قصة خريف بقلم الكاتبه منال عباس الاول

قصة خريف بقلم الكاتبه منال عباس روايه حصريه

الاول

خريف كانت واقفة قدام قسم الشرطة في وسط القاهرة ماسكة الشنطة القماش القديمة بتاعتها بإيد وورقة الأسماء بالإيد التانية وهي حاسة إن رجليها مش شايلينها من التوتر

العربية السودا الفخمة وقفت قدامها وسط دهشة كل اللي واقفين

الباب اتفتح ونزل منه راجل طويل لابس بدلة شيك بشكل يخوف من كتر ما هو أنيق

بص للصورة اللي على موبايله وبعدين بص عليها

ـ انتي خريف محمود؟

بلعت ريقها وقالت بصوت واطي

ـ أيوه

وفجأة الباب الخلفي اتفتح ونزل منه شاب لابس كاب أسود ونضارة وهو بيجري ناحيتها

ـ أخيرًا لقيناكي!

اتجمدت خريف مكانها

الشاب حضنها فجأة وهو بيضحك ودموعه نازلة

ـ والله العظيم لقيناكي أخيرًا

الضباط بصوا لبعض باستغراب

أما خريف فكانت واقفة مش فاهمة أي حاجة

الراجل اللي لابس البدلة قرب منها وقال بهدوء

ـ أنا ياسين أخوكي الكبير

وبص للشاب التاني

ـ وده كريم

خريف فضلت ساكتة ثواني طويلة

وبعدين قالت

ـ يعني… أنتم فعلًا إخواتي؟

كريم هز راسه بسرعة

ـ طبعًا

ـ طب إزاي؟

تنهد ياسين وبص بعيد شوية

ـ لأننا بندور عليكي من سنين

الكلمات وقعت عليها كأنها صاعقة

ـ بتدوروا عليا؟

ـ من يوم ما عرفنا الحقيقة

حست إن الدنيا كلها بتلف حواليها

أمها طول عمرها كانت بتقول إنهم نسيوهم

إنهم اختاروا الفلوس والحياة الكبيرة

لكن اللي قدامها دلوقتي بيقول حاجة تانية خالص

ركبت معاهم العربية وهي مش مستوعبة أي حاجة

الراجل اللي كان بيحاول يعاكسها قدام القسم فضل واقف فاتح بقه من الصدمة وهو شايفها راكبة عربية تمنها ممكن يشتري عمارة كاملة

العربية اتحركت وسط شوارع القاهرة

وخريف كانت باصة من الشباك وهي حاسة إنها دخلت عالم تاني

بعد نص ساعة وصلوا قدام برج ضخم جدًا في التجمع الخامس

رفعت راسها لفوق وهي مش شايفة آخره

ـ ده بيتكم؟

كريم ضحك

ـ لا

ـ أمال إيه؟

ـ ده مقر الشركة

خريف حست إن قلبها هيقف

دخلوا المبنى

كل الموظفين كانوا بيقفوا أول ما يشوفوا ياسين

لحد ما وصلوا لمكتبه

مكتب أكبر من بيتها كله

قعدت على الكنبة وهي حاسة إنها تايهة

ياسين فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم

حطه قدامها

ـ شوفي

فتحت الملف بإيد مرتعشة

وكانت الصدمة

صور

عشرات الصور

بنت صغيرة

في مراحل عمر مختلفة

في المدرسة

قدام البيت

في الشارع

حتى صورة ليها وهي راجعة من السوق من حوالي سنة

رفعت عينيها بصدمة

ـ دي صوري أنا

ـ أيوه

ـ جبتوها منين؟

رد كريم

ـ لأننا عمرنا ما وقفنا ندور عليكي

الدموع لمعت في عينيها

ـ بس أمي قالت…

سكتت

ياسين نزل عينيه للأرض

ـ إحنا عرفنا بوجودك متأخر

متأخر جدًا

ولما عرفنا حاولنا نوصل ليكي لكن كل الطرق كانت مقفولة

خريف حست إن قلبها بيدق بعنف

وبعدين افتكرت حاجة فجأة

ـ استنوا

أنتم اتنين

فين أخويا التالت؟

كريم ابتسم فجأة

ـ غالبًا في مصيبة دلوقتي

وفي نفس اللحظة باب المكتب اتفتح بقوة

ودخل شاب وسيم بشكل ملفت لابس جاكيت جلد ونزل النضارة من على عينه

وبمجرد ما شاف خريف وقف مكانه كأنه شاف شبح

بص لها ثواني طويلة

وبعدين قال بصوت مخنوق

ـ مستحيل

خريف قامت واقفة وهي باصة له

أما هو فبدأت الدموع تلمع في عينيه

وقال الجملة اللي خلتها تتجمد مكانها

ـ دي شبه ماما بالظبط… كأنها رجعت للحياة تاني… بقلم منال عباس
خريف فضلت باصة له وهي مش قادرة تنطق

أما هو فقرب منها خطوة وملامحه كلها كانت متلخبطة بين الفرحة والصدمة

مد إيده ناحية وشها كأنه مش مصدق إنها حقيقية

ـ انتي خريف بجد

هزت راسها ببطء

وفجأة حضنها بقوة

ـ أخيرًا

خريف كانت واقفة متجمدة

عمرها ما اتحضنت بالشكل ده من حد غريب

لكن الغريب إنه ماكانش غريب

كان أخوها

أخوها اللي عمرها ما شافته

بعد شوية بعد عنها وهو بيمسح دموعه

ـ أنا آدم

ابتسم كريم

ـ وأخيرًا شرفتنا يا نجم

آدم رد عليه من غير ما يبصله

ـ اسكت دلوقتي

أنا مستني اللحظة دي من سنين

بص لخريف تاني

ـ انتي جعانة

استغربت السؤال

ـ شوية

ـ يبقى مفيش كلام قبل الأكل

خلال ساعة واحدة كانت قاعدة في مطعم فاخر عمرها ما تخيلت تدخله

كل حاجة حواليها كانت غريبة

الأطباق

الناس

الديكور

حتى الأكل نفسه

كانت بتحاول تاكل بالشوكة والسكينة بصعوبة

لحد ما كريم ضحك

ـ كلي براحتك

احنا مش في امتحان

احمرت وشها ونزلت عينيها للأرض

لكن آدم ابتسم

ـ سيبها على راحتها

وبعدين بص لخريف

ـ محدش هيحكم عليكي هنا

انتي وسط أهلك

الكلمة لمست قلبها بطريقة غريبة

أهلك

أول مرة حد يقولها الكلمة دي وتحس إنها حقيقية

بعد العشا خرجوا

وخريف افتكرت إنها راجعة فندق أو أي مكان مؤقت

لكن العربية وقفت قدام قصر ضخم

قصر حقيقي

بجنينة كبيرة وسور عالي وبوابة إلكترونية

خريف بصت للمكان بذهول

ـ ده بيت مين

ياسين رد بهدوء

ـ بيتنا

قلبها وقع

ـ بيتكم

ـ ومن النهاردة بيتك انتي كمان

دخلت وهي حاسة إنها بتحلم

الخدم كانوا واقفين يستقبلوهم

والكل كان بيبصلها باستغراب

طلعوا للدور التاني

ووقفوا قدام أوضة كبيرة

فتح آدم الباب

ـ دي أوضتك

دخلت ببطء

كانت أكبر من البيت كله اللي عاشت فيه مع أمها

سرير ضخم

تليفزيون عملاق

دولاب أكبر من أوضتها القديمة

خريف لفت حوالين نفسها وهي مش مستوعبة

وفجأة عينيها وقعت على صورة فوق الكومود

قربت منها

وكانت الصورة لست جميلة جدًا

ابتسامتها هادية وملامحها دافية

خريف بصتلهم

ـ دي مين

ساد الصمت فجأة

وكريم نزل عينه للأرض

أما آدم فاتغيرت ملامحه

وياسين أخد نفس طويل

وقال بهدوء

ـ دي مرات أبونا

خريف استغربت

ـ يعني مش أمي

ـ لا

ـ وأمي فين صورتها

الصمت رجع تاني

المرة دي أطول

وبعدين قال ياسين بصوت منخفض

ـ لأن حد في البيت ده كان رافض وجود أي حاجة تخص أمك

خريف حست بقشعريرة جريت في جسمها

وقبل ما تسأل أي سؤال تاني

سمعوا صوت كعب عالي جاي من آخر الممر

وصوت ست بيقول بعصبية

ـ سمعت إن البنت وصلت

ثم ظهرت سيدة أنيقة عند باب الأوضة

بصت لخريف من فوق لتحت

وبعدين ابتسمت ابتسامة خلت خريف تحس بعدم ارتياح فورًا

وقالت

ـ أخيرًا شفت البنت اللي قلبت البيت كله من ساعة ما ظهرت فجأة…بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *