فرحى بعد شهرحكايات رومانى مكرم الثاني والاخير

كان الرقم الغريب يرتجف على شاشة الهاتف، ينبض بين أرقام خضراء متتالية، وكأنه نداء من مجهول يحمل في طياته بقايا حكايات لم تُغلق بعد. نظرت ندى إلى الشاشة لثوانٍ، أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الخط بصوت هادئ ومستقر: “ألو؟”

جاءها من الطرف الآخر صوت أنثوي يرتجف، صوت يحمل نبرة رعب تعرفها ندى جيداً؛ نبرة الخوف المكتوم، والخديعة التي تُكتشف في لحظة خاطفة: “ندى؟ أنا.. أنا هدى. خطيبة حسام الجديدة.”

ساد الصمت لثوانٍ. لم تندهش ندى، بل شعرت ببرودة تحل في المكان. ردت بنبرة متزنة: “أهلاً يا هدى.. خير؟ في حاجة حصلت؟”

جهشت هدى بالبكاء على الطرف الآخر، بكاء مرير كسر كل حواجز الغرابة بينهما. بين الشهقات، كانت الكلمات تخرج مبعثرة: “أنا آسفة إني بكلمك.. بس أنا غرقانة ومش عارفة أروح لمين. حسام كان بيصوّرك قدامنا كلنا إنك معقدة ومجنونة ومبتفهمش في الأصول، وإنك تبلّيتي عليه وفتعتي مشكلة من ولا حاجة عشان تنهي الجوازة.. بس اللي حصل معايا النهاردة خلاني أفهم كل كلمة كانت بتتقال عنك، وخلاني أعرف إني كنت أعمى.”

استندت ندى بظهرها على المقعد، وقالت بصوت هادئ يحمل كل الدعم: “هدى.. اتنفّسي واهدي، وقوليلي إيه اللي حصل بالضبط؟”

بدأت هدى تحكي بصوت يتملكه الذعر. السيناريو كان صورة طبق الأصل، وكأن حسام يتبع كتالوجاً لا يتغير: “كنا بننقي السجاد، وقالي الشقة قريبة، تعالى نحط السجاد وننزل فوراً.. طلعت معاه بصنية، وقفل الباب بالمفتاح. لما طلب حاجات مش وقتها وقلتله لأ، اتغير.. نظراته اتغيرت، وقالي ‘إحنا كاتبين كتابنا وما فيش داعي نضيع وقت، والناس كدة كدة فاكرة إننا اتجوزنا’.. ولما حاولت أبعد ونهرته، مسكني بعنف وقالي ‘أومال فاكرة نفسك مين؟ مش هتعملي عليا شريفة زي اللي قبلك!’.. أنا اترعبت يا ندى، هددته بإني أصرخ وأفضحه، ولما شافني وبصرح فتح الباب وجريت!”

أغلقت ندى عينيها برهة، حسّت بغصة في حلقها ليس حزناً على ما فات، بل غضباً على تكرار ، ورحمة بهذه الفتاة التي كادت أن تكون ضحية ثانية لنفس النفسي الذي يختبئ خلف ورقة كتب الكتاب.

“أنا خايفة يا ندى.. خايفة من كلام الناس، وخايفة من أهلي! أهلي شايفين إنه عريس ما يتعوضش، وهو نازل كلام فيا وفي أهلي وبيقول إننا بنكبر الموضوع وإن دي حاجات طبيعية بين أي اتنين متجوزين!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *