اتجوزت رجل اعمال

فكأنما ينظر إلى مرآة تعكس صورته يوم كان طفلاً. نفس اتساع العينين، نفس رسمة الحواجب، وتلك الغمازة الصغيرة التي تظهر في خد الصغير الأيمن حين يتثاءب.. تماماً مثل غمازة أدهم التي كانت سلمى تسخر منها دائماً.
هتف أدهم بصوت منخفض ومتقطع، وكأن الكلمات تأبى الخروج من حلقه
مروة.. إنتي.. إنتي هنا؟ و.. والطفل ده؟!
رفعت مروة وجهها إليه، وابتسمت بمرارة وسخرية أحرقت قلبه، وقالت بصوت ثابت رغم رعشة شفتيها
مستغرب ليه يا أدهم بيه؟ مستغرب إن العبدة الفقيرة اللي اتهمتها بالخېانة والكدب.. جابت ابنك؟ ولا مستغرب إن ربنا قادر يثبت كڈب تقاريرك الطبية اللي اتخذتها حجة عشان ترميني في الشارع وأنا حامل في قطعة منك؟
سقطت دمعة حارة من عين أدهم، وتحركت قدماه نحوها رغماً عنه وهو يكرر في ذهول مستحيل.. الأطباء قالوا.. التقارير قالت إني.. إني عقيم!
الفصل الرابع الحقيقة الطبية الملعوبة
دخلت الحاجة أمينة في تلك اللحظة إلى الغرفة محملة بأكياس بلاستيكية رخيصة، وقد بدت عليها آثار التعب والإرهاق من عمل الشاق. فوجئت بوجود رجل الأعمال الشهير أدهم العزبي واقفاً أمام ابنتها ومذهولاً بهذا الشكل. سقطت الأكياس من يد أمينة وهي تصيح پغضب إنت.. إنت إيه اللي جابك هنا؟ جاي تكمل على بنتي بعد ما ډمرت حياتها وطردتها وهي حامل في ابنك؟!
الټفت أدهم نحو أمينة پصدمة، ثم عاد بنظره إلى مروة التي وقفت بكبرياء رغم ضعف جسدها، وقالت بصوت هادئ وقاطع
اسأل نفسك يا أدهم.. اسأل طبيبك الخاص، الدكتور رءوف، اللي كان بياخد منك ملايين عشان يدير لك أموالك الصحية والنفسية، وهو نفسه اللي زوّر تقارير عقمك عشان يبقيك تحت سيطرته وتفضل وحيد مالكش وارث غير ابن أختك سلمى اللي بتتحكموا في أملاك العيلة كلها بسببه! أنا ما كذبتش عليك.. كنت متجوزة ببيتي وست بيتي، وإنت اللي بعتني عشان فلوسك وغرورك.
تراجع أدهم للخلف ووقع على الكرسي كمن تلقى صاعقة هبرت عقله. كل قطع اللغز تجمعت في رأسه. تذكر جشع الدكتور رءوف، وتذكر محاولات أخته سلمى المستميتة لإبعاده عن أي علاقة عاطفية قد تنهي سيطرة العائلة على ثروته. أدرك كم كان أعمى، وكم ظلم تلك الفتاة البريئة التي أحبته بصدق.
الفصل الخامس الندم الذي لا يشتري الزمان
حاول أدهم الاقتراب، ومد يده بترجي ودموعه تترقرق في عينيه مروة.. سامحيني.. أنا كنت غبي.. كنت أعمى.. والآن ولدي.. ابني معايا! تعالي معايا، هصلح كل حاجة، هكتب لك الدنيا واللي فيها، وهنعوض اللي فات.
نظرت إليه مروة بنظرة مليئة بالاحتقار والترفع، وقالت وهي تعدل غطاء يوسف بحنان
فلوسك ودنياك كلها متساويش عندي لحظة خوف عاشها ابني بسببي وأنا لوحدي.. ابني يوسف مش محتاج لفلوس واحد باع ابنه ومراته بالظن السيء. إحنا هنعيش بلقمة هنية من تعب إيدينا، وأنا هكون له الأب والأم.
التفتت
إلى أمها وقالت بحزم يلا يا ماما، خلصنا هنا.
حملت مروة طفلها الصغير بين يديها، وسارت بخطوات واسعة وثابتة نحو باب المستشفى، متجاهلة صرخات أدهم وتوسلاته التي ضاعت وسط زحام المكان وأصوات الممرضات.
بقي أدهم واقفاً مكانه، وسط الغرفة الضيقة، غارقاً في دموعه وندمه الأبدي، يدرك متأخراً أن ثروة العالم بأسره لا تستطيع أن تعيد له قلباً كسره بغروره، ولا طفلاً وامرأةً فرّط فيهما بثمن بخس.
عبرة القصة
إن الغرور والظن السيء قتّالان، وحين يرتكن الإنسان إلى كبريائه وظنونه الخاطئة، فإنه قد يخسر أغلى ما يملك في الحياة، ويترك خلفه رماداً من الندم الذي لا ينطفئ.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *