لو نفسك منى السيد الثاني والاخير
الفصل الثالث والأخير
السكوت اللي ساد في الصالة بعد كلمة حماتي كان أتقل من الجبل. الكلمة كانت نازلة كأنها كرباج اترسم على وش أحمد. شيكات؟ ضمانات؟ إزاي وفيين ومتى؟ أحمد وقف زي الصنم، إيده اللي ماسكة ورق الورثة بدأت ترتعش بجد، مش من الخوف، لكن من هول الصدمة. الإنسان لما يتغدر بيه من غريب بياخد حذره، لكن لما الغدر ييجي من إيد أمه وأخوه اللي من دمه، الضربة بتهد الحيل وما بتسيبش حتة سليمة.
حماتي وقفت في نص الصالة، وشها اللي كان دبلان من شوية تحول لملامح فيها الشماتة والتحدي، ربعت إيدها وبصت لأحمد بمنتهى القسوة وقالت:
— فاكر نفسك كبرت وبقى ليك صوت يا أحمد؟ فاكر إن شوية ورق أصفر جابتهم العقربة دي هيخلوا ليك كلمة عليا وعلى أخوك؟ سامح ده سيدك وسيد العيلة دي كلها، ومن سنين وهو عامل حسابه لليوم ده. لما جالك من أربع سنين وقالّك تعالى اشترك معايا في شركة التوريدات الصغيرة وخلّاك تتطلع على أوراق وتوقع بصفتك الشريك الموصي، الورق اللي وقّعت عليه ما كانش ورق شراكة بس يا روح أمك! كان فيه شيكات على بياض وإقرارات دين بمبالغ تتمنى تشوفها في حلمك!
أنا حسيت إن الأرض بتدور بيا. مريم بنتي كانت لسه مستخبية ورا ضهر أحمد، ماسكة في بنطلونه بإيدها الصغيرة وبتعيط بصوت مكتوم وهي مش فاهمة إيه بيحصل، بس حاسة بالخطر اللي مالك المكان. أنا قربت من أحمد، مسكت دراعه بقوة وقلت بصوت بيترعش بس حاول يكون صلب:
— أحمد… بتبصلها كده ليه؟ الكلام ده مش صح… أكيد بتخوفك عشان تتراجع! افتكر إنت وقّعت على إيه وقتها!
أحمد غمّض عينيه بوجع، وغمزاته ظهرت من كتر ما كان ضاغط على سنانه. رجع بالذاكرة لأربع سنين فاتوا، ونطق بصوت مبحوح كأنه طالع من بير ملوش قاع:
— يومها… يومها سامح جالي الورشة، وكان جايب معاه أكل وعامل فيها الأخ الحنين. قال لي يا أحمد أنا عايز أوسع شغلي، وفيه مناقصة مستلزمات طبية محتاجة شركاء عشان الشروط، وقدم لي ملف أوراق كتير وقال لي بس بصم إيدك وهيصة، دي أوراق إدارية مش هتغرمك مليم، ده مجرد توثيق إن العيلة متضامنة… وأنا… أنا وقتها كنت أعمى، كنت فاكر أخويا الكبير بيفتح لي باب رزق أو حتى بيشاركني في نجاحه… ووقعت وبصمت على أوراق كتير من غير ما أقرا حرف واحد!
حماتي ضحكت بصوت عالٍ ضحكة رنانة ماليها الغل:
— ورجلت يا حبيبي! بصمت ووقعت! وسامح شال الشيكات دي في السيف عنده في البيت، قال لي يا أمي عشان لو أحمد في يوم من الأيام اتفرعن ولا مراته عفرتته علينا، نعرف نوقفه عند حده ونرجعه حجمه الطبيعي! أها، اديك شفت حظك بقى… لو حركت خطوة واحدة ناحية النيابة بالورق ده، سامح هيروح بكرة الصبح يرفع الشيكات دي في المحكمة، وتلاقي نفسك لابس قض..ية تبديد وحبس مش أقل من سبع سنين! ساعتها بقى خلي العباية السودة والست جمالات ينفعوك!
جمالات وقفت من على الكنبة، وبصت لحماتي بنظرة احتقار شديدة، وضربت كف بكف وقالت:
— يا ساتر يا رب! إيه الغل ده كله؟ إيه القلب الأحجر ده؟! بقى أم تبطّن لأبنها مصيبة وتفرح فيها عشان خاطر ابن تاني؟ إنتِ إيه يا شيخة؟ إنتِ إبليس يتعلّم منك! بس وحياة طول عمري اللي ضاع بعيد عن العيلة دي، مش هسيبك تمشي مخططك القذر ده على أحمد!
أحمد بصلهم هما الاتنين، كان منظره يقطع القلب. الراجل اللي اشتغل ليل ونهار، اللي كان بيصحى من ستة الصبح عشان يروح شغله، ويرجع بالليل يشتغل شغلانة تانية عشان يسدد مصاريف علاج أمه ومصاريف بيته، الراجل اللي ما رفضش لأمه طلب في يوم، يكتشف إنه كان مجرد لقمة سايغة في بق أمه وأخوه، بيستغلوه ويجهزوله المشنقة في أي وقت يقرر فيه يطالب بحقه!
أحمد قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه. المنظر كان صعب. مريم قربت منه وحطت إيدها على ركبته وقالت:
— بابا… إنت بتعيط؟
