عيد ميلاد ابويا روايات رولا
في حفلة عيد ميلاد أبويا الـ71 في الجنينة، بَصِت أمي في وش ابني ابن التمن سنين وقالت: “المرة الجاية سيبيه في البيت.”
صوتها مكنش واطي.
ومستنّتش لما يبعد أو يروح في حتة.
كل اللي قاعدين على السفرة سمعوها.
ومفيش مخلوق فتح بقُه بكلمة.
وفجأة، بنتي عندها سبعطاشر سنة زقت الكرسي لورا، وقفت، وبصت في عين تيتة بصة مباشرة وقالت:
”قولي الكلمة دي تاني كده.”
الحفلة كلها السكوت طَبّ عليها.
لحد اللحظة دي، كل حاجة كانت ماشية طبيعي جداً.
الكفتة والفراخ على الشواية.
وشفاطق العصير على التربيزات المتطَبقة المتغطية بأطباق ومناديل ورقية.
والعيال بيلعبوا ويجروا في الجنينة والكبار بيضحكوا ويتكلموا.
وفجأة أمي تلتفت ناحية يوسف.
”المرة الجاية متجيبوش الولد ده معاكم.”
إخواتي سمعوها.
عماتي وخالاتي سمعوها.
ولاد عمي سمعوها.
أبويا نفسه سمعها.
والألعن من ده كله، إن يوسف سمع كل كلمة اتقالت.
ابني اتسمّر في مكانه والشوكة البلاستيك معلقة في نص الطريق لبقُه.
كان لابس التيشيرت الكحلي اللي بيموت فيه، اللي عليه صورة ديناصور من قدام.
وكان اختار يقعد على البنش بدل النجيلة عشان شاف نمل ماشي على الأرض.
ومن أول ما وصلنا، ويوسف بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان ميزعجش حد ولا يضايق مخلوق.
قبلها بشوية، الكلب بتاع أخويا جِري فيه ودلق العصير بتاعه.
يوسف أتأسف في ساعتها.
مرتين.
مع إن الغلطة مكنتش غلطته أصلاً.
وبعدها جاب مناديل ورقية ولمّ العصير كله من الأرض في الوقت اللي باقي الناس كانت بتضحك ومكملة أكل عادي.
لدرجة دي كان بيموت نفسه عشان يحس إنه مقبول وسطهم.
بصيت لأمي باستغراب:
”إنتي قلتي إيه حالا؟”
بمنتهى البرود مسحت بقها بالمنديل.
”قلت اللي الكل ساكتين عنه يا مريم. الولد ده بيكئّب القعدة أول ما بيطبّ في حتة.”
الكلمات كانت تجرح، بس مكنتش مفاجأة بالنسبة لي.
دي مكنتش أول مرة أمي ترمي كلام على يوسف.
على مدار سنين، الكلام كان بييجي متغلف في أشكال أصغر.
إفيهات رخمة.
شكاوى صغيرة.
تلميحات الكل بيعمل نفسه مش واخد باله منها عشان دي “تيتة”.
الناس كانت بتعديلها عشان هي اللي بتجمعنا في العزومات.
عشان بتفتكر أعياد الميلاد.
وعشان بتعرف تكون لطيفة ودافية لما يعجبها المزاج.
بس الكبار ساعات بينسوا حاجة مهمة جداً.
العيال بتفتكر كل كلمة قاسية الكبار بيفوتوها.
وش يوسف اصفرّ.
وكتافه اتضمّت لجوه.
وبعدين حط الشوكة بالراحة على الطبق لدرجة إنها مطلعتاش صوت تقريباً.
وكأنه خايف حتى الصوت العالي يدي حد حجة تانية عشان ميكونش عايزه في المكان.
بصيت حواليا على التربيزة.
أختي فجأة بقت مركزة جداً مع تليفونها.
أخويا التفت ناحية الشواية.
أبويا تنحنح وبص الناحية التانية.
محدش دافع عن يوسف.
ولا بني آدم قال لأمي إنها غلطانة.
فتحت بقي عشان أتكلم.
وقبل ما أنطق، الكرسي اللي جنبي اتمط في الأرض بصوت عالي.
ليلى وقفت.
بنتي صاحبة السبعطاشر سنة كانت بتكره المشاكل والمواجهات.
بتكره تكون محط الأنظار.
وكانت دايماً بترتب المناقشات الصعبة في دماغها قبل ما تنطق بكلمة.
عشان كده، لمن شافوها واقفة وإيدها الإتنين مربوطين على التربيزة بثبات، الكل اتصدم.
بصت في وش جدتها طوال.
”قوليها تاني كده.”
أمي بربشت.
”أفندم؟”
ليلى متحركتش من مكانها.
”قوليها تاني. بصي في وش يوسف وقوليله متجيش العزومات العائلية تاني عشان وجودك هنا بيكسفنا ومضايقك.”
واحدة من خالاتي اتكلمت بصوت واطي:
”ليلى…”
”لا.”
صوتها كان بيلعثم شوية.
بس عينها مانزلتش من على جدتها.
”الكل عامل نفسه مش فاهم إن تيتة تقصد الكلام ده. يوسف عارف إنها تقصده. هو دايماً عارف.”
جنبي، يوسف كان باصص للديناصور اللي على تيشيرته.
مديت إيدي تحت التربيزة ومسكت إيده.
صوابعه مسكت في إيدي في ساعتها بقوة.
أمي ساندت ضهرها على الكرسي.
”إنتي عندك سبعطاشر سنة. خليكي برة كلام الكبار.”
وش ليلى فضِل ثابت.
”الموضوع مابقاش كلام كبار من اللحظة اللي قررتي فيها تهيني طفل عنده تمن سنين قدام العيلة كلها.”
محدش اتتحرك.
الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو طقطقة الفحم في الشواية وراينا.
وفي ناحية الجراج، حد قفل غطا صندوق الثلج بصوت عالي.
وفجأة ليلى مَدّت إيدها للشنطة المترشقة على ضهر الكرسي بتاعها.
ولأول مرة، حاجة اتغيرت في وش أمي.
مكنش خوف صريح.
كان أقرب للذهول والإدراك.
وقتها بس فهمت إن ليلى مكنتش مجرد اتعصبت في اللحظة دي.
ليلى كانت مستنية اللحظة دي.
طلّعت تليفونها.
فتحت القفل.
وحطته في نص التربيزة.
تسجيل صوتي ظهر على الشاشة.
التاريخ كان باين إنه متسجل من تلات ليالي فاتوا.
أمي بصت بالتحديد للتليفون.
ليلى حطت صباعها فوق زرار التشغيل بالضبط.
”إنتي قلتيلي إني كبرت وخلاص بقيت بفهم ليه يوسف ميفضلش ييجي تاني.”
المنديل وقع من إيد أمي.
الكل بص لليلى.
وبعدين بصوا لأمي.
عشان أي حاجة حصلت من تلات ليالي، كانت واضحة إنها حصلت من غير ما حد فينا يعرف.
وليلى سجلتها.
كان معاها دليل على اللي تيتة بجد بتقوله لما تكون فاكرة إن محدش هيسمعها.
وفي خلال ثواني، كل اللي قاعدين على السفرة دول كانوا على وشك يكتشفوا إن مشاعرها ناحية يوسف كانت أعمق بكثير—ومستمرة من زمان قوي—أكتر ما أي حد فينا كان بيتخيل.
لسه فاكرة بالضبط يوسف كان لابس إيه في عيد ميلاد أبويا الـ71.
كان اختار التيشيرت الكحلي اللي بيموت فيه، اللي عليه رسمة ديناصور “ترايسيراتوبس” مالية الصدر.
يوسف كان بيؤمن إن الهدوم بتفرق في المناسبات المهمة.
كان عنده تمن سنين وبيتعامل مع عزومات العيلة بجدية واحد بيجهز للامتحان.
وإحنا في العربية، فكرني تلات مرات أركّن العربية جوة الجراج مش في الشارع، عشان كلب الجيران ساعات بيهرب من السور المكسور.
شرح لي وقتها وقال: “أنا مش خايف من الكلاب يا ماما.. بس بحب أكون عارف مكانها فين قبل ما تقرب مني.”
هو ده يوسف.
بيحب النظام.
والحاجات المتوقعة.
وإنه يكون عارف إيه اللي ممكن يحصل قبل ما يحصل.
الدكتورة بتاعته، دكتورة أمل، كانت بتقول على الحالة دي إنها إدراك عالي باللي حواليه مع احتياج شديد لبيئة هادية ومتوقعة.
بس في عزومات العيلة، ده كان معناه إن يوسف بيبذل مجهود أكبر بكثير من اللي أي حد متخيله.
أول ما وصلنا، اختار يقعد على بنش خشب بعناية عشان لاحظ إن فيه نمل في النجيلة.
ومن لحظة ما وصل، كان مصمم يعمل كل حاجة صح وبالمسطرة.
وبعدين حصلت حادثة العصير.
الكلب الجولدن بتاع أخويا طارق، جِري فجأة من وراه وخبطه.
كوباية يوسف طارت من إيده.
العصير اتدلق على التربيزة وعلى كم بلوزة خالتو سحر.
يوسف أتأسف في ساعتها.
الأول لخالتو سحر.
وبعدين أتأسف للكلب نفسه!
وبعدها جاب مناديل ورقية وقعد يمسح التربيزة بنفسه.
الكل قعد يضحك:
”ده الكلب يا يوسف عادي.”
”اهدى يا حبيبي.”
”إنت معملتش حاجة.”
بس يوسف فضِل يمسح لحد ما التربيزة بقت ناشفة تماماً.
محدش طلب منه ينضفها.
واللخبطة مكنتش غلطته أصلاً.
بس يوسف كان عايز الكل يشوف إنه يقدر يتصرف، إنه مفيد، وإنه مش عامل مشكلة لحد.
وأنا باصالة وهو بيموت نفسه عشان ياخد قبول من ناس المفروض تدهوله بلاش، كان فيه حاجة جوايا بتتكسر.
عيلتي مكنوش أشرار بشكل صريح.
يمكن لو كانوا كده كانت بقت أسهل.
بس كان عندهم—وبالأخص أمي—طبع إنهم يحددوا مين السهل يتحب، ومين اللي محتاج “وجع دماغ” وتظبيط.
العيال اللي بتتصرف زي ما هي متوقعة ياخدوا الحنية كلها.
والعيال اللي محتاجة معاملة خاصة يتعاملوا كإنهم “مشروع بيتدبّر”.
وأي حد يخلي العزومة مش مريحة بنسبة 100%، يتقلب في السر لـ “مشكلة”.
أمي عاشت بالأسلوب ده سنين طويلة لدرجة إننا كلنا اتعلمنا مانيجيش جنها ولا نتحداها.
لحد ما قالتها.
كانت قاعدة وشها ليوسف على السفرة.
طبقها فيه نص سندوتش وسلاطة البطاطس اللي بتعملها.
بصتله لعدة دقايق.
وبعدين، ومن غير ما توطي صوتها، قالت:
”المرة الجاية سيبيه في البيت.”
يوسف كانت الشوكة البلاستيك معلقة في نص الطريق لبقُه.
بالراحة خالص، نزلها.