زهرة الربيع الثاني والاخير
وقفنا في اللحظة اللي فيها سعاد صرخت بجنون لما عرفت إن بيتها ولع، ووقفت أنا قدام راضي بقلب متكسر ومشاعير ميتة، كلمتي اللي قلتها نزلت عليه كالصاعقة: “والجرح ده.. مش هيتلم أبد الدهر!”
راضي فضل قاعد على ركبه مكانها، باصص لإيدي اللي سحبتها منه كأن روحي اتسحبت معها. نزل راسه في الأرض وبقى يبكي بصمت، عياط راجل اتهد مفيش بعده هدم، بس النادم دايماً بيجي بعد ما فوات الأوان بيكون خلص على كل حاجة. محمد أخويا نزل يطمن على سعاد اللي جريت زي المذعورة على بيتها والنار بتاكل تعب سنينها، وناهد مرات أخويا قربت مني بحنان ودموعها على خدها، حضنتني وقالت بصوت واطي: “البقاء لله يا حنان.. حقك ترتاحِي، كفاية اللي شلتيه.”
مرت الأيام، وبيت راضي تحول لساحة صمت طويل. كان بيعمل المستحيل عشان يرضيني، بيحاول يصلح اللي انكسر، يجيب الأكل، يهتم بالبنت، يكلمني بنبرة كلها رجا وتذلل، بس للأسف، مفيش أي كلمة كانت تقدر ترجع ريحة أمي، ولا مسح صورة وهي بتسأل عليا وأنا مسجونة في البيت. كنت بكلمه على قد الحاجة، أكل وأشرب وأربي بنتي، لكن روحي اللي كانت بتحبه اتبخرت.
لحد ما في يوم، وبعد مرور شهر تقريباً على وفاتها، كنت قاعدة بالليل وبنتي نايمة، سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة.
قمت بخطوات بطيئة وفتحت الباب.. وكانت الفاجعة التانية!
لقيت سعاد أختي.. بس شكلها ما كانش يتصدق. هدومها مبهدلة، شعرها منكوش، وعنيها حمرا ودايبة من كتر العياط. وقفت قدامي ثواني ساكتة، وبعدين وقعت على ركبها قدام عتبة الباب، ومسكت في طرف جلابيتي وبقت تصرخ بانهيار هستيري:
— “الحقيني يا حنان.. سامحيني.. جوزي طلقني ورماني في الشارع، والناس كلها بتقول إن دي نار أمي اللي ولعت في بيتنا وجهازي.. وكل ده بسبب أنانية وسوسة شيطان.. الحقيني يا اختي أنا ضعت!”
بصيت لها وهي مكسورة على الأرض، حسيت ببرودة في جسمي كله، ووقفت ساكتة لا عارفة أطردها ولا عارفة أرحمها، وفي اللحظة دي، طلع راضي من جوه على الصوت، وبص لسعاد وهي مرمية على باب بيتنا، وبعدين رفع عينه ليا وكأنه بيستنى يشニ قراري في أقسى اختبار ممكن إنسان يعيشه!راضي وقف مكانه، باصص لسعاد وهي مرمية على العتبة بتترجاني، وبعدين بص لي بعيون كلها ترقب، كأنه مستني يشوف هل قسوة السنين هتعلمنا الرحمة، ولا الكسرة هتاكل الباقي مننا.
سعاد فضلت تعيط بصوت مجروح:
— “عارفة إني غلطت.. عارفة إن أمي ماتت مقهورة بسببي وبسبب قسوتي، بس والله العظيم توبة.. ما لي غيرك يا حنان، ضريت نفسي وضيعت بيتي!”
نزلْت لمستواها على الأرض، بصيت في عيونها اللي مليانة الندم، وحسيت بنار الوجع اللي كلت قلبي يوم موت أمي وهي بتسأل عني. مسكت إيديها اللي كانت بتترتعش، ورفعت راسها وقلیت بصوت متهدج:
— “أمك يا سعاد.. مش دعت عليكي عشان تكرهك، دي دمعتها كانت حارقاني أنا وكياني كله.. بس اللي فات مات، واليوم اللي ضاع مش هي رجع. تعالي.. بيتي مفتوح لك، لأن لو قسينا زي ما الناس قست، ميبقاش لينا عزة.”
سعاد عيطت بحرقة أكبر، وحضنتني وهي بتستغفر وتبوس رأسي، وراضي نزل على ركبه جنبنا، مد إيده بهدوء وساعد سعاد تقوم ودخلها الصالة، كأن المشهد ده كان بوابته هو كمان عشان يطلب السماح الحقيقي من جوايا.
مرت السنين.. البيت رجع تدب فيه الروح، سعاد بقت إنسانة تانية، اتعظت من القسوة، وبقت تخدم جوزها وبيتها وعرفت قيمة “الستر”، وراضي كرس حياته كلها عشان يمحى غلطة الماضي، وبقى أب وزوج حنون بيكفر عن كل دمعة نزلت مني.
لكن في ليلة من الليالي، وأنا قاعدة على سجادة الصلاة بدعي لأمي بالمغفرة والرحمة، تليفوني رن برقم غريب.
فتحت الخط، وجاني صوت راجل غريب بيقول بنبرة حادة ومرعبة:
— “أنتِ مدام حنان أخت محمد؟ الحقيه بسرعة.. أخوكِ محمد في المستشفي، وبينازع في العناية المركزة، وحالته خطيرة جداً.. الحقيه قبل ما يفوت الأوان!”الموبايل وقع من إيدي، وحسيت إن الكابوس بينعاد من جديد، كأن جدران البيت بتقفل عليا. بصيت لسعاد اللي كانت مذهولة وبتعيط، وبصيت لراضي اللي أول ما سمعني بصرخ، جري عليا وخد الطرحة وقال بصوت حازم وثابت:
— “قومي يا حنان.. البسي عبايتك بسرعة، أنا جاي معاكي ومش هسيبك، يلا على المستشفى!”
نزلنا زي المجانين، الطريّق كان طويل وثقيل، وكل دقيقة كانت بتعدي كانت كأنها حجر محطوط فوق قلبي. طول الطريق وأنا بدعي ربنا بعزم ودموع: “يا رب.. استرها، متحرمنيش منه زي ما حرمتني من أمي.. يا رب دخيلك!”
وصلنا المستشفى، جرينا على قسم العناية المركزة، لقينا ناهد مرات أخويا قاعدة على الأرض قدام الباب، وشها أبيض زي الكفن، وهدومها متبهدلة، ومنهارة من العياط وبتخبط على صدرها. أول ما شافتنا، قامت جري وحضنتني وصرخت بصوت مقهور:
— “الحقيه يا حنان.. محمد بيموت! جاله هبوط حاد في الدورة الدموية وسكتة قلبية مفاجئة.. والدكتور جوه بيقول إن الساعات دي حاسمة وصعبة أوي!”
رجليا مبقتش شايلاني، فوقفت قدام إزاز العناية المركزة، وبصيت جوه.. لقيت أخويا محمد نايم على السرير، والأجهزة متركبة في جسمه، ووشه باهت عليه علامات التعب الشديد. راضي وقف جنبي وحط إيده على كتفي بحنان وقال بصوت هادي:
— “ادعيله يا حنان.. ربنا كريم ومش هيسيبه.”
مرت ساعات الصبر والدموع كأنها سنين، لحد ما فتح باب العناية المركزة وطلع الدكتور ووجهه ملامحه متجهمة. كلنا جرينا عليه بلهفة وصرخة واحدة:
— “طمنا يا دكتور.. محمد عامل إيه؟!”
الدكتور بص لنا بثقل وقال بكلمات نزلت كالصاعقة:
— “احنا عملنا اللي قدرنا عليه، بس…— “لكن للأسف، عضلة القلب ضعفت جداً، وحصلت مضاعفات خطيرة.. البقاء لله، البخت قصير والحالة كانت متأخرة أوي.”
الكلمة نزلت على وداني كأنها صوت رعد شق السما نصين. حسيت الدنيا كلها بتلف بيا، والكون ضاق بيا لحد ما بقيت مش قادرة أخد نفسي. صرخت صرخة طلعت من أعماق روحي، ووقعت على ركبي قدام باب العناية. ناهد انهاررت تماماً ووقعت مغشي عليها على الأرض، وسعاد بقت تلطم على وشها وتصوت بوعي مفقود.
راضي جري عليا بسرعة، نزل لمستوايا وحضنني جامد، وكان بيحاول يمسك دموعه بصعوبة بالغة وهو بيحاول يهديني ويقول بصوت مرتعش:
— “اصبري يا حنان.. لا إله إلا الله.. ادعيله بالرحمة يا حبيبتي، ادعيله!”
بس أنا مكنتش سامعة أي حاجة. فلاشات الماضي كلها هجمت عليا في ثانية واحدة.. أمي اللي ماتت وهي بتسأل عني، وكلمات محمد الأخيرة وهو بيطمني وبيقف جنبي، وصوته وهو بيعاتبني بحب.. أخويا السند الوحيد بعد أمي راح هو كمان! حسيت إن البيت والعيلة اتهدوا تماماً ومبقاش ليا حد.
