فى يوم زفافى

كان أبي.
أجبت.
سارة أين أنتِ؟
في مكان آمن يا أبي.
الفندق اتصل بنا. حمزة يقول إنكِ اختفيتِ فجأة!
صمتُّ لحظة.
ثم قلت
أبي، هل تثق بي؟
لم يتردد.
أكثر من أي شيء.
إذن لا تذهب إلى الفندق الآن.
لماذا؟
لأن الليلة لن تكون ليلة زفافي.
سكت أبي.
ثم سأل بصوت منخفض
ماذا فعل حمزة؟
ابتسمت رغم أن عيني امتلأتا بالدموع.
ليس السؤال ماذا فعل حمزة يا أبي.
إذن ماذا؟
السؤال الحقيقي هو ماذا كان يفعل طوال الاثني عشر عاماً؟
في الجهة الأخرى من المدينة
كان حمزة يقف وسط قاعة الفندق.
ثلاثمائة ضيف.
أقارب.
أصدقاء.
رجال أعمال.
صحفيون.
ومئات الزهور التي اختارتها سارة بنفسها.
لكن العروس لم تكن موجودة.
كانت ندى تجلس في مقدمة القاعة.
في مكاني.
بالفستان الأبيض.
وحين بدأ الناس يتهامسون، وقف حمزة أمام الميكروفون.
أرجوكم سارة تمر بحالة انفعالية. كانت متوترة طوال الفترة الماضية.
ثم ضحك ضحكة صغيرة مصطنعة.
تعرفون النساء قبل الزفاف
ضحك بعض الرجال.
لكن لم يضحك أحد من عائلة سارة.
كانت أمها واقفة في آخر القاعة.
تحدق فيه بوجه شاحب.
فجأة
دخل أحد الموظفين مسرعاً.
اقترب من حمزة وهمس في أذنه.
تغير وجه حمزة بالكامل.
ماذا قلت؟
السيارة عادت.
أي سيارة؟
الرولز رويس.
وماذا عنها؟
لا أحد فيها.
ثم أعطاه هاتفاً.
على الشاشة كانت هناك صورة.
صورة للرولز رويس متوقفة أمام باب الفندق.
وفوق المقعد الخلفي
كان هناك ظرف أسود.
كتب عليه
إلى حمزة. افتحه أمام الجميع.
ابتلع حمزة ريقه.
من وضع هذا؟
السائق.
أين السائق؟
اختفى.
في الشقة
كنت أقف أمام المرآة.
لم أعد أرتدي فستان الزفاف.
ارتديت بدلة سوداء بسيطة.
جمعت شعري.
وأخذت الملف.
فتحته.
في الصفحة الأولى كانت هناك صورة حمزة.
وفي الصفحة الثانية
صورة ندى.
وفي الثالثة
كشف حساب مصرفي.
ثم عقود.
ثم تحويلات مالية.
ثم تقرير طبي.
وضعت يدي فوق الورقة الأخيرة.
كان عليها ختم مستشفى معروف.
وتحت الختم جملة واحدة
لا توجد حالة قلبية تستدعي العلاج المزعوم.
أغمضت عيني.
كنت أعرف.
كنت أعرف منذ خمسة أشهر.
لكنني كنت أحتاج دليلاً.
دليلاً لا يستطيع حمزة الهروب منه.
ولهذا لم ألغِ الزفاف قبل اليوم.
كنت أريد أن أجمع كل شيء.
وفي اللحظة التي أعطاني فيها حمزة مقعدي لندى
أعطاني آخر دليل كنت أحتاجه.
رن جرس الباب.
فتحت.
كان الرجل الذي انتظرته.
محامٍ في أواخر الخمسينيات.
دخل ووضع حقيبة على الطاولة.
كل شيء جاهز.
نظرت إليه.
متأكد؟
فتح الحقيبة.
الحسابات ستُجمّد صباح الغد. عقود الشركات ستُراجع. والوكالات التي وقعتها باسمكِ خلال السنوات الماضية ستُلغى.
توقفت.
والبيت؟
بيتكِ باسمكِ.
والشركة؟
حصتكِ محفوظة.
ثم أخرج ورقة.
وهناك شيء آخر.
رفعت عيني إليه.
ماذا؟
قال
اكتشفنا أن حمزة حاول نقل ملكية جزء من الشركة إلى شركة أخرى منذ ثلاثة أسابيع.
ضحكت.
ضحكة قصيرة بلا فرح.
كنت أعرف.
لكنكِ لم تعرفي شيئاً آخر.
ماذا؟
فتح ملفاً جديداً.
الشركة الأخرى مسجلة باسم شخص قريب جداً من ندى.
تجمدت.
من؟
رفع المحامي عينيه إليّ.
والدها.
في الفندق
فتح حمزة الظرف.
كانت بداخله ورقة واحدة.
قرأها.
ثم شحب وجهه.
لا
اقترب منه أحد أقاربه.
ماذا هناك؟
أخفى الورقة بسرعة.
لكن ندى كانت قد رأت وجهه.
حمزة؟
لم يجب.
اقتربت منه.
ماذا كتبت سارة؟
نظر إليها.
ولأول مرة
لم تكن نظراته مليئة بالحنان.
كانت مليئة بالخوف.
قال
هي تعرف.
تراجعت ندى خطوة.
تعرف ماذا؟
كل شيء.
تغير وجهها.
حمزة، ماذا تقصد؟
رفع صوته فجأة
اخرسي!
ساد الصمت.
كانت هذه أول مرة يرى فيها الجميع حمزة يصرخ في ندى.
وضعت يدها على صدرها.
قلبي
اقترب منها أحد الحاضرين.
لكنها قالت بسرعة
لا تلمسني!
توقف الرجل.
وفي تلك اللحظة
صدر صوت من مكبرات القاعة.
طَق.
ثم اشتغل جهاز العرض.
ظهرت شاشة سوداء.
وبعدها ظهرت صورة.
صورة ندى وهي تدخل مستشفى.
ثم صورة أخرى.
وهي تخرج منه بعد دقائق.
ثم فيديو.
كانت ندى تمشي بشكل طبيعي تماماً.
لا جهاز أكسجين.
لا تعب.
لا دواء.
لا شيء.
ثم ظهر تسجيل صوتي.
صوت ندى
كل مرة تقول لي إنها ستتركه، تجعلني أشعر أنني خسرت المعركة.
ثم صوت حمزة
لا تقلقي. ستتزوجني اليوم مهما حدث.
تجمدت القاعة.
ثم ظهر تسجيل آخر.
حمزة
بعد الزواج، ننقل ملكية العقار.
ندى
وسارة؟
حمزة
سارة تثق بي. ستوقع أي شيء أطلبه منها.
انطلقت همهمات من كل جانب.
أما حمزة
فلم يعد يستطيع الكلام.
التفت إلى شاشة العرض.
ثم إلى الباب.
ثم إلى ندى.
وفجأة
سمع صوتاً خلفه.
كنت مخطئاً يا حمزة.
التفت الجميع.
كنت أقف عند مدخل القاعة.
بدلة سوداء.
شعر مرتب.
لا فستان أبيض.
لا طرحة.
لا دموع.
وفي يدي الملف.
تقدمت ببطء.
ثلاثمائة شخص يحدقون بي.
أما حمزة فظل واقفاً كأنه يرى شبحاً.
قال
سارة
ابتسمت.
لا تقل اسمي بهذه الطريقة.
دعيني أشرح.
لا أريد تفسيراً.
اقترب خطوة.
أنا أحبك.
ضحكت.
بعد اثني عشر عاماً ما زلت لا تعرفني.
ماذا تقصدين؟
رفعت الملف.
كنت تظن أنك تركتني اليوم.
ثم وضعت الملف على الطاولة.
الحقيقة أنك خسرتني منذ خمسة أشهر.
ارتبك.
خمسة أشهر؟
منذ اليوم الذي اكتشفت فيه أن ندى لم تكن مريضة.
نظرت إلى ندى.
وأنكما لم تكونا تحاولان فقط تدمير زفافي.
ثم رفعت ورقة.
كنتما تحاولان سرقة حياتي كلها.
صرخت ندى
هذا كذب!
التفتُّ إليها.
إذن أخبريهم لماذا حوّلتِ شركة والدكِ مبلغاً ضخماً إلى حسابك قبل أسبوع من توقيع عقد زواجي؟
سكتت.
قلت
وأخبريهم لماذا حجزتما غرفة في الفندق نفسه لمدة ثلاثة أيام بعد الزفاف؟
ازداد الصمت.
ثم أخرجت صورة.
وأخبريهم لماذا كانت هذه الغرفة باسمكما معاً؟
انخفض رأس ندى.
أما حمزة
فقال بصوت مكسور
سارة، أرجوكِ.
أرجوكِ ماذا؟
لا تفعلي هذا أمام الناس.
اقتربت منه.
وقلت بهدوء
أنت الذي اخترت أن تجعلني أركب السيارة الأخيرة أمام الناس.
ثم أشرت إلى ندى.
وأنت الذي أعطيتها مكاني أمام الناس.
ثم نظرت إلى القاعة.
لذلك قررت أن أعطيكم جميعاً الحقيقة أمام الناس أيضاً.
صفق أحدهم.
ثم شخص آخر.
ثم امتلأت القاعة بالهمسات.
لكنني لم أكن قد انتهيت.
رفعت الورقة الأخيرة.
هناك مفاجأة أخرى.
نظر إليّ حمزة بخوف.
ما هي؟
أجبته
العقد الذي كنت تريد مني توقيعه بعد الزواج
ثم ابتسمت.
أنا لم أوقعه.
تجمد.
ماذا؟
لأنني

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *