منى السيد الثاني والاخير
قنعني، قالي نحمي حقك وحق أختك الغلبانة، أنا أمك يا طارق.. متسمعش كلام الغريبة دي! دي عايزة تفرق بينك وبين أهلك!
طارق بص لأمه بنظرة انكسار عمري ما هنساها في حياتي. نظرة ابن شاف أمه وهي بټطعنه پسكينة تلمة في ضهره. الدموع نزلت من عينيه، بس وشه كان بارد كالحجر.
الغريبة دي..
صوت طارق كان واطي ومزلزل
هي الوحيدة اللي وقفت قدامي لما عرفت الحقيقة، ومفكرتش في فلوس ولا ورث.. الغريبة دي كانت بتجري بيا المستشفيات امبارح وبتدور على أحسن دكتور، وأنتي اللي خلفتيني قاعدة بتكتبي وصيتي مع أخوكي وأنا لسه عايش!
طارق مد إيده، مسك الشنطة بتاعت عماد ورماها ناحية الباب
برا!
صړخ بأعلى ما في صوته
اخرجوا بره بيتي! برا ومشوفش وش حد فيكم تاني! ملكوش ابن ولا ليك ابن أخت.. من اللحظة دي أنا مليش عيلة غير الست دي وبس!
عماد شال شنطته وهو بيبرطم بغل
بكرة ټندم يا طارق.. بكرة لما تحتاجنا مش هتلاقي حد يشيلك!
وخرج ورزع الباب وراه.
أما طنط نادية، فضلت واقفة پتبكي وبتترجاه
طارق.. يا ابني عشان خاطري.. سامحني، ده الشيطان دخل بينا..
طارق فتحلها الباب بنفسه، وبص في الأرض
انزلي يا أمي.. انزلي وادعيلي، ده لو لسه في قلبك حتة أم بتحس.. بس متدخليش بيتي ده تاني لحد ما أقرر أنا هعمل إيه.
خرجت طنط نادية وهي بتجر رجليها، وقفل الباب وراهم.
أول ما الباب اتقفل، طارق انهار على الأرض.. قعد على ركبه، وحط وشه بين إيديه، وبدأ يعيط عياط هستيري زي الأطفال.
قعدت جنبه على الأرض، وحضنته بكل قوتي. مكنش في كلام يتقال، كان محتاج بس يحس إن فيه حد في الدنيا دي بيحبه لشخصه، مش عشان وظيفته، ولا فلوسه، ولا شقته.
أنا اتكسرت يا ياسمين..
قالها وهو بيشهق
أقرب الناس ليا كانوا مستنيين مۏتي!
مش ھتموت يا طارق..
قولتله وأنا بمسح دموعه وببص في عينيه بقوة
أنت هتدخل العملية دي وهتقوم منها سليم، وهتبدأ معايا صفحة جديدة، مفهاش كدب، ومفهاش غطا، ومفهاش ناس مسمۏمة تسرق فرحتنا. أنا معاك ومش هسيبك، بس توعدني إنك تقاوم وتعيش عشاني.
هز راسه وهو بيتشعبط في حضڼي
بوعدك.. والله بوعدك.
يوم التلات.. الساعة ستة الصبح.
المستشفى كانت هادية، ريحة المعقمات في كل حتة، وصوت أجهزة المراقبة بيعمل نغمة منتظمة في الممرات.
طارق كان لابس لبس العمليات الأزرق، نايم على التروللي، وشه كان رايق لأول مرة من ست شهور. مكنش خاېف، كان مستسلم لقدره برضا كامل بعد ما نضف حياته من كل النفاق اللي كان محاوطه.
مسكت إيده وفضلت ماشية جنبه لحد باب العمليات الكبير.
مستنياك بره يا طارق.. سامعني؟ مش هتحرك من على الكرسي ده لحد ما تخرج وتبتسم في وشي.
ابتسم ابتسامة حقيقية، دافية، وضغط على إيدي
بحبك يا ياسمين.. وسامحيني على شوربة العدس!
ضحكت من وسط دموعي
مسامحاك.. بس هتعوضهالي بأحلى غدا لما تخرج!
الباب الأوتوماتيكي قفل، واليافطة المنورة بالأحمر اشتغلت غرفة العمليات جراحة كبرى.
قعدت على الكرسي في الممر.. ست ساعات كاملين كانوا أطول من ست سنين في عمري.
الممر كان فاضي، مفيش فيه غيري.. لا أمه جت، ولا خاله جه، ولا حد من عيلته سأل. كانوا فاكرين إن غيابهم هيكسرنا، مكنوش عارفين إن غيابهم كان أكبر نعمة وطهارة للمكان.
الساعة واحدة الظهر..
الباب اتفتح، وخرج الدكتور الجراح، لابس البالطو ونازل منه الماسك، وعلامات الإرهاق باينة على وشه.
جريت عليه وقلبي هيقف من الخۏف
طمّني يا دكتور.. أرجوك!
الدكتور قلع النضارة وابتسم ابتسامة واسعة ريحت كل خلية في