دفنونى

تاني يوم، شفايفي كانت اتشققت من كتر ما كنت بتنفس من الشفاطة. رقبتي كانت بتلسعني من التراب المبلول، ورجلي الشمال بقالها ساعات مش حاسّة بيها. وكنت من يوم ما دفنوني في الجنينة ما كلتش لقمة. كان فيه نص ساندوتش محطوط في طبق بلاستيك فوق سور البلكونة. فضل هناك لحد ما الهوا وقع الطبق على الأرض. بعد شوية، جوزي نزل السلم وفي إيده جركن مية صغير. وقف قدامي لدرجة إني كنت شايفة الطين الناشف لازق في جوانب جزمته. وبصلي وقال: “لسه هتكملي في العند ده؟” بصيت على الجركن بدل ما أبصله. فتح الغطا، وبدأ يصب المية عليّا بالراحة، وكان متعمد ما يجيش ناحية الشفاطة. أمه كانت واقفة عند باب البيت بتتفرج. قال بصوت واطي: “أهو إحنا بنراعيكي برضه بعد كل اللي عملتيه.” بلعت المية اللي وصلت لفمي، وسيبت الباقي ينزل على التراب. وفجأة البيبي اتحرك. حركة صغيرة جدًا. بس المرة دي كانت واضحة. حطيت صباعي على زر التسجيل وبدأت تسجيل جديد.

جوزي قرب مني وقعد على ركبته، واتكلم بصوت هادي جدًا – الصوت اللي كان بيستخدمه لما يكون فيه حد غريب حوالينا: “كل اللي مطلوب منك تقولي إنك فهمتي ليه حصل فيكي كده.” نفخت نفس من الشفاطة. وسكت. ما ادتلوش كلمة واحدة يقدر بعد كده يحورها ويقول إنها كانت اعتذار. ابتسامته اختفت.

وبعد ساعات الموبايل اهتز تحت التراب. نادين قالت بسرعة: “يمكن تايمر الرشاشات.” لكنها كانت عارفة كويس إن علبة التحكم بتاعة الرشاشات موجودة عند السور الناحية التانية من الجنينة. جوزي ما ردش عليها. نزل من البلكونة، وقرب مني. وبدأ يحفر بإيده حوالين كتفي. ضحكته اختفت. بصلي وقال: “إيه ده؟” أنا فضلت ساكتة والشفاطة بين شفايفي. حط إيده أكتر في التراب المبلول. وبدأ يدور بإيده جنب كتفي اليمين. وفجأة صابعه لمست كيس البلاستيك. سحب إيده بسرعة وبص لأخته وأمه. وبعدين همس: “إنتي جبتي معاكي حاجة للجنينة، صح؟” ولأول مرة من يوم ما دفنوني شوفت الخوف في عينه. لأن إيده كانت لسه ماسكة كيس الموبايل. وهو ما كانش عارف إن اللي سجله الموبايل لحد اللحظة دي، كان كفاية يهدّ بيتهم كله.

تجمّد جوزي مكانه، وكأنه لأول مرة يشوفني مش كزوجة ضعيفة محاصرة تحت التراب لكن كخطر حقيقي ممكن يهد كل حاجة بناها. شدّ كيس الموبايل من التراب، لكن إيده وقفت قبل ما يطلعه بالكامل. قلت في سري: “متستعجلش” لأن في اللحظة دي بالذات، حصل شيء ماكانش في حسابه. الموبايل اهتز مرة تانية. ثم مرة ثالثة. وبصوت خافت جدًا، خرج منه إشعار. نادين قربت منه وقالت: “افتحه!” بصلها بعصبية: “اخرسي!” أمه نزلت من على السلم، وهي بتبص للموبايل بخوف واضح: “هو كان بيسجل؟” جوزي ما ردش. شدّ الكيس بعنف، لكن البلاستيك اتقطع من طرفه. وقع الموبايل في الطين. لثواني، ماحدش اتحرك. ثم ظهرت الشاشة. كانت مضيئة. وفي أعلاها علامة التسجيل. نادين شهقت: “يا نهار أبيض” جوزي اندفع ناحية الموبايل. لكن قبل ما إيده توصله سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت. صوت باب عربية اتقفل. ثم صوت رجل غريب من خارج السور: “مساء الخير الأستاذ موجود؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *