دفنونى
المرأة قالت: “إحنا عندنا تسجيل واضح لصوته وهو بيقول إن اللي حصل لك كان عقاب.” ثم التفتت لأمه: “وعندنا صوتك وإنتِ بتقولي إنه درس لازم تتعلمه.” ثم نظرت لنادين: “وعندنا كلامك عن إن الحشرات مش هتعملها حاجة.” نادين بدأت تبكي: “أنا ماكنتش أقصد” المرأة ردت ببرود: “مش دوري أحدد قصدك.” ثم انحنت ناحية التراب: “دوري أتأكد إن الضحية تطلع من هنا سليمة.” بدأ الرجلان يحفران حول جسمي. لكن فجأة الرجل الأول توقف: “استني.” رفع يده. كان ماسك شيئًا صغيرًا في التراب. قطعة معدنية. نظر إليها، ثم قال: “دي مش بتاعة الموبايل.” جوزي تغير لونه. أمه بصت له. نادين قالت: “إيه دي؟” الرجل مسح الطين عنها. ظهرت قطعة صغيرة تشبه جهاز تسجيل مصغر. المرأة أخذتها منه. نظرت إليها لثوانٍ. ثم شغلتها.
خرج صوت جوزي من التسجيل: “بكرة الصبح هنقول للكل إنها خرجت من البيت لوحدها.” أمه ردت: “ولو حد سأل؟” “نقول إنها كانت مضطربة ومش فاهمة هي بتعمل إيه.” شهقت نادين. ثم جاء صوت جوزي مرة أخرى: “أهم حاجة محدش يعرف إنها لسه هنا.” سكتت المرأة. ثم أوقفت التسجيل. رفعت عينيها لجوزي: “واضح إن عندنا مشكلة أكبر مما توقعنا.” جوزي حاول يقترب منها: “التسجيل ده ممكن يكون مفبرك.” ردت فورًا: “ممكن.” ثم أشارت إلى جهاز التسجيل: “عشان كده هيتفحص.” بدأ جوزي يتنفس بسرعة. أما أنا، فكنت أحاول أتمسك بوعيي. وفجأة شعرت بدوار شديد. التراب بدأ يلف حواليا. سمعت المرأة تقول: “لازم نطلعها حالًا.” لكن قبل ما يقدروا يكملوا الحفر جاء صوت من داخل البيت. صوت باب اتفتح. ثم صوت شخص بيجري على السلم. الرجل الثاني رفع رأسه: “فيه حد جوه.” جوزي اندفع ناحية الباب. لكن المرأة أمسكت بذراعه: “محدش يتحرك.” في نفس اللحظة سمعنا صوت خطوات تقترب من باب الجنينة. خطوة ثم خطوة ثم توقفت. وجاء صوت هادئ جدًا من خلف الباب: “لو طلعتوها دلوقتي هتعرفوا ليه أنا كنت ساكت كل الوقت ده.” جوزي بص ناحية الباب. وأنا حبست أنفاسي. لأن الصوت كان صوت شخص أعرفه جيدًا. شخص لم أتوقع أبدًا أن يكون هو صاحب البلاغ.
توقفت أنفاسي. الصوت كان مألوفًا لدرجة إن جسمي كله ارتجف. المرأة بصت لي وسألت: “تعرفي مين؟” قبل ما أقدر أجاوب، الباب اتفتح ببطء. وظهر عم جوزي، الحاج فؤاد. كان واقفًا بهدوء غريب، وفي إيده ظرف بني قديم. جوزي صرخ: “إنت؟!” فؤاد ما بصش له. بص لي أنا. ثم قال: “كنت مستني اليوم ده من شهور.” جوزي اندفع ناحيته: “إنت اللي بلغت عن البيت؟!” رفع فؤاد الظرف وقال: “أيوه.” سكت الجميع. أمه قربت منه وهي بتترعش: “ليه تعمل كده؟ دي عيلتنا!” رد عليها: “عشان اللي حصل لها ماكانش أول مرة.” جوزي قال بسرعة: “إنت مش فاهم حاجة!” فؤاد ضحك ضحكة قصيرة بلا فرحة: “بالعكس أنا فاهم كل حاجة.” ثم فتح الظرف. خرجت منه مجموعة أوراق وصور. حط أول صورة على الترابيزة القريبة. كانت صورة للجنينة. نفس المكان. لكن الصورة كانت ملتقطة قبل دفني بأسبوع. وتحت الصورة تاريخ. المرأة أخذتها ونظرت إليها. ثم قلبت الورقة. كان مكتوبًا: “الحفرة موجودة من قبل.” جوزي اتجمد. أنا شعرت بقشعريرة. الحفرة كانت موجودة قبل ما يدفنوني. يعني اللي حصل ماكانش قرارًا لحظيًا. كان مُخططًا له. فؤاد قال: “أنا اكتشفت الحفرة بالصدفة لما جيت أصلح ماسورة المياه.” أمه بدأت تبكي: “والله ماكنا ناويين” فؤاد قاطعها: “متكمليش.” ثم نظر إلى جوزي: “لأنك مش هتقدر تقول إنك ماكنتش عارف.” جوزي ظل صامتًا.