دخلونا نودعه.. وقفت قدام سريره في العناية، وكان وشّه منور وساكن بهدوء غريب، كأنه ارتاح من هموم الدنيا وثقلها. ميلت عليه، وبست راسه وإيده وأنا بتمتم بصوت منهار:
— “ليه يا محمد.. ليه تسيبني وتشد الرحل ورا أمي بالسرعة دي؟.. سلم لي عليها.. قولها حنان لسه بتحبك ومقدرتش تنسى!”
خلصت إجراءات الدفن، وعدت أيام العزا في نفس الصوان تقريباً اللي استقبلنا فيه عزا أمي من سنين قريبة. القهر كان سيد الموقف، والوجع كان بيعصر قلوبنا كلنا.
في آخر يوم في العزا، بعد ما الناس مشيت والسكون رجع للبيت، كنت قاعدة في الصالة لوحدي، ضلمة المكان حواليا بتعكس ظلام اللي جوايا. لقيت سعاد جاية بخطوات بطيئة، وقعدت جنبي على الكنبة، ومسكت إيدي وقالت بصوت مكسور وناعم أول مرة أسمعه منها:
— “يا حنان.. تفتكري محمد كان حامل هم حاجة قبل ما يتعب؟.. ده كان دايماً يقول أنا خايف أموت وأسيب ناهد والولاد، وكنت بحس إن في سر جواه مخبيه عننا كلنا.”
قبل ما أرد على سعاد، لقينا باب الشقة بيخبط خبطات خفيفة ومترددة.
قمت ببطء، وقلبي كان بيدق بعنف وكأن في مفاجأة تانية مستنياني ورا الباب. فتحت الباب.. وكانت اللحظة اللي هتقلب كل الموازين من تاني!”فتحنا الباب أنا وسعاد، ولقينا قدامنا راجل كبير في السن، شعره أبيض كالبصل، ولحيته خفيفة، وماسك في إيده كيس قماشي قديم ومتهالك، ونظرات عينه تايهة وخايفة.
بص لينا بصوت متهدج وقال:
— “أنتِ المدام حنان؟.. أنا أباظة.. جار أخويا المرحوم محمد في الورشة القديمة.. البقاء لله يا بنتي، محمد الله يرحمه كان راجل طيب، ومن أطهر خلق الله.”
دخلناه الصالة وقعدناه، وراضي جه بسرعة وطلب له كوباية مياه. وبصينا له بانتظار ونفسنا متمسكة بخيط حيرة وطمأنينة.
الراجل تنفس بعمق، وفتح الكيس القماشي، وطلع منه “دفتر صغير ومهالك” وكمان “ورقة بيضاء مطوية كذا تطبيق”، وحطهم قدامنا على الترابيزة وقال بصوت خافت:
— “محمد الله يرحمه، قبل ما يتعب بيومين، جالي الورشة وكان عيونه مكسورة وبكاء كأنه حاسس بأجله. اداني الكيس ده وقالي: (يا عم أباظة.. لو جرالي حاجة، أمانة عليك تطلع البيت ده وتدي الأمانة دي لأختي حنان.. وتقولها.. محمد مسبش لمراته و أولاده غير ستر ربنا، بس الورقة دي فيها سر طمأنينة أمنا اللي اتوفيت مكسورة الخاطر بسببي وبسبب تقصيرنا.. ودي وصيتي الأخييرة ليها).”
قلبي دق بجنون، ومديت إيدي بخطوات مرتعشة وفتحت الورقة المطوية.
أول ما عيني وقعت على الخط المكتوب جوه الورقة، اتجمدت في مكاني، وحسيت أن الأنفاس انقطعت في صدري، وصرخت صرخة رعب هزت جدران البيت كله، وخليت راضي وسعاد يقوموا مفزوعين وهما بيسألوا بذهول:
— “في إيه يا حنان؟! مكتوب إيه في الورقة؟!”الورقة ما كانتش مجرد كلام عابر، دي كانت مفاجأة من العيار الثقيل اللي هزت كياننا كلنا!
مسكت سعاد الورقة من إيدي وهي بتترتعش، وقرت بصوت عالي وهي عينيها بتطلع برة راسها من الصدمة:
”يا حنان ويا سعاد.. لو بتقروا الورقة دي، فاعرفوا إني سبت الدنيا ورحت لأمي.. بس قبل ما أموت، لازم أقولكم السر اللي كنت مخبيه سنين عشان ما أحرقش قلب أمي وهي عايشة.. الفلوس اللي أبوكم سابها وراحت في تقسيم الورث زمان، ما ضاعتش ولا حد سرقها.. أنا وسعاد اللي ضيعناها في بيع وهمي واتحايلنا على أمي عشان توقع على الورق وهي نايمة على السرير ومش قادرة.. أمنا ماتت وهي زعلانة منا كلنا، مفكرة إنها ظلمتكم، وهي الحقيقة اللي طاهرة ومنكسرة.. السبت الجاي لو ما ردتوش حقوق حنان كاملة، حقوقها اللي سرقناها.. مش هسامحكم لا في دنيا ولا أخرة، وناهد مراتي ملهاش ذنب.. سامحوني.. محمد.”
الصمت طبق على المكان كأنه سك\\ينة تذبح الأنفاس. سعاد وقعت الورقة من إيديها وفضلت تلطم على وشها وهي بتعيط بصوت عالي:
— “يعني احنا اللي قتلنا أمنا بقهرتنا.. احنا اللي سرقناها؟!”
راضي بص لينا بصدمة، وبعدين بص للراجل العجوز اللي نزل راسه بحزن وقام بهدوء ومشي وسابنا في وسط النار اللي ولعت من جديد.
أنا فضلت واقفة زي الخشبة، عيوني ناشفة، لا دموع نازلة ولا صوت طالع، حاسة إن كل اللي عشته من وجع وموت وقهر كان كوم، والسر ده كوم تاني خالص. قرب مني راضي، حط إيده على كتفي بحذر، وقال بصوت منكسر ومتردد:
— “يا حنان.. أعمل إيه.. أقول إيه.. حقك راجع، أنا هبيع اللي ورايا واللي قدامي وأرجعلك كل ذرة حق ليكي عند أخوكي وأختك.. بس اتكلمي.. متسكتيش كده!”
بصيت لراضي، وبعدين بصت لسعاد اللي كانت منهارة ومنطرحة على الأرض، وضحكت بصوت مسحور.. ضحكة وجع مجنونة هزت حيطان الشقة كلها، وقلت بصوت بارد وصارم قطع ضلمة الليل:
— “الحق مبيرجعش يا راضي.. أمي راحت، ومحمد راح، وفلوس الدنيا كلها دلوقتي متبللة بدموعهم.. خلاص.. مبقاش ينفع كلام!”كلمتي نزلت على الكل كأنها سكين تذبح الباقي من الروح. سعاد كانت بتعيط بانهيار وتضرب كف بكف وهي مرددة: “ضيعنا نفسنا.. ضيعنا أمنا.. وبنحاسب الناس على قسوتنا واحنا الأصل!”
راضي وقف قدامي، عيونه مدمعة ووشه كله ندم وخزي، مسك إيدي بقوة وهو بيترجاني:
— “عشان خاطري يا حنان.. متخليش السكتة دي تاكلك. حقك أنا هاخده تالت ومثلث، وسعاد دي أنا هجيبها تركع قدامك.. بس كلميني، عاتبيني، طلعي النار اللي جواكي!”
سحبت إيدي من إيده ببطء شديد، وبصيت له بنظرة قطعت قلبه، وقلت بصوت هادئ ومخيف:
— “النار يا راضي عمرها ما بتطفي.. اللي ماتوا راحوا، واللي فضلوا.. عايشون بجلابيب مبلولة بدموع المظلومين. انا مش عايزة فلوس أخويا ولا ورث سعاد.. أنا عايزة روحي اللي راحت، وعايزة أمي اللي ما لحقتش أبوس إيدها قبل ما تطلع.”
سبتهم وطلعت ببطء على البلكونة، الهواء البارد لطش وجهي، بصيت للسما المليانة نجوم، ودموعي نزلت بصمت، حسيت كأن روح أمي ومحمد طايرين فوق بيتنا، بيبصوا عليا بنظرة رضا خفيفة، كأنهم بيقولولي: “خلاص يا حنان.. ارتاحي، الحق ظهر، وكل واحد هياخد جزاه.”
وراء في الصقة، كان عياط سعاد بيقل ويتحول لشهقات مكسورة، وراضي واقف في الباب باصصلي بحزن وأسف دائم، وكأن الغلطة دي هتفضل مرسومة قدامه طول عمره، تذكره بكل دمعة حرم منها مراته وأمها.
القصة يمكن خلصت هنا بالنسبة للناس.. بس بالنسبة لينا، الجرح ده.. هيعيش معانا لحد ما نروحي للي رحلوا!
(تمت بحمد الله، ونتمنى أن تكون القصة نالت إعجابكم وتأثرتم بعبرها ومشاعرها المؤثرة)