار منك بدين بقيمة أربعمائة ألف جنيه، موثق ببصمتك وتوقيعك! لو سمعت صوتك تاني أو حاولت ترفع قض..ية تزوير على ورث أبويا، الشيكات دي هتبقى في المحكمة تاني يوم، وهتترمي في السجن وهتسيب مراة وبنتك يلفوا على الأبواب! وريني بقى هتنفعك إزاي السبعة وثمانين ألف جنيه بتوع نصيبك في المحل والأرض لما تبقي محبوس!
الصمت نزل على المكان تاني. حماتي ابتسمت بنصر، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
لكن أحمد ابتسم… ابتسامة غريبة جدًا. ابتسامة راجل كشف كل الكروت.
أحمد طلع موبايله من جيبه، وحطه على الترابيزة قدام سامح.
الموبايل كان بيسجل.
أحمد قال ببرود شادد:
